أدخل كلمة للبحث

المناولة المينائية و التشوين طبقا للاحكام الجديدة للقانون البحري الجزائري

المناولة المينائية و التشوين طبقا للاحكام الجديدة للقانون البحري الجزائري

    محمد بن عمار

    استاذ محاضر في الحقوق

    جامعة ابي بكر بلقايد - تلمسان

    في القديم كانت السفينة تنتقل من ميناء الى اخر لنقل البضائع حسب الطلب اي بطريقة غير منتظمة. كانت البضائع قليلة الوزن فكان طاقم السفينة يقوم بنفسه بعملية الشحن في ميناء الذهاب كما كان يقوم بفك هذه البضاعة وتفريغها في ميناء الوصول. كانت السفينة ترسو في ميناء مدة طويلة وعليه كان الطاقم يستفيد من وقت كاف سواء لشحن او لتفريغ البضاعة، غالبا ما كانت تشحن وتفرغ البضائع على ظهر البحارة . في بعض الاحيان كانت تستعمل تجهيزات السفينة وفي احيان اخرى كانت تتم الاستعانة بعمال اجانب على السفينة .

    مع تطور وسائل النقل البحري وظهور رحلات منتظمة وكذا ارتفاع حجم الحمولة برزت الى الوجود مؤسسات مختصة في عمليات الشحن والتفريغ. نشاطات هذه المؤسسات لم تقصر على هذا الجانب المادي بل امتدت الى جانب اخر قانوني يتمثل في استلام البضاعة والمحافظة عليها في انتظار شحنها او في انتظار تسليمها لاصحابها - يعبر على العمليات ذات الطابع المادي للمناولة المينائية « La Manutention portuaire » بينما يعبر على العمليات ذات الطابع القانوني بالتشوين "Lacconage".

    القانون البحري في صيغته الاصلية (1) لم يميز بين هذين النشاطين ونظمهما في الباب السابع منه تحت عنوان"الشحن والتفريغ في الموانئ"، وخلافا لذلك،

    -------------------

    1) راجع الامر 76-80 المؤرخ في 23/10/1976 الجريدة الرسمية رقم 29 الصادرة 10/04/1977 ص 550 .

    -----------------

    التعديلات التي ادخلت على القانون البحري مؤخرا ( 2 ) اقرت هذا التمييز في فصلين اثنين من الباب الخامس - الاول ينظم المناولة المينائية والثاني التشوين - اذا لم يقم المشرع الجزائري، هذا التمييز في قانون1976السبب ربما هو ممارسة النشاط في حد ذاته الذي كان مقتصرا على شركة عمومية واحدة بصفة احتكارية .

    قبل دراسة احكام المناولة المينائية والتشوين وفقا للتعديلات التي ادخلت على القانون البحري علينا ان نذكر بكيفية ممارسة هذه النشاطات منذ الاستقلال الى يومنا هذا .

    1- تاريخ المناولة المينائية والتشوين

    مباشرة بعد الاستقلال وقبل انشاء الشركة الجزائرية للملاحة البحرية سمح لبعض المقاولات المملوكة للفرنسيين بالاستمرار في القيام بنشاطاتها .

    في سنة 1963 انشات الشركة الجزائرية CNAN التي كانت تمارس نشاطات مختلفة كنقل المسافرين وعلميات السمسرة والوكالة وقطر السفن وكذلك المناولة المينائية والتشوين .

    بعد مغادرة الفرنسيين استفادت الشركة الوطنية للملاحة البحرية من وسائل مقاولتهم واصبحت المؤسسة الوحيدة التي تقوم بشحن وتفريغ البضائع على مستوى الموانئ في البلاد. هذا النوع من الاحتكار الفعلي لعمليات الشحن والتفريغ للبضائع كرس قانونيا بعد صدور الامر 69-50 في 17 جوان 1969 (3). تضمنت هياكل الشركة الوطنية للنقل البحري قسما للمناولة المينائية والتشوين - نمو هذا الاخير نتج عنه ميلاد شركة وطنية مستقلة في عام 1971(4)، مهمتها الاساسية هي شحن وتفريع البضائع، سميت بالشركة الوطنية للشحن والتفريغ في الموانئ SONAMA » « .

    -------------------

    2) راجع القانون رقم 98-05 المؤرخ 25/06/1998 المعدل والمتمم

    3) راجع المرسوم رقم 69-50 المؤرخ 17/06/1969 والمتضمن الشركة الوطنية لجزائرية النقل البحري للشحن والتفريغ في الموانئ

    4) راجع الامر 71-16 المؤرخ في 09/04/1971 لمتضمن انشاء " سوناما" .

    ------------------

    في سنة 1982 مع ظهور اول بوادر السياسة الانفتاحية للدولة الجزائرية باللجوء الى ما عرف انذاك باعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية (5)، حلت شركة " سوناما" وعوضت بمؤسسات مينائية متواجدة الى حد الان على مستوى عشرة موانئ - الملاحظ اليوم ان هذه المؤسسات رفع عنها احتكار ممارسة عدة نشاطات مينائية.

    المادة892 من القانون المعدل والمتمم للقانون البحري تنص صراحة على ان " … اعمال المناولة والتشوين نشاطات تجارية مينائية يمكن ممارستها من طرف كل شخص طبيعي من جنسية جزائرية او شخص معنوي خاضع للقانون الجزائري …." .

    كان يوجد نوعان من عمال الموانئ منهم المحترفون ومنهم المؤقتون. كانت شروط العمل تحددها اتفاقية جماعية ابرمت في عام 1946 وعدلت بعد الاستقلال في عام 1965 - فئة المحترفون يتمتعون بأسبقية في التوظيف كانت لديهم بطاقة الاحتراف - التوظيف كان يتم يوميا عن طريق المكتب الرئيسي لليد العاملة أين كانوا يتجهون كل صباح - من امتيازات هذه الفئة انه في حالة عدم توظيفهم كان لهم الحق في الحصول على تعويض مالي ولو كان ضعيفا .

    لقد عمدت الدولة الجزائرية على تحسين وضعية عمال الموانئ والجميع يعرف التضحيات التي قدموها خلال الثورة التحريرية خاصة في ميناء العاصمة وميناء وهران .

    ففي اول ماي 1974 الغى النظام السابق للتوظيف الذي كان معمولا به وادمج كل العمال المحترفين بقوة القانون في شركة " سوناما" كما ادمج اغلبية المؤقتين لاعتبارات اجتماعية الى نفس الشركة واصبح يعمل بالنظام الدائم فقط .

    الملاحظ ان الجزء القليل من العمال المؤقتين الذين لم يستفيدوا من الادماج في " سوناما" وظفوا في شركات وطنية اخرى .

    اذا كان العنصر البشري هام في عمليات المناولة المينائية والتشوين فان الوسائل المادية لها اهميتها - تنوعها او عدم تنوعها وكذلك كثرتها او قلتها يؤثر على

    ______________

    5) راجع المرسوم 80-242 المؤرخ في 04/1980 المتضمن اعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية .

    ----------------------

    سرعة شحن او تفريغ البضائع - ان بقاء السفينة راسية داخل الميناء لمدة طويلة لا يخدم لا مصلحة مالكها ولا مصلحة مالك البضائع .

    لقد عانت ولازالت تعاني الموانئ الوطنية من العجز في الوسائل وكذا من قدمها مما يفسر المشاهد للسفن التي تنتظر سواء داخل الموانئ او خارجها دورها من اجل تفريغها او شحن البضائع على متنها .

    تنقسم وسائل الشحن والتفريغ الى وسائل عمومية ووسائل خاصة - ويدخل ضمن النوع الاول .

    اجهزة شحن وتفريغ البضائع والمناولة على الارصفة وكذلك رفع الصواري وازال الصواري الاصلية … الخ .

    المخازن التي تودع فيها البضائع مؤقتا من اجل التعريف عليها .

    محطة نقل المسافرين وامتعتهم .

    رافعات مختلفة ( رافعة مسند قلاب، رافعة قنطرية، رافعة على السكة … الخ ) .

    عند عدم او قلة الوسائل العمومية غالبا ما يقوم اصحاب البضاعة سواء مرسليها او المرسل اليهم بعملية الشحن والتفريغ بانفسهم مستعملين في ذلك وسائلهم الخاصة. المبدا هو انه لا يسمح بمثل هذا الاستعمال الا عند عدم توفر الوسائل لدى مؤسسة الميناء .

    منذ سنتين، وخاصة بعد ان تبنت الجزائر سياسة اقتصادية جديدة مبنية على حرية التجارة، تعرف الموانئ تحولات جديدة تمثلت في انشاء مرافئ للحاويات Terminaux à conteneurs في عدة موانئ وتجهيز هذه الاخيرة بوسائل ومعدات جديدة .

    بعدما وضحنا الاطار المادي للمناولة المينائية والتشوين نتعرض الان الى الاطار القانوني لممارسة هذه الانشطة .

    2- الاطار القانوني لممارسة المناولة المينائية والتشوين

    تهدف المناولة المينائية الى التكفل بالبضاعة ماديا بحيث يقوم مقاول المناولة بشحن البضائع ورصها وفكها وانزالها كما يلتزم بوضع البضائع على السطوح الترابية والمغارات واخذها هذا الالتزام جوهري - المناولة اذن لا تحتوي فقط على الشحن والتفريغ، وانما تتوسع لتشمل التكفل بالبضاعة على الارصفة او بجانب السفينة او حتى على السطوح الترابية او في المغارات وهي في انتظار شحنها او تفريغها .

    حسب المادة 920 من القانون الصادر في 25 جوان 1998 (6)، يشمل التشوين العمليات الموجهة لتامين الاستلام والتاشير والتعرف في اليابسة على البضائع المشحونة او المنزلة وحراستها الى ان يتم شحنها او تسليمها الى المرسل اليه .

    على خلاف المناولة المينائية يقوم مقاول التشوين بالتكفل القانوني للبضاعة العمليتان في الحقيقة متكاملتان .

    التمييز الذي قام به المشرع الجزائري في الاحكام الجديدة للقانون البحري بين المناولة المينائية والتشوين لا يعني بتاتا وجود مقاولات خاصة او تختص في احد النشاطين - بالعكس مادام اننا بصدد حرية التجارة وحرية المقاولة، القانون لا يمنع على اية مقاولة الاحتراف في المناولة المينائية والتشوين معا، بل اكثر من ذلك قد يقوم وكيل العبور بعمليات المناولة المينائية ويبقى تصرفه صحيحا ما لم يمنع القانون صراحة ذلك .

    تعتبر عقود المناولة المينائية والتشوين عقود رضائية لا يشترط لصحتها الكتابة كما يستخلص ذلك من المادتين (7) 913 و921 من القانون المعدل والمتمم للقانون البحري عكس ما كانت تنص عليه المادة 875 فقرة 1 الملغاة من القانون البحري، من جهة اخرى تعتبر عقود المناولة المينائية والتشوين عقود تجارية يجوز اثباتها بجميع الوسائل وفقا لما جاءت به المادة 30 من القانون التجاري .

    _____________

    6) انظر اعلاه ص 2

    7) راجع : René Rodiere : Traité Droit Maritime; Tome 3. Dalloz p53.

    -------------------

    قد يصعب تحديد الطبيعة القانونية لعقد المناولة المينائية وعقد التشوين لانهما يحتويان على عدة عمليات. اذا نظرنا الى عمليات المناولة المينائية التي تشمل شحن وتفريغ البضائع او انزالها ووضعها على السطوح الترابية وفي المغارات، نستطيع ان نصنف هذا العقد ضمن عقود المقاولة(8)، اما عقد التشوين الذي يشمل على عمليات قانونية تتمثل في تامين الاستلام والتاشير والتعرف على البضائع وتسليمها الى المرسل اليه قد يكون عقد وكالة او عقد انابة لان مقاول التشوين يحل محل صاحب البضاعة. يمكن اعتبار كذلك عقد التشوين عقد وديعة ما دام ان مقاول التشوين يلتزم بحراسة البضائع .

    تنفيذ عقد المناولة المينائية وعقد التشوين يدفع الى التعرف على التزامات ومسؤوليات المتعاقدين، ففي عقد المناولة المينائية لابد من تحديد من هم اطراف العقد، هذه الاطراف قد تحددها نوعية الخدمات - فعندما يتعلق الامر بالعمليات المادية، المتمثلة في شحن البضائع، ورصها وفكها وانزالها، حتميا الطرف المتعاقد مع المقاول المكلف بالمناولة المينائية هو الناقل - هذا الاخير يبقى مسؤولا طبقا للمادة 773 من القانون البحري على تحميل البضاعة ورصها وصيانتها حتى ولو اوكل المهمة لصاحب البضاعة - فمقاول المناولة المينائية يقوم بعمليات الشحن والتفريغ لحساب الناقل .

    اما عندما يتعلق الامر بعمليتي وضع البضائع على السطوح الترابية والمعازات واخذها، هنا يمكن لمقاول المناولة المينائية ان يقوم بهااما لحساب الناقل واما لمن له الحق في البضاعة (9) .

    على كل يجب على المقاول طبقا للمادة 914 من القانون المعدل والمتمم للقانون البحري ان يقوم بعمليات المناولة المينائية معتمدا في ذلك الكفاءة المهنية والتاهيل - نفس الالتزام قائـم بالنسبة لمقاول التشوين وذلك عملا بنص المادة 922 من القانون المذكور .

    _____________

    8) راجع المادة 549 من القانون المدني الجزائري .

    راجع E. du Pontavice. P. Cordier : Transport et affrètement maritimes - Dalmas 2° Edition 1990 p 162.

    -----------------

    تنص المادة 915 من القانون البحري المعدل والمتمم انه يكون مقاول المناولة المينائية مسؤولا في حالة خطئه تجاه من طلب خدماته - ووفقا لهذا المبدا اساس مسؤولية المقاول هو العقد - يجوز لكل من يتعاقد معه متابعته في حالة خطئه على هذا الاساس - المتعاقد مع المقاول قد يكون الشخص الذي تعاقد معه مباشرة او تعاقد بصفة غير مباشرة بواسطة شخص اخر كما ورد آنفا .

    اما بالنسبة للغير الخارج عن العقد فلا يحق له متابعة مقاول المناولة المينائية الا على اساس المسؤولية التقصيرية عندما نلحق به ضررا .

    كذلك بالنسبة لمقاول التشوين لا تسمح المادة 924 من القانون البحري من متابعته على اساس العقد الا لمن طلب خدماته .

    اذا كان التزام مقاول المناولة المينائية التزام بوسيلة فان التزام مقاول التشوين هو التزام بنتيجة وعليه لا يسال الاول على الخطا الثابت (Faute prouvée) بينما يمكن متابعة الثاني على اساس الخطا المفترض (Faute présumée) على عكس القانون المدني الذي يقرر مبدا التعويض الكامل عن الاضرار، فان مقاول المناولة المينائية يستفيد من مبدا تحديد المسؤولية الذي يعرف به للناقل البحري، فالمادة 916 من القانون المعدل والمتمم للقانون البحري ترجع الى الفصل الخاص بمسؤولية الناقل او بالضبط الى المادة 881 منه .

    نشير هنا الى ان مبدا تحديد المسؤولية لا يمكن التمسك به الا في حدود المسؤولية العقدية، معنى ذلك ان خارج هذه الحدود تبقى المسؤولية كاملة .

    لا يستفيد مقاول التشوين من مبدا تحديد المسؤولية، فهو مطالب بالتعويض عن الاضرار التي تلحق البضائع دون ان تفوق قيمة التعويض القيمة الفعلية للبضائع- من جهة اخرى يغض مقاول التشوين من المسؤولية اذا بقيت البضائع لمدة تتعدى الاجال المسموحة ما لم يتفق الاطراف على خلاف ذلك .

    ان توقف السفينة اكثر من اللازم في الميناء ليس في صالح مالكها لذا نصت المادة 917 من القانون البحري المعدل والمتمم على انه بعد انقضاء الاجل التعاقدي لا يمكن لمقاول المناولة المينائية ان يتحرر من مسؤوليته على الضرر الذي احدثه للسفينة بسبب اي تاخر في عمليتي الشحن والتفريغ - وبالعكس يجوز للمقاول ان يدفع بعدم مسؤوليته اذا تبين ان تجاوز الاجل لا يرجع اليه نشير الى ان الطرف الذي يتسبب في توقف عمليات الشحن والتفريغ هو المسؤول على النفقات الناتجة عن هذا التوقف ولا يستطيع ان يتمسك بعدم مسؤوليته الا في حالة القوة القاهرة .

    يشترط القانون ان يحدد التعويض على تجاوز الشحن والتفريغ في عقد المناولة .

    وفي راينا المشرع الجزائري اراد من خلال هذه الاحكام ان يدفع بمقاولي المناولة المينائية والتشوين الى القيام باعمالهم في اوقات معقولة حتى ينزع على الموانئ الوطنية تلك الصورة السلبية التي كثيرا ما تميزت بها والمتمثلة في الانسداد والاكتضاض - نعرف ان هذا الانتظار للسفن له انعكاسات اقتصادية ومالية .

    اخيرا الدعاوي سواء المترتبة عن عقد المناولة المينائية او عن عقد التشوين تنقضي بعد سنة واحدة يسري من يوم انتهاء اخر عملية منصوص عليها في احد العقدين. يمكن ان يوقف سريان هذه المدة طبقا لما نصت عليه المواد 317 و318 من القانون المدني الجزائري في حالة المطالبة القضائية او الحجز او اقرار المدين لحق الدائن .

    الخاتمة

    وضع المشرع الجزائري من خلال تعديل القانون البحري احكاما جديدة من شانها ارجاع للميناء طبيعته الاصلية وهي مكان للعبور وليس مكان يستعمل لايداع البضائع - كذلك هذه الاحكام قد ينتج عن تطبيقها التقليل من اكتضاض الموانئ .

    بالفعل نص على انه لا يمكن للبضائع العابرة على الموانئ ان تمكث اكثر من الوقت اللازم لاستيفاء الاجراءات، واذا انقضى الاجل، يوجه اعذار لصاحب البضاعة او وكيله حتى يلتزم برفع السلع، وفي حالة عدم استجابة صاحب البضاعة للاعذار الموجه اليه فان البضائع تحول الى المناطق الفسحة والمساحات الجمركية، يتحمل صاحب البضاعة مصاريف التحويل .

    * مجلة المحاكم المغربية، العدد 84، ص 89 .