أدخل كلمة للبحث

القرارات التحكيمية في قانون المسطرة المدني

القرارات التحكيمية في قانون المسطرة المدني

    بقلم الدكتور شعيبي المذكوري

    محام بهيئة الدار البيضاء

    مقدمة :

    1- سوف نحاول في هذه الدراسة الموجزة استقراء النصوص القانونية الخاصة بالتحكيم الواردة في قانونا المسطرةالمدنية التي قد تنظم التحكيم الوطني الصادر بالمغرب وكذلك التحكيم الاجنبي والذي قد يقع تنفيذ قراراته كليا او جزئيا بالمغرب وكذلك سوف نعرض بعض الاتفاقيات الدولية التي يعترف بها المغرب والتي تكمل بناءه القانوني المتعلق بالتنظيم التشريعي للتحكيم سواء كان وطنيا او دوليا.

    وسوف لن نخوض في الجدل الفقهي الدائر حول معيار التفرقة بين التحكيم الوطني والتحكيم الاجنبي او التمييز بين التحكيمي الداخلي والتحكيم الدولي.

    ويمكن تناول موضوع القرارات التحكيمية في قانون المسطرة المدنية من عدة زوايا مثل ما يتعلق بالمواضيع الواجب اثارتها التي تتعلق باصدار القرار التحكيمي واثاره وايداعه لدى كتابة الضبط التابعة للمحكمة التي صدر في دائرة نفوذها.

    غير اننا لا نفضل هذه المنهجية التقليدية لانها تتعلق بالمواضيع والمباحث اكثر منها بالمسلسل المسطري لميلاد القرار التحكيمي الى حين تنفيذه.

    ومادام الامر يتعلق بموضوع مسطري ينص على كرونولوجيا خاصة أي مسلسل تتعاقب فيه الاحداث من حيث الزمان فاننا ناخذ بعين الاعتبار عامل الزمان من جهة والمسطرة الواجب اتباعها في اصدار القرار التحكيمي الى حين تنفيذه من جهة اخرى ونقسم هذا الموضوع ببساطة الى مرحلتين:

    المرحلة الاولى: تسبق عملية اصدار القرار التحكيمي وفيه سوف نتناول الطبيعة القانونية للقرار التحكيمي و كيفية التداول فيه و اللغة التي يصدر بها القرار ثم عملية اصدار القرار التحكيمي نفسها.

    اخيرا سوف ندرس الاجل الذي ينث عليه قانون المسطرة المدنية للقيام بالتحكيم وانهاء هذه العملية بالنطق بالقرار التحكيمي.

    وسوف نخص المرحلة اللاحقة على اصدار القرار التحكيمي لدارسة اثار هذا القرار وخصوصا حجيته وقوته التنفيذية.

    كما سوف ندرس ايداع القرار التحكيمي بكتابة الضبط وما هي الاشكالات القانونية التي يطرحها هذا الموضوع وماذا سوف يقع بعد عملية الايداع هذه.

    2- عليه سوف نقسم هذا الموضوع الى مبحثين اثنين:

    المبحث الاول: مرحلة ما قبل اصدار القرار التحكيمي

    المبحث الثاني: المرحلة اللاحقة على اصدار القرار التحكيمي

    خاتمة:

    المبحث الاول: مرحلة ما قبل اصدار القرار التحكيمي

    3- ان موضوع طبيعة القرار التحكيمي قد اختلف فيه الراي وان مذاهب الشراح قد ذهبت فيه الى مذاهب شتى، فمن راي يذهب الى ان حكم المحكم- سواء في التحكيم بالقضاء او في التحكيم بالصلح- ما هو الا نتيجة مباشرة للاتفاق على التحكيم ومن تم له طبيعته التعاقدية.

    وثمة نظريات فقهية قديمة تبرز نشاة الخصومة القضائية ايضا باتفاق او شبه اتفاق. (1)

    ومن راي يذهب الى ان حكم المحكم وان كان مجرد اتفاق الا انه يتميز بقابليته للتنفيذ الجبري

    ومن راي اخر يذهب الى انه حكم له طبيعة خاصة (2)

    وقبل انه يعد بمثابة حكم كحكم القضاء تماما، فيما هذا ما اتصل بقابليته- في ذاته- للتنفيذ الجبري، ويستند هذا الاتجاه في الراي الى نصوص قانون المسطرة - فهي تعتبر قرار المحكم بمثابة حكم ( الفصول 308- 314- 316- 318- 320 -321- 322- 323- 324-325-326 من قانون المسطرة المدنية المغربي).

    -------------------------------

    1) احمد ابو الوفا "التحكيم الاختياري والاجباري"، الطبعة الخامسة 1988 ص 260.

    ------------------------------

    ومن الشراح من يعتبر قرار المحكم بمثابة الحكم، وانما من الوقت الذي يصدر فيه الامر بتنفيذه، وقبل هذا الوقت يكون مجردا عن هذه الصفة أي تكون له طبيعة تعاقدية.(1)

    ومع ذلك انتقد هذا الراس الاخير على اعتبار انه لا يتصور ان مجرد الامر الولائي بالتنفيذ يجعل العقد حكما (2).

    وقيل انه يتعين استبعاد تحديد الاساس القانوني لقرار المحكم وعقد التحكيم عليه على تقدير ان هذا او ذاك من طائفة معنية من العقود او الاجراءات، وانما الصحيح ان عقد التحكيم وكذا حكم المحكم هو عقد وحكم من نوع خاص (3) فحكم المحكم ليست به صفة تعاقدية، وبالتالي فهو ينفذ جبرا، في حين ان العقود لا تنفذ جبرا الا اذا حصل صاحب المصلحة على حكم قابل التنفيذ بصددها وبعبارة اخرى، حكم المحكم ينفذ جبرا بعد الحصول على امر بتنفيذه بينما الاتفاق لا ينفذ جبرا في ذاته، وانما الذي ينفذ هو الحكم الصادر في المنازعة التي بنيت على الاتفاق.

    4- ان قرار المحكم يعتبر بمثابة حكم بقوة القانون، فقانون المسطرة هو الذي منحه هذا الوصف في باب التحكم سواء في صدد تحريره واصداره، او في صدد اثاره والطعن فيه، وهو يعتد به كحكم لا كاتفاق، وبعبارة اخرى، عقد التحكيم وحده لا يكفي ليكون اساسا لتحديد طبيعة وظيفة التحكيم لانه لا يعتد باي اثر من اثاره الا ان المشرع في قانون المسطرة يجيز التحكيم، ويحدد من الاجراءات الامرة ما لا يمكن باي حال من الاحوال الاتفاق على مخالفتها، وهذه الاجراءات وان كان مبعثها في الاصل هو التعاقد الا انها تعد بمثابة اجراءات اساسية للتقاضي امام المحكم، ومنها ما قرره المشرع بصدد حكم المحكم وكتابته. وهذا الحكم يقف من الخصومة موقف احكام القضاء بمجرد صدوره، ولا يفترق عنها من ناحية حجيته واثاره والطعن فيه، وان اختلفت عنها من ناحية تنفيذه فقط لمجرد التحقق من انه قد صدر بالفعل بناء على شرط تحكيمي صحيح وان المحكم قد راعى الشكل يتطلبه منه القانون في هذا الصدد.

    ولا يمنح المحكم صفة الموظف العمومي، لا يمنحه سلطته وسلطانه، كما لا تمنح الاجراءات المتبعة امامه صفة الاجراءات القضائية (4).

    -----------------------------

    1) Bernard l'arbitrage volontaire

    2.3) Bernard

    Op. Cit. N. 4833 Bernard l'arbitrage volontaire

    4)احمد ابو الوفا، رقم 110

    ----------------------------

    5) والقاعدة ان المداولة واجبة امام المحكمين كوجوبها امام قضاء الدولة، وذلك - كما قيل بحق- على اعتبار ان التحكيم وقضاء الدولة أسلوبان لتحقيق هدف واحد هو اعمال حكم القانون او تحقيق العدالة. ومن تم ينظر الى هذه القاعدة باعتبارها قاعدة ذات محتوى عام ومن النظام العام لان من شانها احترام حق الدفاع. وكما هو الشان بالنسبة لقضاء الدولة القاعدة هي سرية المداولة بالنسبة للتحكيم ايضا ويبطل الحكم اذا ثبت صدوره دون مداولة(1). وقد حرص المشرع الفرنسي على النص في قانون المسطرة المدنية الجديد على ان المداولة بين المحكمين سرية ( الفصل 1469) اما قانون المسطرة المدنية المغربي فلم يتضمن نصوصا تتعلق بقواعد المداولة ونرى مع الراي الراجح في الفقه ان غياب مثل هذه النصوص لا يؤثر في وجوب اعمال قواعد المداولة على احكام المحكمين، اذ ينبغي تفسير سكوت المشرع على اساس حقيقة كون المداولة مفترضة منطقيا وقانونيا لمباشرة الوظيفة القضائية ومن تم يخضع حكم المحكم لقواعد المداولة المتبعة امام القضاء العادي(2).

    6- ويجب ان يكتب الحكم بلغة البلد الذي صدر فيه حتى يمكن ايداعه - بذاته- كتابة ضبط المحكمة واتخاذ الاجراءات المقررة لتنفيذه ولما كان قانون مغربة القضاء يقرر ان لغة المحاكم هي اللغة العربية فان حكم المحكم الصادر في المغرب، يجب ان تكتب نسخته الاصلية باللغة العربية.

    والاصل ان تتم المرافعة ويكتب الحكم بلغة البلاد، ما لم يتفق الخصوم على ان تتم المرافعة بلغة اخرى، ويحسن اتفاقهم على لغة المرافعة، عند تعدد لغاتهم، وانما يلزم في جميع الاحوال ان يكتب الحكم بلغة البلاد، حتى يمكن ايداعه - بذاته- كتابة ضبط المحكمة واتخاذ الاجراءات المقررة لتنفيذه (3)

    هذا ويلاحظ ان اللغة التي يكتب بها كحم المحكم - ومن باب اولي - لغة المرافعة- لا اثر لها في تحديد الحكم وما اذا كان يعتبر حكما اجنبيا، او غير اجنبي، كذلك جنسية المحكم لا اثر لها في هذا الصدد(4).

    ------------------------------

    1) امال احمد الفزايري "المداولة القضائية، دراسة تاصيلية مقارنة"، المكتب المصري الحديث، القاهرة

    1990 ص 64 وما يليها.

    2) الفزايري " دور قضاء الدولة في تحقيق فاعلية التحكيم" رقم 20.

    3) Bernard n. 373

    4) ابوالوفا ص 270-271.

    -------------------------------

    7- واذا صدر الحكم في المغرب بلغة اجنبية فلا يعتد بأية ترجمة لها ما لم تكن موقعة من المحكمين الذين وقعوا على الحكم وعندئذ تعد هذه الترجمة بمثابة النسخة الاصلية للحكم.

    ويتجه الراي في فرنسا وبلجيكا الى انه لا يلزم ان يكتب المحكم حكمه بلغة البلاد، وانه يجوز اتفاق الخصوم على ان يكتب المحكم حكمه بلغة اجنبية معنية، لان المحكم ليس بموظف، عمومي فيلتزم بلغة البلاد، وعند استئناف حكمه يعتد بالترجمة الرسمية في هذا الصدد في القوانين التي تجيز هذا الاستئناف.

    وحتى في بلجيكا عندما رؤى الاخذ بوجبة النظر المتقدمة صدر القانون في 15 يونيه1935 يجيز صراحة كتابة حكم المحكم فيها بلغة اجنبية (1) واذن لا يجوز في المغرب بدون نص تشريعي خاص ان يودع كتابة ضبط محكمة مغربية حكم محكم صدر في المغرب بلغة اجنبية.

    ويتعين - في بلجيكا حكم المحكم- كما هو الشان بالنسبة لاحكام القضاء - على ورق خاص عليه دمغة خاصة والا حكم على كل محكم بالغرامة دون ان يؤدي ذلك الى بطلان الحكم (2).

    8- وتنص الفقرة الاولى من الفصل 31 من قواعد اليونسترال ان القرار التحكيمي يصدر من اغلبية المحكمين أي بواسطة اثنين عند وجود محكمين ثلاثة.

    ولم ينص قانون المسطرة المدنية صراحة على ذلك غيران الفقرة الثانية من الفصل 314 تشير الى رفض الاقلية التوقيع على القرار التحكيمي في حالة ما اذا كان المحكمون اكثر من اثنين، ويفهم من ذلك انه يطبق قانون الاغلبية .

    كما ان الفصل 315 ينص على انه اذا لم يتفق المحكمون على حل النزاع المعروض عليهم وكان الاطراف قد اتفقوا عند اقامة عقد التحكيم او الشرط التحكيمي، على ان المحكمين في هذه الحالة يلتجئون الى محكم من الغير للفصل بينهم عينه هؤلاء فان لم يتفقوا على تعيينه حرروا محضرا لذلك وعين حينئذ بناء على طلب من يبادر بذلك بامر يصدره رئيس المحكمة الذي قد يكون مختصا في اصدار الامر بتنفيذ حكم المحكمين ولا يقبل هذا الامر أي طعن.

    يلتزم المحكمون المختلفون بتحرير ارائهم المعللة في محضر واحد او في محاضر مستقلة ويوجب الفصل 318 بان يكون حكم المحكمين مكتوبا وهذا تصديق لما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 32 من قواعد اليونسترال التي تقضي بان يكون القرار التحكيمي كتابيا.

    --------------------------

    1) Bernard n. 292.

    2) Bernard op. Cit. N. 498.

    ----------------------------

    وينص الفصل 318 المذكور على ان يتضمن حكم المحكمين بيانا لادعاءات الاطراف ونقط النزاع التي تناولها والمنطوق التي بث فيه ويوقع الحكم من لدن المحكمين وتحدد فيه هويتهم ويبين تاريخ ومحل اصداره .

    وهذه القاعدة تتفق في مجموعها مع ما تضمنته الفقرة الرابعة من الفصل 32 من قواعد اليونسترال بالنسبة للبيانات المطلوبة ومكان صدور الحكم وتاريخه وتوقيعات المحكمين.

    غير ان الفقرة الثانية من الفصل 314 من قانون المسطرة المدنية تنص على انه يوقع كل واحد من المحكمين الحكم، واذا كان المحكمون اكثر من اثنين ورفضت الاقلية التوقيع اشار المحكمون الاخرون لذلك فيه ويكون للمحكمين نفس المفعول كما لو وقع من الجميع.

    وفي هذا اعتراف بامكانية البت بواسطة اغلبية المحكمين، وفي ذلك اتفاق مع ما تضمنته قواعد اليونسترال من نصوص في الفصلين 31/1 و32/4 الصريحين في الاكتفاء بتوقيع اغلبية المحكمين ( أي اثنين من ثلاثة على الاقل) مع الاشارة في الحكم ذاته الى واقعة ان المحكم الثالث قد رفض التوقيع والخلاف الوجيز مع حكم القانون المغربي هو ان الفصل 314 المذكور لم يتطلب بيان السبب الذي ادى الى عدم توقيع ذلك الحكم ( او الاقلية) في حين ان الفصل 32/4 من قواعد اليونسترال تقتضي ان يتضمن حكم المحكم بيانا بسبب خلوه من توقيع الحكم المعني.

    هذا ويمكن للمحكم سيئ النية، لو صح اشتراط ضرورة المداولة حضوريا باشتراك الجميع، ان يحول متى شاء دون ان يصل التحكيم الى منتهاه، اذ يكفيه حينذاك ان يمتنع عن الحضور عندما يدعى للمداولة، ولا سبيل الى اجباره على ذلك، والا غلب في قضايا التحكيم عندما يكون من الظاهر حسب شواهد الحال ان تلك هي نية احد المحكمين ان تتم المداولة بالتراسل بحيث يقف كل محكم على اراء الاخرين وتتاح له فرصة التعليق والتعقيب لمحاولة تقريب وجهات النظر، فاذا ما كانت الاغلبية تضم اثنين امكن حينذاك اصدار حكم التحكيم (1) ومثل هذا الحكم يكون سليما مستوفيا للشروط القانونية التي تطلبها الفصل 318 ق.م.م على نحو جامع مانع، ويكون في ذلك الوقت متفقا تماما مع الفصلين 31 و32 من قواعد اليونسترال التي اكتفت فقط باشتراط وجود اغلبية دون الخوض في كيفية الوصول عمليا الى تحقق هذه الاغلبية.

    --------------------------

    1) سامية راشد " التحكيم الدولي في اطار المركز الاقليمي بالقاهرة"، ص 148.

    --------------------------

    9- واجاز الفصل 32/3 من قواعد اليونسترال للاطراف ان يتفقوا على عدم اعطاء اسباب، وبعبارة اخرى فانه، وان ظل الاصل العام في اطار قواعد اليونسترال هو قيام هيئة التحكيم ببيان الاسباب التي اسست عليها حجمها، فان التسبيب لا يكون لازما اذا ما اتفقت الاطراف على عدم الحاجة اليه.

    وسكت المشرع المغربي خصوصا في الفصل 318 عن وجوب تسبيب الحكم، فهل نرجع الى القواعد العامة للاحكام القضائية فتوجب التسبيب ام نفسر السكوت على انه تحرير للمحكمين من النزاع بالتسبيب، خصوصا وان الفقرة الاخيرة من الفصل 315 تلزم المحكمين المختلفين بتحرير ارائهم معللة في محضر واحد او في محاضر مستقلة؟

    ونحن نرجح عدم الزامية التسبيب لعدم وجود نص قانوني صريح بذلك ومن السلم ان اقتضاء التسبيب مرجعه في الاساس، الحرص على تمكين القضاء المغربي من مراقبة حكم المحكمين اذا ما طعن فيه او طلب منع تنفيذه.

    ويقترب الحكم التحكيم العادي من صورة التحكيم مع التفويض بالصلح في عدم تسبيب ويصير الامر في حقيقته كما لو كان الاطراف يقبلون سلفا قرار هيئة التحكيم كحكم نهائي، لا يجوز الطعن فيه امام القضاء المغربي وقابل للنفاذ دون اعتراض او منازعة.

    وفي هذا الصدد لا يلوم المحكمون الا انفسهم لتصرفهم في حقوقهم ومصالحهم الخاصة على هذا النحو بوعي وادراك كاملين وبالتالي لا تتاثر المصالح العليا للمجتمع المغربي نتيجة لذلك.

    بقيت الاشارة حول فرضية اشتراط المحكمين تسبيب القرار التحكيمي في ظل سكوت المشرع المغربي ونرد انه لا مانع من هذا الشرط ووجوب اعماله عملا بالقاعدة العامة التي تنص على ان العقد شريعة المتعاقدين وان هذا الشرط لا يخالف النظام العام المغربي، بل يضمن مصالح الاطراف المحكمة اكثر، ويعطي الفرصة للقضاء المغربي لمراقبة سير مسطرة خصومة التحكيم من جهة اخرى.

    10) ومن اخص واجبات المحكم اصدار في المنازعة المعروضة عليه لانه تم التعاقد معه بغية انهاء النزاع، لذا فلا غرابة في ان الحصيلة النهائية لالتزام المحكم هي اصدار الحكم

    وهو حق للخصوم ويتعين على المحكم ان يضع جدولا مع الخصوم لاجراءات الخصومة ويعمل من خلاله على اصدار الحكم خلال مهلة للتحكيم.

    وفي اصدار الحكم يراعي المحكم اعتبارين:

    اولا: ان لا يحكم الا بعد ان يطمئن وتستقر عقيدته على راي معين بعد الاطلاع على اوراق ومستندات الدعوى التي قدمت من الخصوم.

    ثانيا: يراعي المحكم عند الاطلاع على مستندات الدعوى، ان يهتدي الى حكمه خلال مهلة التحكيم ، وترتيبا على ذلك على المحكم مراعاة المناورات التي قد يلجا اليها الخصوم، بغية عرقلة الاجراءات، حتى يعجز المحكم على اصدار الحكم خلال مهلة التحكيم مثل ذلك .

    التأجيلات التي قد يتكرر من الخصوم طلبها من اجل الرد على الخصم الاخر وعلى المحكم وضع حد لها.

    - وقد يلجا الخصوم الى حيل أعقد منها مثلا تبديل محاميه في منتصف الاجراءات والمرافعة او قبيل نهاية تاريخ معين ضربه المحكم للانتهاء من تقديم المستندات مثلا او يمتنع عن اداء مبلغ مستحق لمحاميه- مما يستتبع امتناع المحامي عن القيام بمهمته ومن تم يعوق المحكم عن الفصل بالدعوى خلال مهلة التحكيم.

    وتكاد تشريعات الدول تجمع على منح الخصوم امكانية تحديد اجل التحكيم ابتداء ويؤكد ذلك حرية الاطراف في تحديد مهلة التحكيم - فكما ان الخصوم بارادتهم المنفردة اختاروا التحكيم، عوضا عن قضاء الدولة، فيكون لهم من باب اولى تحديد مهلة التحكيم، على اعتبار انهم قد اعملوا قاعدة الخصوم قضاة دعواهم (1).

    وفي هذا الصدد ينص الفصل 308 ق.م.م على انه يجب ان يعين سند التحكيم تحت طائلة البطلان الاجل الذي يتعين على المحكم او المحكمين ان يصدروا فيه حكمهم التحكيمي.

    واذا لم يحدد السند اجلا يستنفد المحكمون صلاحيتهم بعد ثلاثة اشهر من تاريخ تبليغ تعيينهم.

    وينص الفصل 312 على ان التحكيم ينتهي بانصرام الاجل المشترط او ثلاثة اشهر اذا لم يحدد اجل خاص.

    وينص الفصل 316/1 على ان من يحكم من الغير يلتزم بالبث خلال الشهر الموالي لقبوله اذا لم ينص على اي شرط في عقد التحكيم او في العقد الذي عين فيه.

    -----------------------------

    1) احمد عبد الرحمان "الملحم"، مقال حول عقد التحكيم التجاري المبرم بين المحكمين والخصوم، مجلة الحقوق، جامعة الكويت، السنة 18 العدد 2 يونيو1994 ص 239 و240.

    -----------------------------

    11- واذا لم يتمكن المحكم من اصدار الحكم خلال مهلة التي تبدا من اخطار طرفي الخصومة ( اذ اختلفت تواريخ اخطار الخصوم بدا الميعاد من تاريخ الاخطار الأخير) بجلسة التحكيم

    الا انه لم يقر من قبل المحكمة الا بتاريخ 22/1/1975 ولما كانت القواعد تقضي بانه لا يعتبر الحكم صادرا الا بعد اقراره من المحكمة فقد قضت محكمة النقض بالفرنسية بان الحكم لم يصدر خلال مهلة التحكيم.

    - ومن المتصور الا يتمكن المحكم من اصدار الحكم خلال مهلة التحكيم لاي مبرر كان وفي هذه الحالة اما ان تنقضه محكمة التحكيم وينعقد الاختصاص لقضاء الدولة او يصار الى مد مهلة التحكيم بواسطة طرفي الخصومة ولا يتحقق المد الا بتوافق ارادة طرفي الخصومة لان المدة لم تحدد الا بارادة كل منهما فيكون منطقيا ان تمد بالارادة نفسها، الا ان قواعد التحكيم لغرفة التجارة الدولية تمنح محكمة التحكيم مد المهلة دون حتى موافقة الخصوم او الاعتداد بارائهم.

    وقد يتوقف اجل التحكيم اذا وقع الطعن بالزور ولو مدنيا وطرات اثناء التحكيم عوارض جنائية الى ان تبت المحاكم العادية في المسالة العارضة.

    ونصت الفقرة الثانية من الفصل 313 على ان مهلة التحكيم لا تسري من جديد الا من تاريخ البث فيها قضائيا.

    المبحث الثاني: المرحلة اللاحقة لاصدار القرار التحكيمي

    12- هل يملك المحكم - بعد اصدار حكمه وقبل ايداعه سلطة تفسيره وتصحيحه والفصل فيما اغفل التفصيل فيه:

    سكت المشرع المغربي عن تنظيم هذه المسالة واختلف الفقه الاجنبي في هذا الامر:

    هناك راي يمنح المحكم سلطة تفسير حكمه بغير قيد او شرط، كما يمنحه سلطة تصحيح ما يقع به من اخطاء مادية - وذلك استنادا الى انه ما دام حكم المحكم قد صدر في ميعاده وانهى به مهمته الجوهرية

    ----------------------------

    1) راجع التفاصيل في مقال ملحم السابق، ص242.

    --------------------------

    فليس ثمة ما يمنع من تصحيحه او تفسيره بعد الميعاد على الا يتخذ من هذا ذريعة لتعديل قضائه او العدول عنه (1) والراي الثاني لا يمنح المحكم السلطة المتقدمة (2) ويمنحها للمحكمة المختصة اصلا بنظر النزاع وحدها، على اعتبار انه يتجرد من اية سلطة بمجرد اصدار حكمه ما لم يتفق الخصوم من جديد على تحكيمه

    والراي الثالث يخول للمحكم هذه السلطة بشرطين اساسيين:

    1- الا يكون ميعاد التحكيم قد انقضى، لانه بفوات هذا الميعاد تزول سلطته ما لم يتفق من جديد على التحكيم بقصد تفسير ذات حكمه (3).

    2- الا يكون قد تم ايداع الحكم كتابة ضبط المحكمة ولو تم هذا الايداع قبل انقضاء ميعاد التحكيم .

    لانه بهذا الايداع تنقضي سلطة المحكم، ما لم يتفق من جديد على غير ذلك.

    ومتى انقضى الميعاد المقرر للتحكيم، او متى تم ايداع الحكم، فان سلطة تفسير حكم المحكم او تصحيح ما وقع بمنطوقه من اخطاء مادية او الفصل فيما اغفل هو الفصل فيه هذه السلطة تنقل الى المحكمة المختصة اصلا بنظر النزاع (4).

    وبداهة، يجوز للخصوم الاتفاق منذ البداية

    أي في المشارطة على منح المحكم سلطة تفسير حكمه الذي يصدر هو لو تم هدا التفسير بعد الميعاد المقرر للتحكيم وعندئذ لا يملك المحكم الا مجرد تفسير حكمه على الا يتخذ من تلك وسيلة لتعديل قضائه او العدول عنه .

    13- وحكم المحكمين هو قرار يطبق القانون حلولا محل ارادة الافراد، فيعتبر قضاء ولكنه ليس قضاء عاما ويترتب على هذا :

    اولا : لحكم المحكمين حجة الامر المقضى، بمجرد صدوره، ولهذا فانه لا يجوز لاي من الخصمين ان يلجا الى القضاء العام بعد صدوره ويكون لحكم المحكمين حجية، ولو كان قابلا للطعن فيه، كما ان الحجية تثبت له ولو قبل شموله بامر التنفيذ (5).

    ثانيا: يعتبر حكم المحكمين ورقة رسمية، ولهذا فانه لا يجوز اثبات عكس ما تضمنه من تاريخ او بيانات اخرى، الا بالادعاء بالتزوير، وقد ذهب راى الى ان حكم

    -------------------

    1) Dalloz : nouveau répertoire - 1955 n. 119.

    2) Bernard op. Cit. N. 302.

    3) Cané et chinveau, cours de procédure civile et commerciale, n. 3311.

    4) ابو الوفا، رقم 117.

    4) Morel R. Traité élémentaire de procédure civile p. 550.

    -------------------

    المحكمين لا يعتبر ورقة رسمية الا بايداعه كتابة ضبط المحكمة، وذلك على اساس ان المحكم ليس موظفا عاما حتى يعتبر ما يصدر منه ورقة رسمية (1) ولكن الراي الراجح في الفقه والقضاء في فرنسا(2) هو ان حكم المحكمين يعتبر ورقة رسمية بمجرد صدوره، ذلك ان اعتبار ورقة ما ورقة رسمية لا يرتبط بصدورها من موظف عمومي (3) بل يكفي ان تصدر من شخص انيطت به خدمة عامة او كلفه القانون بعبء عام معين، والمحكم قد اختاره الاطراف - وفقا لاحكام القانون- للقيام بمهمة تطبيق القانون في حالة معينة، وهو يخضع في قيامه بهذه المهمة لرقابة الدولة، ولهذا فانه يمكن اعتبار قراره الذي يصدره في حدود ولايته ورقة رسمية، ولو قبل الايداع (4).

    ثالثا: ليس لحكم المحكمين وحده قوة تنفيذية، فهو لا يعتبر سندا لتنفيذها الا بصدور امر من القضاء يعطيه هذه القوة يسمى امر التنفيذ.

    وفي هذا الصدد تنص الفقرة الاولى من الفصل 320 ق م.م على ان حكم المحكمين يصير قابلا للتنفيذ بامر من رئيس المحكمة الابتدائية الذي صدر في دائرة نفوذها .

    ولان حكم المحكمين قضاء خاص يستند الى ارادة الافراد، فهو من ناحية يمكن ان يخضع- باعتباره قضاء- لطرق الطعن التي تخضع لها احكام القضاء وهو من ناحية اخرى - باستناده الى الاتفاق على التحكيم - يمكن ان يخضع لما يخضع له أي عقد من امكان رفع دعوى اصلية ببطلانه (5).

    14- وكثيرا ما يثور التساؤل عن قيمة احكام هيئات التحكيم ومدى احترامها وقابليتها للتنفيذ، ومن الناحية العملية لاحظت غرفة التجارة الدولية بباريس ان احكام هيئات التحكيم التابعة لها تنفذ في الغالب تلقائيا أي تنفيذا اختياريا من جانب المحكوم عليه ودون ممارسة اجراءات قضائية ضده، ولعل السبب في هذا هو ان التحكيم نظام يلجا اليه الاطراف باختيارهم ويفضلونه على الاجراءات القضائية امام المحاكم العادية ليحتفظوا من ناحية بالعلاقات القائمة فيما بينهم، اذ يعتبر التحكيم وسيلة من وسائل التفاهم بينهم اكثر منه اجراء قضائيا قسريا، لذلك يؤدي في الغالب الى استمرار العلاقات بين الاطراف كما كانت بعد تصفية النزاع، ومن ناحية اخرى لكونه يحفظ اسرار الاطراف في نطاق هيئة التحكيم لان الاصل في جلسات التحكيم عدم العلانية وذلك خلافا لما يحدث في المحاكم العادية .

    ---------------------------

    1) Morel R Traité élémentaire de procédure civile p. 550

    2) Vincent procédure civile et commerciale p .1048.

    3) عبد الرزاق السنهوري "الوسيط في شرح القانون المدني الجديد"جزء ثان القاهرة 1956، بند 72 ص 115.116.

    4) فتحي والي " التنفيذ الجبري" رقم 49.

    5) والي "الوسيط في قانون القضاء المدني" رقم 420.

    --------------------------

    وان احكام التحكيم الاجنبية قد حظيت بالعناية على المستوى الدولي، لجعلها معترفا بها، وقابلة للتنفيذ في الدولة المعنية ولهذا الغرض ابرمت معاهدة نيويورك الخاصة بالاعتراف وتنفيذ احكام المحكمين الاجنبية، حيث تمت الموافقة عليها في مؤتمر الامم المتحدة الخاص بالتحكيم التجاري الدولي في نيويورك في الفترة من 20 مايو الى 10 يونيو1958(1).

    وتتخلص احكام هذه الاتفاقية في هذا الموضوع فيما يلي:

    تعترف كل من الدول المتعاقدة بحجية حكم التحكيم وتامر بتنفيذه طبقا لقواعد المرافعات المتبعة في الاقليم المطلوب اليه التنفيذ وطبقا للشروط المنصوص عليها في اتفاقية نيويورك.

    - لا يحوز رفض الاعتراف وتنفيذ الحكم بناء على طلب الخصم الذي يحتج عليه بالحكم ( المحكوم ضده) الا اذا قدم الدليل على سبب من الاسباب التالية للسلطة المختصة في البلد المطلوب اليها الاعتراف والتنفيذ وهذه الاسباب هي:

    أ- ان الاطراف عديمو الاهلية او ان اتفاق التحكيم غير صحيح وفقا للقانون الذي اخضعه له الاطراف او ( ان لم ينص على ذلك) طبقا للقانون البلد الذي صدر فيه الحكم.

    ب- ان المحكوم ضده لم يعلن اعلانا صحيحا بتعيين المحكم او باجراءات التحكيم او كان من المستحيل عليه لسبب اخر ان يقدم دفاعه.

    ج- ان المحكم فصل في نزاع غير وارد في مشارطة التحكيم او في عقد التحكيم او تجاوز حدودهما الا اذا امكن فصل جزء من الحكم وتنفيذه مستقلا.

    د- ان تشكيل هياة التحكيم او اجراءات التحكيم مخالف لما اتفق عليه الاطراف او لقانون البلد الذي تم فيه التحكيم في حالة عدم الاتفاق.

    هـ- ان الحكم لم يصبح ملزما للخصوم او الغته او أوقفته السلطة المختصة في البلد التي تم فيها او بموجب قانونها صدر الحكم.

    - للسلطة المختصة في البلد المطلوب اليها الاعتراف وتنفيذ حكم المحكمين ان ترفض الاعتراف والتنفيذ اذا تبين لها ان قانون ذلك البلد لا يجيز تسوية النزاع عن طريق التحكيم او ان في الاعتراف بحكم المحكمين او تنفيذه ما يخالف النظام العام في هذا البلد.

    ----------------------

    1) راجع التفاصيل في مقال محي الدين اسماعيل علم الدين حول التحكيم التجاري الدولي، منشور بمجلة الميادين، كلية الحقوق وجدة ، العدد الاول سنة 1986 ص 137-138.

    ---------------------

    ولا تخل هذه الاتفاقية بصحة الاتفاقات الجماعية والثنائية التي ابرمتها الدول المتعاقدة فيما بينها بشان الاعتراف باحكام المحكمين وتنفيذها ولا تحرم أي طرف من حقه في الاستفادة بحكم من احكام المحكمين بالكيفية او بالقدر المقرر في تشريع او معاهدات البلد المطلوب اليها الاعتراف والتنفيذ(1).

    15-لا يكفي ان يصدر قرار تحكيمي داخلي او دولي كيفما كان الامر ولكن الامر يتعلق اساسا بامكانية تنفيذه حتى لا يبقى حبرا على ورق والامثلة لذلك عديدة عاشتها كثيرا من الدول اثر التحولات السياسية والاقتصادية هذه الاوطان عاشت تجارب قضائية داخلية وخارجية نتيجة قرارات التحكيم الصادرة ضدها او لفائدتها لذلك فان الدول اعطت لنفسها الدعم التشريعي "الكافي" لمواجهة المشاكل المتولدة على التحكيم بصفة عامة وقد كان ذلك على مستويين:

    وبالنسبة للعالم الغربي فان مسالة التحكيم تدرجت نحو تدعيم هذا النوع من القضاء واحتل التحكيم مزيدا من الثقة في نفس الانظمة العربية وللدلالة على ذلك يمكن الرجوع الى الكثير من الاتفاقات الدولية في الموضوع(2).

    كما وجدت بعض الهياكل والمؤسسات الشخصية في الموضوع لكن هذه الهياكل والمؤسسات والاتفاقيات هل هي كافية لتسهيل عملية الحصول على تنفيذ قرار التحكيم امام القضاء الوطني للدول الغربية؟

    بالرغم من وجود نصوص قانونية تنظم التحكيم داخل الدول وامضاء ومصادقة هذه الدول على المعاهدات الدولية التي تخص التحكيم في التجارة الدولية الا ان التشاريع الداخلية لا تتسامح بسهولة ازاء قرارات التحكيم وهي تعتبر ان التنازل على القضاء ما هو الا امر مؤقت، لذلك فان قرارات التحكيم تبقى في غالب الاحيان عرضة اما للطعن في حد ذاتها، او لوجوب الحصول على اكساء الصيغة التنفيذية لقرار التحكيم.

    ومجرد الطعن في القرار التحكيمي هو مؤشر على فشل التحكيم، والطرف الطاعن يجد مجالا واسعا لاستغلال الاجراءات لربح الوقت. ومهما يكن من امر فان التحكيم يعتبره البعض درجة اولى من درجات التقاضي.

    ---------------------

    1) محي الدين، المقال السابق الذكر، ص 140-141.

    2) راجع التفاصيل في مقال خالد محفوظ حول" القضاء الوطني والتحكيم التجاري الدولي منشور ضمن ابحاث مؤتمر اتحاد المحامين العرب 18 بالدار البيضاء، ص 8.

    ---------------------

    وتعطى الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي امكانية تنفيذه فقط وتخول للقاضي مراجعته.

    واجازت التشاريع الوطنية الطعن بالابطال بالنسبة لقرارات التحكيم وتكون قابلة للطعن بالاستئناف او الاعتراف او التماس اعادة النظر.

    وقرار الابطال من طرف المحاكم الوطنية يشمل ابطال اجراءات التحكيم اولا ثم ابطال الحكم من حيث الاصل وبالامكان في هذه الحالة ان يتخذ القاضي الوطني القرارات المستعجلة او ارجاء النظر في النزاع ريثما يتم فصل نزاع اخر له علاقة بالنزاع القائم بين الطرفين المحتكمين.

    ويمكن كذلك ابطال قرار التحكيم اذا، كان في نطاق طبق ما نص عليه الفصل 50 وما يليه من اتفاقية واشنطن بتكوين لجنة تحكيم خاصة (1).

    تنص الفقرة الثانية من الفصل 320 ق.م.م على انه يودع احد المحكمين اصل الحكم التحكيمي بكتابة ضبط المحكمة الابتدائية الذي صدر في دائرة نفوذها خلال ثلاثة ايام.

    وتضيف الفقرة الثانية انه اذا تعلق التحكيم باستئناف الحكم يودع حكم المحكمين بكتابة ضبط لمحكمة الاستئناف.

    ولقد نص الفصل 32 من قواعد اليونسترال في فقرته السابعة على انه ( اذا كان قانون التحكيم في الدولة التي صدر بها حكم التحكيم يتطلب ايداع حكم التحكيم او تسجيله بواسطة هيئة التحكيم، فان على هذه الاخيرة ان تقوم بذلك من خلال المدة التي حددها القانون).

    وحسب الفصل 320 ق.م.م المذكور يقوم بالايداع المحكم الفرد او احد المحكمين في حالة تعددهم، ووفقا للفصل 1477/2 من قانون المسطرة الفرنسي الجديد يتم الايداع بمعرفته احد المحكمين، او بمعرفة صاحب المصلحة في التعجيل، بمعنى الخصم الذي صدر الحكم لمصلحته ويرى جانب من الفقه انه ليس ثمة ما يمنع من اتفاق الخصوم على تكليف كاتب جلسات التحكيم بالايداع ومن ناحية اخرى يمكن اعفاء المحكم من الايداع لعدم تعلقه بالنظام العام، فالحكم يصدر لمصلحة احد الخصوم فقد لا يرغب - مع ذلك في تنفيذه (2).

    ----------------------------

    1) خالد محفوظ، المقال السابق، ص 8.

    2) عزمي عبد الفتاح " قانون التحكيم الكويتي"، ص 8.

    ---------------------------

    ويتجه راي في الفقه الى وجوب ايداع حكم المحكم حتى يعتد بصدوره الا ان الاتجاه الغالب يرجح ان سريان اثار حكم المحكم لا يتوقف على ايداعه، اذ تسري اثاره - شانه شان احكام القضاء - من تاريخ توقيع المحكم عليه بعد كتابته (1).

    ومن ناحية اخرى يربط جانب من فقه المرافعات بين ايداع الحكم واستنفاد سلطة المحكم في النزاع (2).

    16- ويتمثل العرض من الايداع فيما يلي :

    اولا - تمكين الخصوم من الاطلاع على حكم المحكم.

    ثانيا - تمكين المحكمة المختصة من ممارسة رقابتها عند الامر بتنفيذ حكم المحكم، وكذلك عند نظر الطعن فيه بالبطلان او بطريق الطعن الجائز (3).

    ويتم ايداع حكم المحكمين في ميعاد تحدده الانظمة، ففي القانون المغربي يجب ان يتم الايداع خلال ثلاثة ايام التالية لصدور الحكم.

    ويترتب على عدم الايداع في الميعاد القانوني التزام المحكمين بالتعويض، ولكن لا يعتبر عدم الايداع سببا لبطلان الحكم، اذ يتعلق الامر باجراء لاحق على صدور الحكم صحيحا فلا يؤثر فيه (4).

    17- تجدر الاشارة الى مشكلة تتعلق باشتراط الايداع اصلا لدى كتابة ضبط المحكمة، ذلك ان هذا الامر يفترض ان المحاكم المغربية كانت مختصة اصلا بنظر النزاع المطروح على التحكيم، ومثل هذا الفرض قد لا يكون متحققا في كافة الحالات اذا ما كان التحكيم بين الطرفين أجنبيين ليس لأيهما محل اقامة او نشاط اعمال في المغرب وكان موضوع النزاع متعلقا بعقد ابرم ونفذ او كان مشروطا تنفيذه بالخارج ولا توجد أية اموال او ممتلكات لاي من الطرفين المتنازعين داخل المغرب، وبالتالي يكون متعذرا تحديد محكمة ما يمكن ان تعد مختصة ويتم الايداع لدى كتابة ضبط فقط (5).

    18- ويملك الخصوم تجديد الاتفاق على تحكيم ذات المحكم ولو كان قد اصدر حكمه، فاذا لم يرض بالحكم اطراف النزاع، فليس ثمة ما يمنع من تجاهله واعادة الاتفاق على تحكيم ذات المحكم.

    -----------------------

    1) احمد ابو الوفا " نظرية الاحكام في قانون المرافعات " الطبعة الرابعة، 1980، منشاة المعارف، الاسكندرية ص 38.

    2) احمد ابو الوفا " التحكيم الاختياري والاجباري"، ص 292.

    3) امال احمد الفزايري، " دور قضاء الدولة في تحقيق قابلية التحكيم" رقم 24.

    4) والي، المرجع السابق، ص 944.

    5) سامية راشد، " التحكيم الدولي في اطار الحكم الجهوي" القاهرة، ص151-152.

    ----------------------

    وهذا بخلاف القاعدة امام المحاكم، فعلى الرغم من ان المادة 145 تنص صراحة على ان النزول عن الحكم يستتبع النزول عن الحق الثابت به، ومن تم يكون للخصوم تجاهل الحكم والالتجاء من جديد الى المحاكم ( في التشريعات الاجنبية التي لا تجعل حجية الشيء المقضى به من النظام العام كالتشريع الفرنسي واللبناني، الا انه لا يجوز الالتجاء الى ذات المحكمة التي اصدرت الحكم، لان القاضي اذا استنفد ولايته باصدار حكمه امتنع عليه الفصل في ذات النزاع من جديد، وهذه القاعدة من النظام العام وهي لا تنبثق من قرينة الحجية، هذا ويلاحظ ان حجية الشيء المقتضى به قد اصبحت بمقتضى القانون المغربي الجديد متعلقة بالنظام العام، ومن تم لا يجوز في جميع الاحوال اعادة طرح النزاع الذي سبق صدور حكم فيه امام المحاكم أيا كانت (1).

    ويملك المحكم- عند انقضاء سلطته في التفسير او التصحيح على النحو المتقدم ان يطلب هو من المحكمة المختصة اصلا بنظر النزاع تفسير حكمه او تصحيحه وفق ما قصده هو من الحكم، بشرط ان يكون التفسير في مواجهة الخصوم.

    19- وثمة من يفرق بين تصحيح حكم المحكم وتفسيره، ويجيز التصحيح المادي من جانب المحكم ولو بعد ايداع الحكم كتابة ضبط المحكمة، بل ولو بعد صدور الامر بتنفيذه، وذلك على تقدير ان تصحيح الاخطاء المادية البحتة او الحسابية في حكم المحكم، يحقق ايضاح ما قصد ان يحكم به المحكم، وان العبرة بحقيقة ما قصد ان يحكم به، اما التفسير فلا يجيزه للمحكم متى اصدر حكمه، على تقدير ان ولايته الاستثنائية تنقضي بصدور هذا الحكم او بانقضاء الميعاد المقرر للحكم وعلى تقدير ان تفسير الحكم اشد خطورة من التصحيح، ويعتبر بمثابة قضاء لا يملكه المحكم متى اصدر حكمه (2) ومما يبرر ذلك انه قد يقال ان ذات اجراءات تفسير حكم المحكمة، تختلف عن اجراءات تصحيحه، فالاخيرة من الممكن ان تتم من تلقاء نفس المحكمة، او بناء على طلب احد الخصوم من غير مرافعة ( م 191) ، بينما الاولى لا تتم الا باجراءات المعتادة لرفع الدعوى ( م 129).

    وسلطة المحكم التكميلية لتصحيح حكمه او تفسيره، او الفصل فيما اغفل الفصل فيه من طلبات موضوعية تزول عنه اذا انقضى ميعاد التحكيم، كما تزول عنه اذا اودع حكمه الموضوعي كتابة ضبط المحكمة ولو لم ينقض هذا الميعاد وذلك لان سلطة المحكم هي سلطة استثنائية تزول عنه بزوال ميعاد التحكيم ، ولان ايداع حكم المحكم يعتبر من جانبه الاجراء الاخير في مهمته، وبه يستنفد سلطته.

    -----------------------

    1) ابو الوفا، رقم 118.

    2) رسالة الدكتور نجيب سعد " في حكم المحكم" ص 176.

    -----------------------

    يجوز للمحكم ان يجري التصحيح او التفسير او الفصل فيما اغفل الفصل فيه - من تلقاء نفسه او بناء على طلب صاحب المصلحة من الخصوم، ولا يجوز ان يتم التفسير او الفصل فيما اغفل الفصل فيه الا في مواجهة اطراف النزاع احتراما لحقوق الدفاع.

    كل هذا لم ينص القانون المغربي صراحة على منح المحكم سلطة تفسير حكمه او تصحيحه ولو بعد انقضاء ميعاد التحكيم، او بعد ايداع الحكم، استنادا الى انه ما دام الحكم قد اصدر حكمه وانجز مهمته الاساسية في ميعاد التحكيم، فلا ضير ان هو اتبعها بتصحيحه او تفسيره بعدئذ. والحقيقة ان المشرع المغربي قد سكت عن تنظيم هذا الموضوع.

    وبدون نص خاص لا يملك المحكم تفسير حكمه او تصحيحه، او الحكم فيما اغفل الفصل فيه من طلبات، اذا كان ميعاد التحكيم قد انقضى او كان قد اودع حكمه، استنادا الى ان مهمته وسلطته الاصلية والتكميلية والتبعية تنقضي بانقضاء الميعاد المتقدم او بايداع حكمه ولو قبل انقضاء هذا الميعاد، وتنتقل هذه السلطات الى المحكمة المختصة اصلا بنظر النزاع(1).

    خاتمة :

    20- يملك المحكم اصدار مختلف انواع الاحكام، وعليه تطبيق القواعد الخاصة بالنفاذ المعجل اذا كان حكمه لا يقبل التنفيذ الجبري بحكم القواعد العامة، ومع ملاحظة ان حكمه لا يقبل الاستئناف في القانون المغربي الجديد، وبالتالي فهو يقبل التنفيذ الجبري.

    ويملك المحكم اصدار احكام قطعية وغير قطعية ووقتية، ويملك اصدار احكام موضوعية وصادرة قبل الفصل في الموضوع (2)، ويملك اصدار احكام تتعلق بسير الاجراءات امامه او تتعلق باثبات الدعوى.

    وصفوة القول - وهو بسبيل حسم خلافات الخصوم- له سلطة اصدار اي حكم يتفق حقيقة مطلوبهم ويتمشى مع اسس المسطرة .

    فمثلا اذا تقدم اليه خصم بطلب وقتي كان له ان يصدر فيه حكما وقتيا، واذا قدم اليه خصم بطلب فرعي كان له ان يصدر فيه حكمه بشرط ان يكون كل هذا متعلقا بالنزاع المتفق على التحكيم.

    -----------------------

    1) أبو الوفا، رقم 287.

    2) Bernard, n 467.

    -----------------------

    وفي التشريعات التي توجب على المحكم تطبيق قواعد النفاذ المعجل على احكامه يكون عليه مراعاة القواعد الخاصة به، سواء من حيث وجوبه او جوازه او من حيث اشتراط الكفالة او عدم اشتراطها، ما لم يكن التحكيم بالصلح فعندئذ يكون الحكم غير قابل للطعن وقابلا للتنفيذ الجبري بعد اصدار الامر بتنفيذه.

    وفي التشريعات الاجنبية التي تعفي المحكم من اتباع قواعد المسطرة لا تعفيه من ضرورة التقيد بنصوص قانون المسطرة في صدد شمول حكمه بالنفاذ بكفالة او بدونها، وذلك لان اعفاء المحكم من التقيد بقواعد المسطرة ليس معناه اطلاقا اعفاءه من التقيد بالنصوص الخاصة الواردة في باب التحكيم.

    وهكذا تعرضنا للقرارات التحكيمية في ضوء قانون المسطرة المدنية عبر مرحلتين يلعب فيهما عامل الزمان دورا كبيرا.

    المرحلة الاولى : وهي المرحلة السابقة على اصدار القرار التحكيمي.

    المرحلة الثانية : وهي المرحلة اللاحقة على ذلك.

    ويمكن ايراد الملاحظات التالية على هذا الموضوع.

    اولا: لا يمكن عزل القرار التحكيمي عن اتفاق التحكيم الذي كان سببا له وبالتالي يظهر ان لهذا الاخير اثارا كثيرة على القرار التحكيمي الا ان تاثير هذا الاتفاق ايا كان مداه، لا يمس الطبيعة القضائية للتحكيم ولكنه يفسر بعض الاستثناءات التي ينفرد بها التحكيم كقضاء من نوع خاص، دون القضاء العادي التابع للدولة، مثل جواز الحكم ببطلان القرار التحكيمي بدعوى اصلية ومع مراعاة ان هذه الطبيعة القضائية لا تكون الا للقرار الذي يصدر عن المحكمين بحسم المنازعة بناء على اتفاق التحكيم (1).

    ثانيا: من استقراء كل ما تقدم بصدد مسطرة اصدار القرارات التحكيمية يظهر بوضوح ان قانون المسطرة المدنية قد اقتنع بقضائية التحكيم وقراراته فنظم كيفية استصدارها وحدد مسطرتها الخاصة وتكاد تتشابه هذه المسطرة مع مسطرة استصدار الاحكام القضائية كما نص قانون المسطرة المدنية على وجوب احترام هذه المسطرة وكان غرضه من ذلك هو ضمان مراقبة قضاء الدولة للقرارات التحكيمية (2).

    ولله الموفق.

    --------------------

    1) احمد ابو الوفا، رقم 109.

    2) الفزايري، رقم 12.

    ------------------

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد 76، ص9.

    لعبة تنمية الذكاء وتقوية مستوى التركيز
    Dama maroc
    Install