أدخل كلمة للبحث

دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء

دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء

    السيد محمد سلام

    تصميم :

    مقدمة :

    تتناول كلمتي " الدعوى والمسؤولية" وأنواع وتقسيمات الدعاوى، والتقسيم الذي يعنينا في هذا العرض تم تقسيم الموضوع الى أربعة فورع :

    1- أطراف الدعوى.

    2- إجراءات الدعوى واثباتها.

    3- الحكم في الدعوى وطرق الطعن فيه.

    4- سقوط الدعوى وتقادمها

    الفرع الأول : أطراف الدعوى المقسمة الى المباحث الآتية :

    المبحث الأول : المدعي .

    المبحث الثاني : المدعى عليه.

    المبحث الثالث : الضامن والكفيل.

    المبحث الرابع : المدخل والمتدخل.

    الفرع الثاني : إجراءات الدعوى واثباتها

    المبحث الأول : إجراءات رفع الدعوى والتحقيق فيها.

    المبحث الثاني : إثبات المسؤولية.

    الفرع الثالث : الحكم والطعن فيه

    المبحث الأول : الحكم.

    المبحث الثاني : طرق الطعن

    الفرع الرابع : تقادم الدعوى وسقوطها .

    لدراسة موضوع ( دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء ) يتوجب في البداية إعطاء تعريف لهذه الدعوى ثم البحث في أطرافها وإجراءات المسطرية ووسائل إثباتها، ثم إصدار الحكم فيها والطعن فيه، واخيرا تقادمها وسقوطها .

    وعليه فان الموضوع يمكن بحثه في مقدمة تمهيدية واربعة فروع على الشكل الأتي :

    مقدمة تمهيدية :

    الفرع الأول : أطراف الدعوى .

    الفرع الثاني : إجراءات الدعوى واثباتها.

    الفرع الثالث : الحكم في الدعوى وطرق الطعن فيه.

    الفرع الرابع : تقادم الدعوى وسقوطها .

    مقدمة تمهيدية :

    المسؤولية هي جزاء الاخلال بالتزام قانوني، ودعوى المسؤولية هي رفع طلب التعويض عن الأضرار الناتجة عن هذا الاخلال الى الجهة القضائية المختصة، او هي رخصة او مكنة الشخص في الحصول على الحماية القضائية.

    وبالرغم من ان بعض الفقه (1) يرى بان الادعاء يتميز عن المطالبة القضائية، بكونه يمكن ان يكون خارج إطار القضاء، كالمطالبة عن طريق توجيه إنذار، او اللجوء الى تحكيم. فان البعض الأخر يرى ان المطالبة القضائية تتداخل مع الدعوى، وتستغرق إحداهما الأخرى (2).

    وبينما يذهب بعض الفقه من جهة أخرى الى ان الدعوى توجد منذ نشاة الحق الموضوعي الذي تحميه وتتميز عنه، يرى البعض الأخر بأنها لا تنشا إلا إذا وجدت حالة واقعية مخالفة للقانون (3) او أنها تفرض وجود مركز مخالف للقانون وتتجه لإزالته، وبالتالي فقد لا توجد دعوى بالرغم من وجود الحق إذا لم يتم المساس به .

    -------------------------------

    1) وجدي راغب : النظرية العامة للعمل القضائي صفحة 432 وما بعد.

    2) احمد مسلم : أحوال المرافعات صفحة 375.

    عبد الباسط جميعي : شرح قانون الإجراءات المدنية صفحة 194.

    3) وجدي المرجع السابق صفحة 43.

    عمر أبو الطيب : الدعوى العمومية طبعة 95 صفحة 113.

    --------------------------------

    ودعوى المسؤولية التي تهمنا هي دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء دون غيرها من دعاوى المسؤوليات الأخرى.

    وبالنسبة لأطرافها والجهة المختصة للبت فيها، فان هذه الدعوى تتفرع الى نوعين وتتخذ إحدى الصورتين الآتيتين :

    دعوى مدنية تابعة للدعوى العمومية تقام أمام المحكمة الجنائية .

    دعوى مدنية أصلية تقام أمام المحكمة المدنية .

    أولا : الدعوى المدنية التابعة

    هي المطالبة القضائية التي يتقدم بها المضرور او المتضرر الى المحكمة الجنائية التي يتابع أمامها المتسبب في الضرر إذا كان فعله يكتسي صبغة جنحية او جنائية، أي معاقبا عليه بمقتضى القانون، وترمي الى الحكم لهذا المضرور بتعويض عن الأضرار التي أصابته بسبب الفعل المنسوب للمتهم.

    وهكذا يتضح بان موضوع الدعوى المدنية التابعة هو جبر الضرر المباشر الذي نتج عن الفعل الجرمي المعاقب عليه، والذي تسبب فيه مرتكب هذا الفعل للضحية. وأطراف هذه الدعوى هم : المضرور كمدع، والمتهم كمدعى عليه، وقد يحل محل كل طرف أشخاص آخرون ذاتيون او معنويون كحلول ورثة المضرور محله في الادعاء. وحلول المسؤول المدني او شركة التامين محل المتهم او المدعى عليه.

    ولا يوجد ارتباط او تلازم بين الدعوى العمومية والدعوى المدنية التابعة بالضرورة وبصفة تلقائية، فقد تكون هناك أفعال مجرمة ولا ينتج عنها أي ضرر للاغيار، وبالتالي لا يمكن المطالبة بالحق المدني فيها : كجرائم التشرد وحمل السلاح بدون رخصة والمحاولة والجريمة المستحيلة (4) كما ان سقوط الدعوى العمومية بتحقق أحد أسباب السقوط تبقى المحكمة الجنحية بالرغم من ذلك مختصة في الدعوى المدنية التابعة (الفصلان 12، 381 من ق م ج ) ( 4 مكرر).

    ----------------------------

    4) عمر أبو الطيب : الدعوى العمومية طبعة 95 صفحة 118.

    (4 مكرر) : أسباب سقوط الدعوى العمومية هي : موت المتهم - العفو الشامل - إلغاء القانون الجنائي - صدور حكم سابق نهائي لا تعقيب عليه .

    ومتى تحقق أي سبب من هذه الأسباب فان المحكمة الجنائية تصرح بسقوط الدعوى العمومية، ولكنها تبقى مختصة في الدعوى المدنية التابعة المرفوعة أمامها إلا في حالة سقوط الدعوى العمومية بالتقادم فإننا نرى بان الدعوى المدنية لا يمكن ان تقام إلا أمام المحكمة المدنية العادية طبقا لما ينص عليه الفصل 14 من قانون المسطرة الجنائية.

    -------------------------------

    واخيرا فان المضرور يمكنه التنازل عن الدعوى المدنية التابعة او إبرام صلح بشأنها دون ان يؤدي ذلك الى إنهاء الدعوى العمومية : ( الفصل 13 من ق م ج) إلا في حالات استثنائية حيث تكون الشكاية شرطا لتحريك الدعوى العمومية.

    بل ان المحكمة الجنائية قد تختص في بعض الحالات بالحكم بتعويض عن الأضرار بالرغم من الحكم بالبراءة في الشق الجنائي أي الدعوى العمومية (5) كما هو الحال بالنسبة لما ينص عليه الفصل 128 من ظهير 26/6/1916 المتعلق بحماية الملكية الصناعية والذي خول المحكمة ان تصادر الأشياء والمنتوجات الضارة بالحقوق المضمونة لفائدة المتضرر بالرغم من الحكم بالبراءة، ومن ذلك أيضا ما ينص عليه الفصل 57 من قانون الصحافة الذي يعطي الحق للقضاة أن يأمروا بحذف عبارات السب والقذف الواردة أثناء المرافعات وان يحكموا على من صدرت منه ( بالتعويضات المدنية) لصالح الطرف المتضرر وذلك بالرغم من عدم وجود أية دعوى عمومية.

    واخيرا هناك حالة الحكم بالتعويض لفائدة المتهم الذي صدر الحكم ببراءته طبقا للفصل 381 من قانون المسطرة الجنائية والذي ينص على : " إذا كان الفعل غير منسوب الى الظنين، او لم تكن له صفة مخالفة للقانون الجنائي فان المحكمة تصدر حكما بالبراءة، وتصرح بعدم اختصاصها في البت في الدعوى المدنية وتبت - ان اقتضى الحال في طلب التعويض عن الأضرار الذي يقدمه الظنين ضد المطالب بالحق المدني ….".

    ثانيا : الدعوى المدنية الأصلية أمام المحكمة المدنية

    هي الدعوى التي يقيمها المضرور أمام المحكمة المدنية للمطالبة بالتعويض عن الأضرار التي أصابته بفعل الشيء المحروس .

    وتخضع في إجراءاتها لقانون المسطرة المدنية من الناحية الشكلية وللقانون المدني ( ق.ل.ع) والقوانين الخاصة : كظهير 02/10/84 المتعلق بالتعويض عن حوادث السير من الناحية الموضوعية وأطرافها هم : المدعى او من حل محله بمقتضى الاتفاق أو

    -------------------------------

    5) احمد اليوسفي البرقي : مراحل الاشهار من المواد التجارية واثارة التشريع المغربي رسالة دبلوم كلية الحقوق الرباط 81-80 صفحة 285.

    -------------------------------

    القانون من جهة، والمدعى عليه ومن حل محله كذلك : كالمتبوع المسؤول المدني والمؤمن من جهة أخرى.

    وموضوع الدعويين : المدنية الأصلية والمدنية التابعة واحد، وهو تعويض المضرور عن الضرر الذي أصابه، والقوانين الموضوعية المطبقة في كل منهما هي نفس القوانين، ولا تختلفان إلا في بعض الإجراءات المسطرية، التي تستفيد منها الدعوى المدنية التابعة كالمجانية ومواكبة إجراءات الدعوى العمومية وطرق الطعن فيها واخيرا الإعفاء من بعض الإجراءات السابقة لاقامة الدعوى كما هو الشان بالنسبة لضرورة اللجوء الى طلب الصلح طبقا لظهير 02/10/1984 (6) قبل إقامة الدعوى المدنية الأصلية .

    وحتى نتمكن من الإحاطة بأهم جوانب دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء فلا بد من التوقف عند أطراف هذه الدعوى، وإجراءاتها واثباتها والحكم فيها والطعن فيه، قبل الختم بتقادمها وسقوطها وهو ما سنتناوله في الفروع الآتية :

    الفرع الأول : أطراف دعوى المسؤولية

    لا يمكن تصور أية دعوى بدون طرفين هما : المدعي والمدعى عليه، أي الدائن والمدين بالالتزام الذي يربط بينهما كقاعدة عامة .

    لكن تعقد الحياة وتطورها وانتشار الصناعات، وظهور التامين في مختلف الميادين، فضلا عن تدخل الدولة وبعض مؤسساتها في كثير من الأنشطة والميادين، كل ذلك أدى الى نتيجة عملية وهي تعدد أطراف الدعوى لتشمل أحيانا الى جانب الطرفين التقليديين : المدعي والمدعى عليه كل من : المؤمن، والكفيل والمسؤول المدني والغير المسبب في الضرر، والمتدخل والمدخل في الدعوى، والدولة أما بواسطة الوكيل القضائي او أحد مؤسساتها حسب الحالات ومن تم يتعين دراسة هذا الفرع في المباحث الآتية :

    المبحث الأول : المدعي

    المبحث الثاني : المدعى عليه

    المبحث الثالث : الكفيل والضامن

    المبحث الرابع : المدخل والمتدخل

    -----------------------------

    6) الفصل 18 من ظهير 02/10/1984 المتعلق عن حوادث السير.

    -----------------------------

    المبحث الأول : المدعي

    هو الشخص المتضرر بفعل الشيء المحروس، ويمكن ان يكون الشخص ذاتيا ( طبيعيا) كامل الأهلية فيقيم الدعوى باسمه او ناقص الأهلية فتقام باسم وليه الشرعي او نائبه القانوني، ويمكن ان يكون شخصا معنويا فيجب ان ترفع الدعوى باسم ممثله القانوني، وعليه فان هذا المبحث يتفرع الى مقطعين.

    المقطع الأول : المدعي شخص ذاتي او طبيعي

    طبقا للمبادئ العامة لإجراءات التقاضي والتي لها مساس بالنظام العام، وكما ينص على ذلك الفصل الأول من ق م ل ( لا يصح التقاضي إلا لمن له الصفة، والأهلية، والمصلحة لاثبات حقوقه ….).

    ولذلك فالمدعي في دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء هو الشخص الذي لحقه ضرر شخصي بفعل الشيء المحروس، سواء كان هذا الضرر ماديا او معنويا، ويجب ان تتوفر له الصفة والمصلحة والأهلية.

    فما هي الصفة وما هي المصلحة وما الفرق بينهما، واخيرا ما هي الأهلية وأنواعها وعوارضها وهل يمكن لناقص الأهلية ان يقيم الدعوى ؟

    أ‌- الصفة :

    ان الصفة في التداعي تعني ان المدعى هو صاحب الحق المطالب بحمايته قضائيا (7) أي صاحب الحق نفسه او وكيله : وكالة تعاقدية ( المحامي) او وكالة قانونية ( السنديك) او نائبه الشرعي او أحد الورثة او المالكين على الشياع بالنسبة للدعاوي المتعلقة بالتركة والمال المشاع، والدائن بالنسبة للتشريعات التي تقر الدعوى غير المباشرة : كالتشريع الفرنسي (8) والمصري (9) والسوري (10) وكل من حل محل صاحب الحق المطالب به، كورثته بعد وفاته.

    ----------------------

    7) جلاسون وتيسيه : الموسوعة النظرية والعملية للمسطرة المدنية 36 جزء نبذة 181 صفحة 437 نقلا عن مأمور الكزبري والعلوي : شرح قانون المسطرة المدنية صفحة 43.

    8) المادة 1106 من القانون الفرنسي .

    9) المادة 235 من القانون المصري .

    10) المادة 236 من القانون السوري .

    -----------------------

    والصفة لها مساس بالنظام العام، ومن تم تثيرها المحكمة تلقائيا وفي جميع المراحل، كما ان توافر الصفة يجب ان يلازم الدعوى في جميع مراحلها، ولا تقبل طرق الطعن إلا ممن كان طرفا في الحكم المطعون فيه، وهكذا قضى المجلس الاعلى في عدة قرارات ( لا يقبل الاستئناف ممن لم يكن طرفا في الدعوى مباشرة او بواسطة غيره خلال المرحلة الابتدائية) (11) كما قضى برد الطعن بالنقض لان الطاعن لم يكن طرفا في الدعوى في مرحلتيها الابتدائية والاستئنافية (12) بل لا يمكن قبول الطعن بالنقض ممن كان طرفا في الحكم الابتدائي ولكنه لم يستأنفه لان الطعن بالنقض يوجه ضد القرار الاستئنافي.

    ب‌- المصلحة :

    وتعني ان يكون المدعي يهدف الى الحصول على منفعة من دعواه او ان يكون الحق المطالب به عرضة للتهديد والجحود، والمصلحة لا تقل أهمية عن الصفة فقد قيل ( لا دعوى حيث لا مصلحة) كما قيل ( المصلحة هي مناط الدعوى).

    ومن الفقهاء من يرد شروط الدعوى الثلاثية ويجمعها في شرط المصلحة وحده (13) والتي تعتبر بدورها من النظام العام تثار تلقائيا وفي جميع المراحل وكما أنها هي مناط للدعوى فهي مناط للطعن أيضا، فالمحكوم لفائدته ابتدائيا لا مصلحة له في الطعن بالاستئناف (14).

    ويعتد بالمصلحة سواء كانت مصلحة مادية او أدبية ولكن يشترط فيها ان تكون مصلحة قانونية وشخصية ومباشرة وقائمة وحالة .

    ج- الأهلية :

    يقسم الفقه عادة الأهلية الى نوعين : أهلية الوجوب وأهلية الأداء .

    أهلية الوجوب : هي إمكانية اكتساب الشخص لحقوقه او بالأحرى صلاحيته لذلك. وتتوفر منذ بدء وجود الإنسان وحتى قبل ولادته، أي منذ ان يكون جنينا في بطن أمه وتلازمه إلى حين وفاته وهي لا تهمنا.

    -----------------------------

    11) قرار المجلس الاعلى الغرفة الأولى عدد 833 تاريخ 02/7/66 مجلة القضاء والقانون عدد 55-56 صفحة 290.

    12) قرار المجلس الاعلى الغرفة الشرعية عدد 513 تاريخ 06/7/64 مجلة القضاء والقانون عدد 70-71 صفحة 441.

    13) مورييل : المسطرة المدنية نبذة 27 صفحة 30.

    رزق الله الانطكي : أحوال المحاكمات في المواد المدنية والتجارية ط 5 نبذة 134 صفحة 154.

    14) قرار المجلس الاعلى عدد 15 بتاريخ 30/10/68 مجلة قضاء المجلس الاعلى عدد 10 صفحة 21.

    -----------------------------

    أهلية الأداء : وهي صلاحية الشخص لمباشرة حقوقه، وإبرام التصرفات وهي التي تهمنا، وتتراوح بين الانعدام والكمال :

    فهي منعدمة بالنسبة لفاقد التمييز لصغر في السن او بسبب الإصابة بالجنون (15)، وناقصة بالنسبة لمن بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد او بلغ سن الرشد وكان سفيها (16). وهي كاملة لمن بلغ سن الرشد وكان متمتعا بقواه العقلية ولم يثبت سفهه (17). ولحماية حقوق فاقدي الأهلية وناقصيها وضعت أحكام الولاية الشرعية والنيابة القانونية، والترشيد، مما ينبغي الرجوع إليه بالتوسع فيه … وتكفي الإشارة هنا الى ان الأهلية بدورها من النظام العام تتار تلقائيا من طرف المحكمة وفي جميع مراحل الدعوى .

    المقطع الثاني : المدعي شخص معنوي :

    قد يكون المتضرر شخصا معنويا كالشركات، والجمعيات والجماعات المحلية والمؤسسات العمومية والدولة بذاتها، وينبغي ان تقام الدعوى في هذه الحالة باسم الممثل القانوني للشخص المعنوي، وفق الشكليات المحددة في القوانين المنظمة لهذه الأشخاص المعنوية. الفصلان : (32 و515 من ق م م).

    وينبغي التمييز بين الشركات والجمعيات والهيئات التي لها الشخصية المعنوية وتخضع لضوابط قانونية في تنظيمها، وبين فئات معينة او جماعات محددة ليست لها الشخصية المعنوية كما هو الشان بالنسبة لرجال الجيش او الشرطة او محبي فريق لكرة القدم او الجامعيين او الخبراء او أرباب النقل والمطربين، كل ذلك ما لم تكن أية فئة ممن ذكر قد نظمت نفسها في إطار جمعية منظمة وفق قانون تأسيس الجمعيات.

    كما ينبغي التمييز بين هذا النوع وبين النقابات المهنية المنظمة بقوانين خاصة كما هو الشان بالنسبة لنقابة المحامين، وهيئة الأطباء والمهندسين، والتي تضم بصفة إجبارية جميع المنتسبين لهذه المهن، وبالتالي يمكن لها ان تقيم الدعوى للمطالبة بالتعويض عن الضرر الذي لحق بها بصفة مباشرة .

    --------------------------

    15) الفصل 134 من مدونة الاحوال الشخصية.

    16) الفصل 135 من مدونة الاحوال الشخصية .

    17) الفصل 133 من مدونة الاحوال الشخصية .

    ---------------------------

    لكن لا يسوغ للشخص المعنوي ان يطالب بالتعويض عن ضرر لحق بشخص ذاتي عضو في هذا الشخص المعنوي ما دام لا يتضمن ضررا مباشرا لهذا الأخير، نقابة المحامين وأية جمعية او شركة لا يمكن لها المطالبة بتعويض بسبب تعرض أحد المحامين او المنتمين لها او الشركاء لحادث سير او أي اعتداء عمدي، على ان الحالات التي غالبا ما تتقدم فيها الجمعيات والنقابات بطلبات التعويض تتعلق بحالة الضرر الأدبي كالقذف والسب العلني والذي يرتكب في حق شخص ذاتي، ولكنه في نفس الوقت يتضمن إساءة الى الهيئة او الشخص المعنوي الذي يعتبر عضوا فيه .

    المبحث الثاني : المدعى عليه

    المدعى عليه في دعوى المسؤولية التقصيرية بصفة عامة هو الشخص المرتكب للفعل او الخطا او الإهمال او التقصير المتسبب في الضرر، وهو حارس الشيء في دعوى المسؤولية في حراسة الأشياء، وقد يكون هو نفسه مالك الشيء المحروس، او مجرد تابع او ابنه القاصر، او مجرد حائز لهذا الشيء ( نظريتا الحراسة القانونية والفعلية) والمدعى عليه قد يكون شخصا ذاتيا راشدا فتقام عليه الدعوى مباشرة او قاصرا فتقام على وليه الشرعي او القانوني .

    وقد يكون شخصا معنويا وتوجه الدعوى ضد ممثله القانوني، وعليه فسيتم بحث هذا المبحث في مقطعين :

    المقطع الأول : المدعى عليه شخص ذاتي

    إذا كان مالك الشيء او حارسه المتسبب في الضرر شخصا ذاتيا، وجهت الدعوى ضده، شريطة توفره على الصفة والأهلية الكاملة على غرار ما سبق شرحه بالنسبة للطرف المدعي .

    لكن شرط المصلحة في الدعوى لا يتطلب في الطرف المدعى عليه لان المصلحة هي مناط للدعوى ومصلحة المدعى عليه تكمن في رفض هذه الدعوى .

    نعم تكون مصلحة المدعى عليه واضحة في الطعن في الحكم الصادر عليه بالتعويض، لانه يسعى لإلغائه او تعديله.

    وإذا كان المدعى عليه منعدم او ناقص الأهلية، فتقام الدعوى على وليه الشرعي، او نائبه القانوني تحت طائلة عدم قبولها، ويمكن التمسك بذلك في جميع مراحل الدعوى، كما يمكن إثارته تلقائيا من طرف المحكمة (18) وهذا هو الرأي الراجح في الفقه والقضاء. بالرغم من كون المجلس الاعلى ذهب في أحد قراراته الى ان "الدفع بخرق الفصل 548 من ق م ج المثار أول مرة أمام المجلس الاعلى لا يقبل لان هذا الدفع يختلط فيه الواقع بالقانون، ما دام التأكد من صحة ذلك يتطلب إجراء تحقيقات لا تسمح بها وظيفة محكمة النقض" (19). وإذا تعدد المتسببون في الضرر أقيمت عليهم الدعوى جميعهم ما لم يكونوا جماعة لها الشخصية المعنوية، او مدينين متضامنين. كما تقام الدعوى على الآباء والمتبوعين عندما يتعلق الأمر بأشياء كانت في حراسة أبنائهم القاصرين او تابيعهم، وسببت أضرارا للاغيار .

    على ان القول بان الدعوى تقام على الأبوين عندما يتعلق الأمر بأضرار تسبب فيها أبناؤهم القاصرون لابد من توضيحه بشيء من التفصيل للتعرف على الحالات التي يسال فيها الأب وحده، والحالات التي تنتقل فيها المسؤولية الى الام وحدها، وهل يمكن القول بانهما يكونان متضافين أحيانا، واخيرا ما هو أساس هذه المسؤولية وهل يتطابق مع مسؤولية باقي المكلفين برعاية القصر ؟

    المبدأ ان الأب هو المسؤول عن أبنائه القاصرين ما دام حيا، ولا تنتقل هذه المسؤولية الى الام إلا بعد وفاته، كما يستفاد من صياغة الفصل 85 من ق ل ع فقرة 2 والمطابق للمادة 1384 من القانون المدني الفرنسي. لكن الاجتهاد القضائي والفقهي خاصة في فرنسا لم يلتزم تماما بالمعنى الحرفي لهذا النص. وانما ربطا المسؤولية بالسلطة الأبوية (20) خاصة وان المادة 373 من القانون المدني الفرنسي تنص على ان هذه السلطة يمارسها الأب بصفته رئيسا للأسرة، أما الام فتمارسها ما لم تمنعها المحكمة من ذلك في الحالات الآتية :

    إذا جرد الأب من الولاية الشرعية .

    ----------------------------

    18) قرار مدني 34 بتاريخ 20/9/78 مجلة ق ف عدد 129.

    19) قرار عدد 719 بتاريخ 12/5/97 غير منشور .

    الدكتور عمر أبو الطيب : الدعوى المدنية التابعة صفحة 277-276.

    احمد الخمليشي : شرح قانون المسطرة الجنائية صفحة 173.

    20) احمد الخمليشي : المسؤولية المدنية للأبوين عن أبنائهما القاصرين صفحة 185.

    ----------------------------

    إذا لم يعد الأب رئيسا للعائلة، بان كان في حالة يتعذر عليه معها التعبير عن إرادته بسبب عوارض الأهلية او الغيبة والبعد او أي سبب أخر .

    إذا أدين بجريمة إهمال الأسرة الى ان يرجع الى بيت الزوجية.

    إذا أهمل حقوقه في الولاية الأبوية.

    وهذا ما تؤكده المادة 213 من ق م ف التي تنص على ان الزوج هو رئيس الأسرة وان الزوجة تخلفه إذا كان في حالة يتعذر عليه معها التعبير عن إرادته بسبب انعدام أهليته او غيبته او بعده عن مقر العائلة او أي سب أخر.

    انطلاقا من هذه النصوص خلص القضاء والفقه الفرنسيان الى ان أساس مسؤولية الأبوين هو السلطة الأبوية، فمن يباشرها كان هو المسؤول سواء كان أبا او أما، وان التنصيص على أن الام لا تكون مسؤولة إلا بعد وفاة الأب إنما هو إشارة الى الحالة الغالبة، خاصة وان الطلاق حالة استثنائية، ومن تم يكون الأصل ان السلطة الأبوية تبقى للأب الى حين وفاته فتنتقل الى الام .

    لكن الوضع تغير في فرنسا اليوم منذ التعديل القانوني المؤرخ بـ 04/6/70 حيث أصبحت المادة 213 من القانون المدني الفرنسي تقتضي بان الزوجين يؤمنان معا التوجيه الأدبي والمادي للعائلة، ويتوليان تربية الأطفال واعداد مستقبلهم.

    كما أصبحت المادة 1384 من نفس القانون تقضي بمسؤولية الأبوين بالتضامن متى كانت الرقابة بيدهما معا .

    وقد سار الاجتهاد القضائي المغربي على نفس النهج عند تطبيقه للفقرة 2 من الفصل 85 من ق ل ع سواء أمام المحاكم الفرنسية او المحاكم العصرية (21) وكان بعض الفقه يعيب على القضاء المغربي هذا التوجه على اعتبار ان نية المشرع في فترة الحماية عند إصدار ق ع ل كانت متجهة الى انه سيطبق على الفرنسيين بالمغرب وليس على المواطنين المغاربة (22)، فضلا عن تضارب المبدأ بل وتعارضه مع مدونة الاحوال الشخصية التي لم تكن تسند الولاية على الأبناء للام بعد وفاة الأب.

    -----------------------------

    21) حكم استئنافية الرباط بتاريخ 15/7/1998 : مجموعة قرارات محكمة الاستئناف سنة ==== عدد 72 صفحة 597 وقرار المجلس الاعلى المؤرخ بـ 2/2/1960 المجلة المغربية للقانون لسنة 60 صفحة 161 وقرار المجلس الاعلى 3/12/64 مجموعة أحكام المجلس الاعلى الغرفة الجنائية المجلد الرابع 65-62 صفحة 302.

    22) احمد الخمليشي : المسؤولية المدنية للأبوين عن أبنائهما القاصرين صفحات 33 و39 و200 .

    -----------------------------

    ولكن هذا الانتقاد لم يعد له محل بعد تعديل الفصل 148 من مدونة الاحوال الشخصية والتنصيص على ان صاحب الولاية الشرعية هو : الأب ثم الام الرشيدة بعد وفاة الأب او فقده الأهلية (23). وكذا تعديل الفصل 99 من المدونة المتعلق بترتيب مستحقي الحضانة.

    وعليه يمكن القول بان الأب يكون مسؤولا عن أبنائه ما دامت له السلطة الأبوية والرقابة عليهم، وطيلة حياته ما لم يكن قد جرد من الولاية عليهم بحكم قضائي، او يكون في وضع يستحيل عليه معه ممارسة السلطة الأبوية والرقابة حيث تكون الام هي المسؤولة، ولا يوجد أي تضامن بينهما في هذه المسؤولية.

    واخيرا فان هناك عدة نصوص خاصة تحمل الأبوين والوصي المسؤولية عن أعمال القاصر ومن هذه النصوص :

    ظهير المحافظة على الغابات واستغلالها المؤرخ بـ 10/10/1917 المادة 8 (24).

    ظهير الصيد في المياه الداخلية المؤرخ بـ 11/4/1922 المادة 33 (25).

    ظهير الصيد في البري المؤرخ بـ 21 يوليوز1923 المادة 44 (26).

    القانون المنظم للصيد البحري المؤرخ بـ 23/11/1973 المادة 41 (27).

    وقبل انتهاء دراسة المدعى عليه دعوى مسؤولية الأبوين عن أبنائهما القاصرين لابد من الإشارة الى ان الصغير المميز تتحقق مسؤوليته الشخصية عن الأضرار التي يلحقها بالغير طبقا للفصل 96 والفصلين 77 و78 ق ل ع كما تتحقق الى جانبها مسؤولية والده وأمه طبقا للفصل 85 ومن تم يحق للمضرور ان يرفع الدعوى ضد الأب وحده، او ضد الام وحدها او ضد القاصر المميز مباشرة في شخص وليه، وله ان يرفعها عليهما تضامنا، ولا ينبغي الخلط هنا بين صفة الأب في الدعوى : حيث يكون في الأولى

    ----------------------------

    23) تعديل بمقتضى ظهير 10/9/1993.

    24) تنص هذه المادة على ما يأتي : " الأزواج و الآباء والأمهات والأولياء مسؤولون مدنيا عن المخالفات التي ترتكبها زوجاتهم وأبناؤهم الساكنون معهم".

    25) هذه المادة تحيل على المادة 8 من ظهير 10/10/1917 المتعلق بالمحافظة على الغابات واستغلالها .

    26) تنص هذه المادة على ما يأتي : " الآباء والأمهات والأولياء والمخدمون والمتبوعون يسألون مدنيا عن الجرائم المنصوص عليها في هذا الظهير والمقترفة من طرف أبنائهم القاصرين والأيتام الساكنين معهم وخدمهم واتباعهم مع مراعاة حق الرجوع …".

    27) تنص على ما يأتي : " يعتبر المسؤولين عن أداء الغرامات والتعويضات المدنية المحكوم بها. أولا …. ثانيا : الآباء والأولياء والأزواج والمخدمون بسبب الأفعال يرتكبها القاصرون وزوجاتهم وتابعوهم وخدمهم .

    -----------------------------

    مسؤولا مدنيا، وفي الثانية وليا شرعيا عن الابن الذي يعتبر ناقص الأهلية رغم كونه مميزا، ويتعين ان توجه الدعوى ضده في شخص وليه الشرعي (28).

    المقطع الثاني : المدعى عليه شخص معنوي

    إذا كان حارس الشيء المتسبب في الضرر شخصا معنويا، فان دعوى المطالبة بالتعويض عن هذا الضرر توجه ضده في شخص ممثله القانوني. وتفاديا للتكرار، فإننا نحيل على كل ما سبق تفصيله عند دراسة الشخص المعنوي عندما يكون مدعيا في المقطع الثاني من المبحث الثاني، وحسبنا هنا ان نشير الى ان المقال

    الافتتاحي للدعوى يجب ان يتضمن الاسم الكامل لهذا الشخص المعنوي - مهما كان معروفا - وعدم الاقتصار على الإشارة إليه بالأحرف الأولى باللغة اللاتينية للكلمات المكونة لهذا الاسم، كما يلاحظ ذلك في بعض الاحيان، وان يتم بيان الطبيعة القانونية لهذا الشخص المعنوي هل هو شركة، او جمعية او إدارة او مؤسسة عمومية، او هيئة وطنية او دولية، او أي شكل أخر يمكن ان يتخذه الشخص المعنوي.

    كما يجب ان يتم توضيح نوع الشركة وطبيعة الجمعية او مجال عملها ونشاطها.

    وتجدر الإشارة الى ان الفصل 32 من ق م م اكتفى بالإشارة الى الشركة دون بقية أصناف وأشكال الشخص المعنوي والتي لسيت بالتأكيد كلها شركات.

    وفي جميع الاحوال لابد من الإشارة الى العنوان الكامل للمقر الاجتماعي للشخص المعنوي ومحل المخابرة معه عند وجوده، والى ان الدعوى أقيمت ضده في شخص ممثله القانوني ومن غير إضافة أية صفة أخرى له : كرئيس المنتدب، او رئيس المجلس الإداري او المدير العام، او غيرها من الصفات والمهام التي يمارسها بالفعل هذا الممثل في الأجهزة المسيرة للشخص المعنوي، كل ذلك ما لم يكن القانون ينص على هذه الصفة او تلك سواء في قانون المسطرة المدنية، او في القوانين الخاصة المنظمة او التاسيسية للأشخاص المعنوية.

    ---------------------------------

    28) ذ. احمد الخمليشي : المسؤولية المدنية للأبوين صفحة 305.

    --------------------------------

    وهكذا فانه تطبيقا لمقتضيات الفصل 515 من ق م م ترفع الدعوى ضد :

    1- الدولة المغربية : في شخص الوزير الأول، وله ان يكلف بتمثيله الوزير المختص عند الاقتضاء .

    2- الخزينة : في شخص الخازن العام.

    3- الجماعات المحلية : في شخص العامل بالنسبة للعمالات والأقاليم ورئيس المجلس البلدي بالنسبة للجماعات.

    4- المؤسسات العمومية : في شخص ممثلها القانوني.

    وبالنسبة للقوانين الخاصة المنظمة للأشخاص المعنوية على اختلاف أنواعها، فإنها تحدد في بعض الاحيان صفة ممثلها، وينبغي ان يشير المقال الى هذه الصفة في مثل هذه الحالات والتي يعتبر فيها المعني بالامر ممثلا قانونيا للشخص المعني بنص القانون، ولا يحتاج لأي ترخيص او تفويض خاص.

    فرئيس المجلس الجماعي هو الممثل القانوني لهذا المجلس، ومع ذلك يلاحظ بان بعض المجالس تصدر قرارات، وتمنح إذنا بموجبها لرؤسائها بتمثيلها والترافع باسمها أمام القضاء.

    ونقيب هيئة المحامين حسب المادة 88 من ظهير 10/09/1933 المنظم لمهنة مزاولة المحاماة يتولى زيادة على الاختصاصات المسندة إليه :

    تمثيل الهيئة في الحياة المدنية، وهو ما يفهم منه بانه يمثل الهيئة أمام القضاء سواء بصفتها مدعية او مدعى عليها، وذلك بصفة تلقائية ومن غير أي ترخيص او تفويض من مجلس الهيئة .

    لكن الفصل 85 من نفس الظهير، وفي معرض بيانه لمهام مجلس الهيئة ينص في البند 7 على ان من بين هذه المهام " الترخيص للنقيب بالترافع أمام القضاء باسم الهيئة، وإجراء الصلح او التحكيم، وإبرام كل تفويت او رهن او قرض، وقبول كل هبة او وصية لفائدتها".

    وإذا كان هذا الترخيص ضروريا عندما يتعلق الأمر بإجراء الصلح او التحكيم، والقيام بالتفويت او الرهن او القرض، وكذا قبول الهبة والوصايا، فانه لا يبدو كذلك، وبنفس الدرجة في الوضوح بالنسبة لمجرد الترافع أمام القضاء، ما دام ذلك يندرج ضمن تمثيل الهيئة في أعمال الحياة المدنية والمنصوص عليه في الفصل 88 المشار إليه.

    وتجدر الإشارة في ختام هذا المقطع الى ان نسبة كبيرة من دعاوى المسؤولية عن حراسة الأشياء، يكون المدعى عليه فيها شخصا معنويا بسبب إجبارية بعض أصناف التامين كما هو الشان بالنسبة لتامين العربات ذات محرك، ومختلف وسائل النقل الأخرى من جهة، وبسبب ازدياد الإقبال الاختياري على بعض الأصناف الأخرى كالتامين على حوادث العمل وتامين المباني .

    المبحث الثالث : الضامن والكفيل

    قد يكون لاحد طرفي الدعوى : أي المدعي والمدعى عليه : ضامن وكفيل، ويتعين ان يتم إدخالهما او تدخلهما في الدعوى لتسري عليهما أثار الحكم بعد صدوره وليتأتى لهما الدفاع عن حقوقهما المرتبطة بحقوق الطرف المضمون او المكفول، ويتم إدخال الضامن او الكفيل للدعوى إما بمبادرة منهما فيسمى تدخلا إراديا، او بمبادرة من الطرف الذي له مصلحة في ذلك فيسمى إدخالا في الدعوى ( الفصول 111 الى 118 من ق م م).

    ويكون التدخل في الدعوى إما الى جانب المدعي لتعزيز موقفه والمطالبة بالحلول محله في الحقوق المطالب بها في الدعوى، كما قد يكون الى جانب المدعى عليه، وهو ما ينطبق على إدخال الطرف في الدعوى حيث يكون لجانب المدعي او لجانب المدعى عليه .

    وبالرغم من كون الصورة الغالبة في إدخال الضامن او الكفيل في دعوى المسؤولية هي الحالة التي يتم فيها إدخال شركة التامين الى جانب المدعى عليه المتسبب في الضرر والمسؤول المدني ليحكم بحلولها محلهما في الأداء، والمضرور لهو الذي يبادر الى ذلك منذ رفعه لمقاله الافتتاحي للدعوى لما في ذلك من مصلحته، لكن ذلك لا يمنع المدعى عليه من طلب إدخال مؤمنته الى جانبه إذا اغفل المضرور ذلك، كما يمكن تصور تدخل الضامن والكفيل الى جانب المدعي تلقائيا للمطالبة بحقوقه، كالمؤمن الخاص والمشغل الذي يطالب بالنفقات التي تحملها بسبب الضرر وهو ما يطلق عليه " دعوى الرجوع".

    وفكرة الحلول محل المضرور نفسه في المطالبة بالتعويض عن الضرر، قد تجد لها تطبيقات عديدة في دعوى المسؤولية ما دام ان من حق المضرور ان ينقل حقه في هذا التعويض الى الغير طبقا لمقتضيات الفصول 189-208 من ق ل ع التي تنظم انتقال الالتزامات بوجه عام.

    ومعلوم ان حوالة الحق كما عرفها الفقه (29) هي : اتفاق بين الدائن المحيل مع الأجنبي المحال له على ان ينقل إليه حقه الذي في ذمة المحال عليه.

    والمقام لا يسمح في التوسع في أحكام الحوالة وما يميزها عن الحلول، بمختلف أنواع الضمان والكفالات، وتكفي الإشارة الى ان الحلول قد يكون اتفاقيا وقد يكون قانونيا كما ينص على ذلك الفصلان 189-211 من ق ل ع وهو ما تناوله في المبحث الأتي :

    المبحث الرابع : المدخل والمتدخل في الدعوى

    قلنا ان طرفي الدعوى التقليديين هما المدعي والمدعى عليه - لكن دعوى المسؤولية أصبحت تشمل عدة أطراف، بسب تعقد الحياة، وتطور المنازعات، وظهور التامين في مختلف المجالات إضافة الى المآسي الاجتماعية التي نتجت عن تعرض العمال الحوادث الشغل، وتعرض مختلف فئات المجتمع لحوادث السير والتي يبقى المتسبب فيها في بعض الاحيان مجهولا او غير مؤمن على المسؤولية المدنية، ومعسرا، كل ذلك أدى بالدولة الى التفكير في أحداث عدة مؤسسات بل صناديق لإسعاف ضحايا هذه الحوادث، كما هو الشان بالنسبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (30) وصندوق الزيادة في ايرادات حوادث الشغل (31) وصندوق مال الضمان (32) ويترتب على هذا ضرورة إدخال هذه المؤسسات في دعوى المسؤولية كلما اقتضى الأمر وهكذا إذا تعرض عامل لاعتداء كالضرب والجرح او لحادث سير وكان ذلك أثناء قيامه بعمله او توجهه إليه او رجوعه منه. فان الحادث يكتسي صبغة حادثة شغل وإذا كان المتسبب في الضرر شخصا أجنبيا

    ------------------------

    29) السنهوري : الوسيط - الجزء الثالث فقرة 245.

    الكزبري : نظرية الالتزامات في ضوء ق ع ل فقرة 58.

    30) المنظم بمقتضى الظهير المؤرخ بـ 31 دجنبر1959.

    31) المنظم بظهير 9/12/1943 وظهير 6/2/1963 المتعلق بالتعويض عن حوادث الشغل .

    32) المنظم بمقتضى الظهير الشريف المؤرخ بـ 12 فبراير1955 والقرار الوزاري المؤرخ بـ 23/2/55

    -----------------------

    عن عقد العمل وليس هو رب العمل او أحد تابعيه، فان المصاب يستحق تعويضا جزافيا يؤديه رب العمل او مؤمنه، وفي نفس الوقت يستحق تعويضا تكميليا يؤديه المتسبب في الضرر او مؤمنه وفق القواعد العامة. ومن جهة اخرى فان ما دفعه المشغل او مؤمنه يستطيع ان يرجع به على المتسبب في الحادث. وإذا كان المصاب في هذا الحادث ممن يستفيدون من صندوق الزيادة في ايرادات حوادث الشغل يتعين إدخال هذا الصندوق في الدعوى.

    ومن جهة أخرى فان العامل المصاب له الخيار في رفع الدعوى ضد المسؤول طبقا للقواعد العامة أمام القضاء المدني او الجنائي (33) طبقا للفصل 171 من ظهير 06/02/1963 الذي ينص على انه " بصرف النظر عن الدعوى المترتبة عن هذا الظهير يحتفظ المصاب او ذوو حقوقه بحق مطالبة مرتكبي الحادث بتعويض الضرر طبقا لقواعد المسؤولية العامة".

    لكن إذا رفع المصاب هذه الدعوى، ثم اتضح بان هناك مسطرة دعوى الشغل جارية يتعين إيقاف البت في الدعوى العادية الى حين انتهاء مسطرة الشغل او تقادمها تحت طائلة تعرض الحكم للنقض.

    الفرع الثاني : إجراءات رفع الدعوى واثباتها

    إذا كانت الدعوى او المطالبة القضائية هي الوسيلة الوحيدة للحصول على الحماية القانونية المطلوبة، وهي التي تبعث الحركة والحياة في النصوص القانونية الجامدة فلا شك ان الميزة الأساسية لهذه الدعوى، ستكون هي الإجراءات المسطرية والعملية الكفيلة بتحقيق الغاية المنشودة.

    وبعد التعرف على أطراف الدعوى في الفرع الأول، سنتناول في هذا الفرع بكيفية مختصرة أهم الإجراءات لرفع دعوى المسؤولية وكيفية التحقق فيها وعبء إثباتها، على أننا سنرجئ الكلام عن الحكم وطرق الطعن فيه وكذا عن التقادم وسقوط الدعوى الى الفرعين الثالث والرابع بالرغم ان بعض ما ذكر يمكن تصنيفه داخل خانة إجراءات الدعوى ووسائل إثباتها او دفعها وردها.

    -----------------------

    33) أمال جلال : مسؤولية المؤاجر عن حوادث الشغل صفحة 54.\

    ----------------------

    وانطلاقا مما سبق نرى تقسيم هذا الفرع الى مبحثين :

    المبحث الأول : يتناول إجراءات رفع الدعوى والتحقيق فيها.

    المبحث الثاني : يتناول عبء إثبات ورد المسؤولية ووسائل دفعها.

    المبحث الأول : إجراءات رفع دعوى المسؤولية والتحقيق فيها

    تختلف هذه الإجراءات نسبيا حسبما أقيمت الدعوى أمام المحكمة الجنائية في شكل دعوى مدنية تابعة للدعوى العمومية او أقيمت أمام المحكمة المدنية كدعوى أصلية .

    ويتجلى الاختلاف بالإضافة الى الجهة التي ترفع إليها كل دعوى في أداء الرسوم القضائية وفي اشتراط بعض الإجراءات قبل رفع الدعوى أحيانا (34)، وفي الوقت المحدد لرفع الدعوى وشروط اختصاص كل محكمة مكانيا ونوعيا - وفي وسائل الإثبات وطرق الطعن أخيرا في التقادم والسقوط .

    وعليه فإننا سنقسم هذا المبحث الى مقطعين : أحدهما لإجراءات الدعوى المدنية التابعة، والثاني لإجراءات الدعوى المدنية الأصلية .

    المقطع الأول : إجراءات الدعوى المدنية التابعة

    عندما يكون الضرر الذي لحق بالمضرور ناتجا عن فعل او إهمال يكتسي طابعا جنائيا أي معاقبا عليه بمقتضى القانون، ويتم تحريك الدعوى العمومية في حق مرتكبه من طرف النيابة العامة باعتبارها ممثلة المجتمع وحريصة على مصالحه العليا، واستقرار الأوضاع به بعد إلغاء حق الأشخاص في الثار لانفسهم واقتضاء حقوقهم بأيديهم فان المضرور لم يعد له سوى طلب التعريض عن الضرر اللاحق به شخصيا.

    واختلفت التشريعات في السماح بطلب هذا التعويض أمام القضاء الجنائي حيث تذهب التشريعات الانجلوسكسونية الى الفصل التام بين الدعوى المدنية والعمومية، ولا ترخص للشخص في إقامة الدعوى المدنية التابعة، لما في ذلك من إثقال كاهل القضاء الجنائي بجانب معقد من المسائل المدنية الخارجة أصلا عن اختصاصه، مما يهدد بتأخير إصدار العقوبة ، بل ويمكن ان يؤثر في تبرئة او إدانة المتهم تحت تأثيرات عاطفية تنحو نحو الرغبة في التعويض (35).

    -----------------------

    34) اللجوء الى مسطرة الصلح في قضايا حوادث السير طبقا للفصل 18 من ظهير 2/10/84 ـ

    ----------------------

    لكن اغلب التشريعات ومنها التشريع الفرنسي وتشريعات اغلب الدول العربية تخول للمضرور الخيار بين المطالبة بحقه أمام القضاء الجنائي او اللجوء الى القضاء المدني (36) وهذا ما ينص عليه الفصلان 9 و10 من ق م ج المغربي.

    والمبررات التي تسوقها هذه التشريعات في إسناد الاختصاص لمحكمة جنائية للبت في قضايا مدنية بصفة استثنائية هي :

    إما أنها من بقايا نظام الاتهام الفردي واخد الثأر، حيث لم تقوى التشريعات على هجر هذا النظام، وابعاد المضرور من الدعوى الجنائية، ولذلك تقرر إبقاء هذا الأخير كطرف في الدعوى لكن يقتصر حقه على المطالبة بحقوقه المدنية.

    لكن البعض الأخر يبرر ذلك بالفوائد العملية التي يحققها ضم الدعويين والبت فيهما بواسطة قاض واحد وهو ما يحقق مصلحة المضرور ومصلحة العدالة، ويمكن من ربح الوقت ومصاريف التقاضي بالنسبة للفرد والدولة معا.

    ويمكن إجمال شروط الدعوى المدنية التابعة في ثلاثة شروط :

    وجود ضرر شخصي لحق بالمضرور لانه لا دعوى بدون ضرر لحق بالمدعي .

    كون هذا الضرر ناشئا عن فعل الفعل الجرمي الذي يتابع من اجله المتهم وان يكون الضرر نتيجة مباشرة للجريمة.

    ووجود الضرر شرط لدعوى المسؤولية سواء أمام القضاء المدني او أمام القضاء الجنائي طبقا للفصول 77 و78 من ق ل ع والفصل الأول من ق م ج.

    وداب الاجتهاد القضائي ( مدنيا وجنائيا) على اشتراط توافر شرط الضرر وصدرت أحكام عديدة تقضي بعدم قبول الدعوى ورفضها لعدم وجود ضرر (36) والذي ينبغي ان يكون ثابتا ومحققا وليس مجرد ضرر احتمالي وصدرت أحكام عديدة برفض

    --------------------------

    35) عمر أبو الطيب : الدعوى المدنية التابعة صفحة 11.

    36) المادة 4 من قانون الإجراءات الجنائية الفرنسية.

    37) قرار المجلس الاعلى عدد 10314 بتاريخ 8/11/62 المجلة المغربية للقانون عدد 5 ماي63.

    --------------------------

    الضرر الاحتمالي الذي يقع او لا يقع (37) ويستوي في ذلك الضرر المادي والأدبي (38) ويجب التمييز بين الضرر الاحتمالي والضرر المستقبلي فهذا الأخير يخول الحق في الحصول على التعويضات ويجد له تطبيقات عديدة في الحياة العملية، كان يطلب المضرور الحكم له بتعويض مسبق مع حفظ حقه في المطالبة بالتعويض التكميلي والنهائي عند استقرار حالته وشفائه وتحديد العجز الدائم الذي أصابه، كما ان المطالبة بتعويض تفاقم الضرر مستبقلا مكفول بنص القانون (39) ومن جهة فان طلب التعويض عن ضياع الفرصة عرف نقاشا فقهيا وقضائيا، واستقر الرأي على قبوله (40).

    وينبغي ان يلحق الضرر المدعي مباشرة، وان يكون ناتجا عن الفعل الجرمي الذي يتابع من اجله المتهم .

    وإذا توافرت هذه الشروط، ولا يوجد نص قانوني يمنع المطالبة بالحق المدني أمام محكمة جنائية معينة (41) فان المضرور يمكنه إقامة دعواه المدنية التابعة أمام المحكمة الجنائية وذاك لغاية المناقشات وإدراج القضية في المداولة، ويستفيد من الامتيازات الآتية :

    يعفى من اللجوء الى مسطرة التصالح مع شركة التامين إذا نتج الضرر عن حادث سير طبقا للفصل 18 من ظهير 02/10/84.

    يعفى من أداء الرسوم القضائية : والذي يقتصر على أداء ما يسمى بالقسط الجزافي وقدره :

    30 درهما أمام المحاكم الابتدائية في قضايا المخالفات .

    100 درهم أمام المحاكم الابتدائية في القضايا الجنحية .

    500 درهم أمام الغرف الجنائية لمحاكم الاستئناف، وأمام جميع المحاكم الجزائية الاخرى باستثناء المجلس الاعلى المحدد مبلغ القسط الجزافي بالنسبة إليه بموجب قانون المسطرة الجنائية ( الفصل 581 في : الف درهم).

    --------------------------------

    38) قرار المجلس الاعلى بتاريخ 12/1/76 ملف عدد 46634 مجلة القضاء والقانون عدد 127 صفحة 71.

    39) مأمون الكزبري : م س ص 405.

    40) المادة 20 من ظهير 2/10/1984.

    41) سليمان مرخص : دروس في المسؤولية المدنية ص 106 سنة 1954.

    42) كما هو الشان بالنسبة للمحكمة العسكرية التي لا يمكن إقامة الدعوى المدنية أمامها وكذا محكمة العدل الخاصة والتي لا يسمح أمامها بالدعوى المدنية التابعة إلا للإدارات والمؤسسات العمومية .

    --------------------------------

    أما بالنسبة للمطالبة المدنية أمام قاضي التحقيق، فان هذا الأخير يحدد مبلغ الإيداع الذي يشمل القسط الجزافي كما فصل أعلاه زيادة على المبلغ الكافي لتسديد مصاريف الخبرة إذا تقرر القيام بها.

    وتحكم المحكمة برده إليه إذا حكم وفق طلبه وذلك طبقا للفصول 50-55 و58 من القانون 85/23 المتعلق بالمصاريف الجنائية، كل ذلك ما لم يكن متمتعا بالمساعدة القضائية.

    كما يستفيد من سرعة الإجراءات الجنائية ومن باقي مميزاتها كما هو الشان بالنسبة للاجال والطعون وتبليغ الأحكام .

    يبقى سيد الموقف بالنسبة لدعواه حيث يجوز له التنازل عنها وإبرام صلح بشان طلباته.

    كما انه وقعت أسباب تؤدي الى سقوط الدعوى العمومية فان المحكمة الجنائية تبقى مختصة بالنظر في طلباته المدنية طبقا للفصل 12 من ق م ج. راجع الهامش رقم 4 مكرر ).

    لكن إذا حكمت المحكمة في الدعوى الجنائية ببراءة المتابع فإنها غير مختصة بالمطالب المدنية وهو ما ينطبق على الحالة التي يحكم فيها بالإعفاء من المسؤولية الجنائية حسب الفصلين 400 و401 من ق م ج وكذا الحالة التي يحكم فيها بالإعفاء من العقاب وان كان بعض الفقه ينتقد اتجاه المشرع في الحالة الأخيرة وهو التصريح بعدم الاختصاص عند تحقق عذر معف من العقاب (42).

    يترتب على الحكم بعدم قبول الدعوى العمومية عدم قبول الدعوى المدنية التابعة، كما في حالة عدم إشعار العون القضائي وكون المتابعة تتوقف على شكاية ولم يتم تقديمها.

    واخيرا فان الدعوى المدنية التابعة تقام أمام المحكمة الجنائية التي تباشر إجراءات الدعوى العمومية خلافا لمقتضيات الاختصاص المكاني في قانون المسطرة المدنية لأنها تستفيد من القاعدة الثلاثية للاختصاص الجنائي :

    ---------------------------

    43) عمر أبو الطيب : مرجع سابق ص 97.

    عبد الوهاب حومة : الوجيز في المسطرة الجنائية ص 584.

    ---------------------------

    اختصاص محكمة مكان وقوع الفعل الجرمي .

    اختصاص محكمة مكان إقامة مرتكب هذا الفعل .

    اختصاص محكمة مكان إلقاء القبض عليه ان كان معتقلا .

    وذا كانت الدعوى المدنية التابعة تتميز ببعض الامتيازات المشار إليها وتشكل استثناء لأنها ترفع للمحكمة الجنائية، ويبعد فيها المدعى عليه من قاضيه الطبيعي فان الدعوى المدنية الأصلية تبقى هي الوسيلة الأساسية والرئيسية لطلب التعويض عن الأضرار اللاحقة بالمضرور، فما هي إجراءاتها ومميزاتها بدورها هذا ما سنتناوله في المقطع الموالي .

    المقطع الثاني : إجراءات الدعوى المدنية الأصلية

    الأصل ان النزاعات المدنية بصفة عامة ومن ضمنها دعوى المسؤولية - ترفع للمحكمة المدنية وفق قواعد المسطرة المدنية والقوانين الخاصة عند الاقتضاء ويمكن إجمال إجراءات هذه الدعوى فيما يأتي :

    ان المسطرة فيها كتابية طبقا للفصل 45 من ق م م وبالتالي فلا بد من تقديم المقال الافتتاحي لها بواسطة محام، واستثناء بعد الحصول على الإذن بالترافع (43).

    ان المدعي يتحمل أداء الرسوم القضائية على طلباته ما لم يكن مستفيدا من المساعدة القضائية (45).

    ان الدعوى لا يمكن إقامتها إذا تعلق الأمر بحادث تسبب فيه عربة برية ذات محرك إلا بعد اللجوء الى طلب المصالحة مع شركة التامين طبقا للفصلين 18-19 من ظهير 2/10/1984. ومرور اجل ستين يوما بدون أي جواب من هذه الشركة وذلك باستثناء المصاريف المفصلة في المادة 2 من الظهير المذكور والتي يمكن المطالبة بها في أي وقت (45).

    ----------------------------

    44) طبقا للفصل 32 من ظهير 10/9/93 المنظم لمهنة المحاماة .

    45) طبقا لمرسوم فاتح نونبر1966.

    46) لكن الواقع العملي اثبت بان هذه المصاريف لا تطلب إلا مع التعويض سواء بواسطة الدعوى المدنية الأصلية والدعوى المدنية التابعة .

    --------------------------

    ان الدعوى تقام أمام المحكمة المختصة مكانيا طبقا للفصلين 27 و28 وهي محكمة مكان ارتكاب الفعل او مكان إقامة المدعى عليه او أحدهم إذا كانوا متعددين، وباختيار المدعى (46).

    تطبق فيها مسطرة المستشار المقرر طبقا للفصول 45 و329 وما بعده من ق م م .

    تجري فيها كافة إجراءات التحقيق في الدعوى المنصوص عليها قانونا كإجراء بحث بالمكتب واللجوء لخبرة فنية : طبية او ميكانيكية او حسابية.

    تخضع لطرق الطعن المدنية ولاجراءات التبليغ والتنفيذ.

    تبلغ إجراءاتها للنيابة العامة وجوبا عندما يتعلق الأمر بالحالات المفصلة في الفصل 9 من ق م م .

    تقام هذه الدعوى بالرغم من صدور الحكم الجنائي بالبراءة وعدم الاختصاص في المطالب المدنية بل ورغم عدم إقامة الدعوى العمومية أصلا كما في حالة حفظ المسطرة وعدم تحريك الدعوى العمومية .

    المبحث الثاني : إثبات دعوى المسؤولية

    يعتبر الإثبات شيئا أساسيا في جميع الدعاوى، والأصل ان المدعي هو الذي يتحمل عبء هذا الإثبات لأن (البينة على المدعى) (47) ولان ( إثبات الالتزام يقع على مدعيه) (48) لكن تطبيق هذا المبدأ على إطلاقه في جميع دعاوى المسؤولية على اختلاف انواعها، أدى الى مآسي إنسانية واجتماعية يأباها منطق العدل والإنصاف من جهة، ولان التقدم الصناعي والتكونولوجي وظهور الالة وطغيانها في مجالات مختلفة لدرجة ان الإنسان اصبح عبدا لها او على الاقل رهينة لها. وكل ذلك نتج عنه ان المضرور يستحيل عليه إثبات خطا حارس الالة وبالتالي يكون محروما من التعويض.

    ---------------------------

    47) هناك بعض الاستثناءات لهذه القاعدة مثال ذلك الحالة المنصوص عليها في الفصل 517 من ق م م أي عندما يكون قاض او زوجه طرفا في الدعوى فان الرئيس الأول للمجلس الاعلى يصدر قرار بتعيين المحكمة التي تبت في الدعوى خارج دائرة محكمة الاستئناف التي يعمل فيها القاضي.

    48) حديث شريف ونصه الكامل : " البينة على المدعى واليمين على من انكر" حديث أخر : " وشاهداك ويمينه".

    49) نص الفصل 399 من ق ع ل .

    -------------------------

    وقد ظهر حجم المشكل جليا في التشريع الفرنسي ( الفصل 1348 من القانون المدني ) وخاصة في ميدان حوادث الشغل قبل ان يستقل بتنظيمه بمقتضى القانون ب 19/4/1898 والذي يجعل مسؤولية المشغل قائمة بدون أي خطا منه لأنها تبنى على نظرية تحمل التبعية (49).

    وبذل الفقه والقضاء الفرنسيان مجهودا كبيرا لتأويل الفقرة الأولى من الفصل 1384 انتهى بقلب عبء الإثبات، وافتراض الخطا من جانب حارس الالة.

    وتجلى ذلك واضحا في القرار الصادر عن محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 16/6/1896 (50) ثم قرار غرف هذه المحكمة مجتمعة بتاريخ 13/02/1930 الذي اصل القاعدة بان مسؤولية حارس الشيء مسؤولية موضوعية، ولا يستطيع التملص منها بادعائه عدم ارتكاب أي خطا من جانبه بل لا بد من إثبات ان الضرر ناتج عن قوة قاهرة او حادث فجائي او نتيجة سبب أجنبي كفعل المضرور نفسه وقد بلغ هذا الاتجاه مداه في فرنسا بصدور قانون 5/7/1985 الذي وسع من مجال هذه المسؤولية خاصة فيما يتعلق بالتعويض والإصابات الناتجة عن حوادث المرور والسير بالطرق العامة.

    وإذا رجعنا الى التشريع المغربي نجد ان الفصل 88 من ق ل ع. تحاشى الإشارة الى ارتكاب الحارس لأي خطا، بل انه افترض مسؤوليته عن الأشياء التي في حراسته سواء كانت خطيرة وتتطلب عناية خاصة او لا. كما ورد في بعض التشريعات المقارنة (51) كما انه تشدد في شروط دفع هذه المسؤولية عندما اشترط لذلك الشرطين المزدوجين الواردين في الفصل المذكور والذي ينص على ان :

    " كل شخص يسال عن الضرر الحاصل من الأشياء التي في حراسته، إذا تبين ان هذه الأشياء هي السبب المباشر للضرر، وذلك ما لم يثبت :

    1- انه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر.

    2- وان الضرر يرجع إما لحادث فجائي، او قوة قاهرة او خطا المتضرر".

    --------------------------

    50) أمال جلال : مسؤولية المؤاجر عن حوادث الشغل والأمراض المهنية ظ 77.

    51) عبد الواحد العلمي : الأساس القانوني للمسؤولية عن الأشياء ووسيلة دفعها - رسالة دبلوم كلية الحقوق - البيضاء 82 ص 17 وما بعدها .

    وأيضا محمد الكشبور : حراسة الأشياء وطبيعتها أثارها سنة 1990 ص 18 وما بعدها.

    52) الفصل 178 من القانون المدني المصري .

    -------------------------

    ويتضح من نص هذا الفصل ان شروط تحقق مسؤولية حارس الأشياء هي :

    1- ان يتولى شخص حراسة شيء .

    2- ان يحدث هذا الشيء ضرر للغير.

    الشرط الأول : تولي حراسة الشيء

    يقتضي هذا الشرط ان يكون الشيء في حراسة الشخص حتى يسال عن الأضرار التي يحدثها هذا الشيء والحراسة تعني ان يملك الحارس سلطة الاستعمال - والرقابة - والتوجيه إما بنفسه او بواسطة الأشخاص الذين يسال عنهم مدنيا : كابنائه القاصرين وخدمه" الفصل 85 من ق ع ل" والشيء يعني كل الأشياء الجامدة ( منقولا او عقارا متحركا قوة ذاتية او محركا بيد الإنسان خطيرا او غير خطير) (52) ولا يخرج عن ذلك سوى ما ورد بشأنه نص خاص كما هو الشان بالنسبة للمسؤولية عن الحيوانات حسب الفصل 86 من ق ل ع والطائرات الفصل 197 من المرسوم المنظم للطيران بالمغرب المؤرخ 10/7/62 والسفن الفصل 290 من القانون البحري …. (53).

    وحوادث الشغل التي تتسبب فيها منقولات في ملك المشغل ظهير 06/02/1963 والمسؤولية الناشئة عن أشياء في ملكية الدولة ف 79 و80 ق ع ل.

    الشرط الثاني : ان يحدث الشيء ضررا للغير

    وهذا يقتضي ان يكون دور الشيء في إحداث الضرر إيجابيا دون ان يعني ذلك ضرورة وجود اتصال بين الشيء والمضرور، فالسيارة التي تتوقف فجأة، وتسبب أضرارا لسيارة أخرى كانت تتبعها عندما حاول سائق هذه الأخيرة تفادي الارتطام بالسيارة الواقفة فقام بمناورة أدت الى الاصطدام بحائط او صدم إنسان او سيارة ثالثة. في كل هذه الحالات يسال حارس السيارة المتوقفة فجأة بالرغم من عدم وقوع أي اصطدام او احتكاك بين الضحايا والشيء المحروس، كما ان التدخل الإيجابي لا يشترط إلا في الاحوال العادية، اما في الحالات التي يكون فيها الشيء في وضعية غير طبيعية ويسبب اضرارا للغير فان مسؤولية الحادث تكون ثابتة كما في حالة ترك السيارة في وسط الطريق ليلا وبدون إشارة، او وضع علامة للتنبيه لذلك، او حالة ترك حفرة في وسط الطريق بدون غطاء او علامة فتسبب أضرار لسائق سيارة او مجرد راجل. هذه الأخيرة كثيرا ما تترتب عنها مسؤولية الدولة او البلديات والمؤسسات العمومية المكلفة بإنجاز الأشغال العمومية طبعا الى جانب المقاولة الخاصة إذا عهد إليها بإنجاز هذه الأشغال.

    -------------------------

    53) السنهوري : الوسيط ج 1 ص 1223.

    54) محمد الكشبور : بحث منشور بالمجلة المغربية للقضاء والقانون التنمية عدد 18 ص 105 وأيضا حراسة الأشياء وطبيتعها أثارها ص 31-30.

    ------------------------

    وبالرغم من إمكانية بناء مسؤولية الدولة والمؤسسات العمومية في هذه الحالة على مقتضيات الفصلين 79 و80 من ق ل ع فانه يلاحظ في بعض الاحيان بناء هذه المسؤولية على الفصل 88 من ق ل ع ولعل السبب في ذلك هو رغبة المضرور أحيانا في الاستفادة من مقتضيات هذا الفصل في إثبات المسؤولية، وعدم التحلل منها إلا بإثبات الشرطين المزدوجين من طرف المدعى عليهما، وهذا ما يعيبه بعض الفقه على القضاء (54) على ان التحلل من مسؤولية حارس الشيء يقتضي منا التوقف قليلا عند هذه النقطة لنستعرض بإيجاز كيفية دفع هذه المسؤولية .

    كيفية دفع مسؤولية حارس الشيء في التشريع المغربي :

    بالرجوع للفصل 88 ق ل ع وكما سبقت الإشارة الى ذلك يتضح جليا بان المشرع تحاشى استعمال كلمة خطا الحارس، ومن تم فان مسؤولية هذا الأخير تقوم حتى ولو لم يرتكب أي خطا في الحراسة .

    وصدرت قرارات عديدة عن المجلس الاعلى تحمل الحارس المسؤولية بالرغم من عدم ارتكابه لأي خطا وبالرغم من الحكم ببراءته جنائيا (55).

    ولذلك فان إعفاء الحارس من مسؤولية الضرر الذي تسبب فيه الشيء المحروس لا يتحقق إلا إذا اثبت الشرطين الواردين بالفصل 88 وهما :

    1- انه فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر .

    وان الضرر يرجع إما لحادث فجائي او قوة قاهرة او خطا المضرور، وبالرغم مما يبدو من صعوبة التحلل من هذه المسؤولية بصعوبة إثبات الشرطين المزدوجين، فان كثيرا من الحراس استطاعوا فعلا الوصول الى هذه الغاية أمام القضاء (56) وهكذا قضى بان " التصاق الطفل بالشاحنة من الوراء، ثم سقوطه ووفاته، يفيد بان السائق قد فعل ما كان ضروريا لمنع الضرر وتجنب الحادث عندما تبين من خلال محاضر الشرطة بانه كان يسير بسرعة منخفضة، وانه توقف في الحين".

    --------------------------

    55) محمد الكشبور : م س ص 22.

    56) قرار 15/5/68 قضاء المجلس الاعلى عدد 14 ص 4.

    قرار 12/11/75 رابطة القضاة عدد : 7-6 ص 103.

    57) قرار 17/2/71 قضاء المجلس الاعلى عدد 25 ص 96.

    --------------------------

    كما جاء في قرار أخر " عند إثبات الحارس انه كان يستحيل عليه القيام بأية محاولة وان خطا خصمه كان غير متوقع، ولا يمكن تجنبه، فان ذلك كاف للقول بانه قد فعل كل ما في استطاعته لتجنب الضرر" (57).

    وقد اخذ الأستاذ محمد الكشبور وعن صواب على هذين القرارين بانهما اكتفيا بإثبات الشرط الأول وهو فعل ما كان ضروريا وتجاهلا الشرط الثاني وهو القوة القاهرة او خطا المضرور (58). واخيرا فان خطا المضرور إذا كان يكفي في التشريع المقارن للإعفاء من المسؤولية، فان التشريع المغربي لا يتكفي بذلك ويتطلب تحقق الشرطين المنصوص عليهما في الفصل 88 من ق ل ع الأول هو :

    فعل ما كان ضروريا لتجنب الحادث وهو ما ينفرد به القانون المغربي. والثاني هو ان الضرر يرجع إما لحادث فجائي، او لقوة قاهرة، او لخطا المضرور.

    ولكن القضاء يلطف من هذه الصرامة بلجوئه الى قاعدة، او مبدا تجزئة المسؤولية بين المدعي المضرور والمدعى عليه حارس الشيء بنسبة متساوية او مفتاوتة، ففي قرار للمجلس الاعلى جاء " لمحكمة الموضوع السلطة التقديرية لتستنتج توفر شروط الإعفاء، او عدم توفرها، ولتقرر في هذه الحالة تقسيم المسؤولية بين السائق والضحية (59).

    الفرع الثالث : الحكم والطعن فيه

    طبيعي ان غاية كل مدع لجا الى القضاء وأقام الدعوى أمامه هي الحصول على حكم فاصل في النزاع، يسترد به حقه المغصوب ويحمي به مركزه القانوني المهدد او المجحود .

    وللوصول الى هذا الهدف، يمكن ان يتطلب الأمر إصدار عدة أحكام تمهيدية او عارضة، للفصل في وقائع معينة او التحقيق فيها، وهو ما يستوجب التوقف قليلا عند أنواع الأحكام وتقنية إصدارها، وما ينبغي ان تشتمل عليه.

    ----------------------------

    58) قرار 4/6/1969 قضاء المجلس الاعلى عدد 11 ص 28.

    ومجلة القضاء والقانون عدد 106-105 ص 265.

    59) محمد الكشبور : م س ص 41.

    60) قرار 12/11/1958 مجلة القضاء والقانون عدد 21 ص 381.

    ----------------------------

    على ان الحكم القطعي او التمهيدي، قد لا يرضى هذا الطرف او ذلك، ومن اجل حماية حقوق الجميع، شرعت طرق الطعن مختلفة، سواء كانت عادية أم غير عادية، ولالقاء نظرة على موضوع هذا الفرع نرى تقسيمه الى مبحثين :

    المبحث الأول : الحكم في دعوى المسؤولية.

    المبحث الثاني : طرق الطعن فيه .

    المبحث الأول : الحكم في دعوى المسؤولية

    ان إصدار الحكم في دعوى المسؤولية - وفي جميع أنواع الدعاوى - يعتبر الهدف الرئيسي والغاية المتوخاة من هذه الدعوى منذ إقامتها ويعبر عن رأي القضاء في النزاع، والذي ينبغي للطرفين الالتزام به باعتباره الحقيقة القضائية، ولذلك فانه لا يصدر هذا الحكم إلا بعد استنفاذ الأطراف لدفوعاتهم الشكلية والموضوعية، وبعد إجراء الأبحاث والتحقيقات الضرورية، وإذا صدرت أحكام أثناء سير الدعوى فإنها تسمى أحكاما عارضة، او تمهيدية أما الحكم البات في النزاع فهو الحكم القطعي، فما هو المقصود بهذه المصطلحات :

    الحكم العارض : هو الذي يبت في مسالة عارضة وأثيرت أمام القضاء على هامش دعوى الموضوع، ولكنها لا تفصل في ثبوت او عدم ثبوت هذا الموضوع كما هو الشان بالنسبة للحكم الصادر في الدفع بعدم الاختصاص، او في الطلب الرامي الى إيقاف البت في الدعوى الى حين البت في دعوى أخرى، وفي طلب ضم الدعوى الى أخرى أمام نفس المحكمة او أمام محكمة أخرى، وقد يكون الحكم العارض ينصب على عدم توفر شرط من شروط الدعوى حالات خاصة (60).

    الحكم التمهيدي : يصدر هذا الحكم للقيام ببحث او خبرة فنية للتأكد من وقائع مادية لا علاقة لها بالقانون، كانتداب خبير ميكانيكي لتقدير الأضرار اللاحقة او تحديد العيب الميكانيكي الذي ينسب اليه الحارس انه هو المتسبب في الضرر ويعتبره قوة قاهرة، او انتداب طبيب مختص لبيان الإصابات الناتجة عن الحادث عن غيرها من الإصابات السابقة له، او انتداب خبير حيسوبي او أي خبير أخر يتضح من طبيعة الدعوى ان الفصل فيها يتوقف على رأيه الفني .

    -----------------------------

    61) كما هو الشان بالنسبة للحالات المنصوص عليها في الفصلين 514 و517 من ق م م

    ----------------------------

    الحكم القطعي : هو الحكم الفاصل في النزاع، والذي يبت في النقط المثارة في الدعوى وينهي إجراءات الدعوى أمام المحكمة المصدرة له حيث تستنفد هذه الأخيرة ولايتها للنظر في النزاع، وترفع يدها عنه، ولا يمكن إعادة طرح هذا النزاع نفسه بأطرافه وموضوعه أمامها مرة أخرى كمبدأ عام، يعرف بعض الاستثناءات القليلة كما هو الشان بالنسبة لحالات : الطعن بإعادة النظر، او تفسير الحكم او إصلاح اخطا مادية صرفة تسربت إليه، او البت في الصعوبات الموضوعية التي تعترض تنفيذه، وإجمالا فان الحكم القطعي يكتسب الحجية، وقوة الشيء المقضى به كما تكون له القوة التنفيذية ويعتبر عنوانا للحقيقة القضائية.

    والمقام لا يتسع لاستعراض كل ما يتعلق بالحكم، لكن تكفي الإشارة الى ضرورة اشتماله على ما يأتي :

    البيانات الشكلية المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية او الجنائية وكذا القوانين الخاصة عند الاقتضاء مثل : باسم جلالة الملك ثم تاريخ إصداره، والمحكمة والهيئة المصدرة له، وأطراف الدعوى، ووصف الحكم بالعلنية، وما إذا صدر حضوريا أم غيابيا ابتدائيا أم انتهائنا تم توقيعه من طرف القاضي المقرر ورئيس الهيئة وكاتب الضبط (61).

    يشتمل بالنظر لمضمونه على ثلاثة أجزاء أساسية هي :

    1- الوقائع : وهي استعراض موجز، وغير مخل بوقائع النزاع وبمرافعات الأطراف، ومستنداتهم التي ادلو بها وكذا الأحكام التمهيدية وإجراءات التحقيق التي تمت أثناء مناقشة القضية .

    2- التعليل : وهو الجزء الذي تكيف فيه المحكمة الوقائع أعلاه، التكييف القانوني الذي تصبغه عليها وترتب عليه الأثر القانوني المتعين، كما ترد فيه على دفوعات الأطراف، وتفسر النصوص القانونية المطبقة، ويعتبر التعليل أهم أجزاء الحكم، لذلك يعتبر مجرد نقصانه سببا لنقض الحكم فبالأحرى انعدامه كما هو واضح من الفصل 359 من ق م م كما أكد ذلك المجلس الاعلى في قراراته عديدة لا تقع تحت الحصر (62).

    ---------------------------

    62) الفصول : 50 و345 و375 من ق م م المتعلق على التوالي بالأحكام الابتدائية والقرارات الاستئنافية وقرارات المجلس الاعلى .

    63) قرار عدد 205 بتاريخ 23/4/69 مجموعة قرارات المجلس الاعلى المادة المدنية ص 545 قرار عدد 147 بتاريخ 26/3/69 مجموعة قرارات المجلس الاعلى المادة المدنية ص 611.

    ---------------------------

    واخيرا فان استخلاص الوقائع من طرف المحكمة يدخل ضمن سلطتها التقديرية ولا يخضع لرقابة المجلس الاعلى، لكن تباين ذلك وتسبيبه في الحكم وتكييفه القانوني يعتبر مسالة قانونية تخضع لرقابة المجلس الاعلى (63).

    3- المنطوق : وهو النتيجة القانونية المستخلصة من طرف المحكمة والتي تحدد حقوق الطرفين، ويكون منطوق الحكم عادة مختصرا وواضحا، لانه يعتمد في التنفيذ، ويتعين إلا يشوبه أي غموض او التباس، وان يكون منسجما مع التعليل ونتيجة حتمية وطبيعة له .

    المبحث الثاني : طرق الطعن في الحكم

    سبقت الإشارة الى ان دعوى المسؤولية إما ان تكون دعوى مدنية تابعة للدعوى العمومية وتقام انذاك أمام المحكمة الجنائية، وتخضع لطرق الطعن المنصوص عليها في المسطرة الجنائية وفق أجال والإجراءات الخاصة بها .

    وهي : التعرض - والاستئناف - والنقض (63 مكرر).

    وقد تكون دعوى المسؤولية دعوى مدنية أمام المحكمة المدنية فتخضع لطرق الطعن المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية وهي :

    طرق الطعن عادية : التعرض - الاستئناف

    طرق طعن غير عادية : إعادة النظر - تعرض الغير الخارج عن الخصومة - النقض .

    والمقام لا يتسع لبسط الأحكام الخاصة بكل نوع من أنواع الطعن، ولذلك سأكتفي ببعض الإشارات :

    فالطعن بالتعرض الأمام المحاكم المدنية ( الابتدائية) على الأحكام الصادرة في دعوى المسؤولية مستبعد طبقا للفصل 130 من ق م م لان هذه الأحكام قابلة للاستئناف، وتبقى القرارات الاستئنافية الصادرة غيابيا هي وحدها التي تقبل الطعن بالتعرض، كما ان الأحكام التمهيدية لم يعد بالإمكان استئنافها إلا مع الحكم الفاصل في النزاع طبقا للفصل

    ----------------------

    64) محمد الكشبور : رقابة المجلس الاعلى للقضاء على محاكم الموضوع في المواد المدنية أطروحة - كلية الحقوق بالبيضاء 1986 الجزء الأول. وأيضا حراسة الأشياء م مس ص 2/2.

    ( 64 مكرر) بالإضافة الى طرق الطعن هذه المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية والتي يستفيد منها المطالب بالحق المدني، فان المجلس الاعلى يري استفادته من الطعن بإعادة النظر باعتبار ان الأمر يتعلق بدعوى مدنية تخضع لمقتضيات المسطرة المدنية أيضا ومنها الطعن بإعادة النظر - قرار المجلس الاعلى عدد 489 وتاريخ 16/12/1978 مجلة المحاماة عدد 16.

    --------------------

    140 من ق م م لكن تحديد الحكم التمهيدي كان مثار خلاف قضائي انتهى بان الحكم يعتبر تمهيديا حتى ولو فصل في جزء من الطلب الموضوعي ما دام لم يبت في الطلبات النهائية، كما هو الشان بالنسبة للحكم الفاصل في المسؤولية، أمر بإجراء خبرة التعويض (64) لكن هذا ينطبق على الدعوى المدنية الأصلية أما الدعوى التابعة فان هذا النوع من الأحكام يقبل الاستئناف، لانه يستانف مع الحكم الصادر في الدعوى العمومية، ونظرا للآثار السلبية التي نجمت على حقوق المضرورين في هذه الحالة، فان العمل القضائي اهتدى الى طريقة للبت في حوادث السير تتفادى ذلك وتتجلى في : إصدار الحكم التمهيدي الضروري قبل البت في الدعوى العمومية ثم إصدار حكم واحد قطعي يبت في الدعويين العمومية والمدنية التابعة (65).

    الفرع الرابع : تقادم الدعوى وسقوطها

    ان التزام حارس الشيء بتعويض الضرر الذي يلحق بالاغيار بفعل الشيء، لا ينبغي ان يكون أبديا، ويتعين بالتالي المطالبة به في وقت معقول كغيره من الالتزامات التي تنقضي بمرور ما يسمى بالتقادم، ونظرا لكون الأمر يتعلق بحقوق الأشخاص، فان باستطاعتهم التنازل عنها وإبرام الصلح بشأنها، كما ان صدور حكم بات في النزاع يكتسب الحجية، ويؤدي كل الى سقوط دعوى المسؤولية، ولاعطاء فكرة موجزة عن كل من التقادم والسقوط نقف عند كل منهما.

    التقادم : هو انقضاء المدة المحددة في القانون لسقوط الدعوى الناشئة عن الالتزام، وتختلف هذه المدة حسب أنواع الالتزامات وبتوفر بعض الشروط.

    والذي يعنينا هو تقادم دعوى المسؤولية عن حراسة الأشياء وبالرجوع لمختلف النصوص المنظمة له نجد انه وطبقا للفصل 106 من ق ل ع فان دعوى التعويض من جراء جريمة او شبه جريمة تتقادم إما :

    بمضي خمس سنوات ابتداء من تاريخ علم المتضرر بالمضرور بالمسؤول عن هذا الضرر .

    -----------------------

    65) قرار عدد 45 بتاريخ 10/04/1979 مجموعة قرارات المجلس الاعلى صفحة 96.

    66) يراجع : محمد عطاف : وجهة نظر حول الطريقة الملائمة للبت في حوادث السير مجلة المحاكم المغربية عدد 46 نونبر - دجنبر 1986 ص 53.

    -----------------------

    وبمضي عشرين سنة من تاريخ وقوع الضرر في جميع الحالات .

    وطبقا للفصلين 19 و23 من ظهير 02/10/1984 المتعلق بالتعويض عن حوادث السير فان أجال التقادم هي:

    خمس سنوات تبتدئ من تاريخ تقرير الخبرة المثبت لاستقرار الجروح او من تاريخ الوفاة .

    ثلاث سنوات تبتدئ من تاريخ التوصل بالرسالة التي تمتنع فيها شركة التامين عن الصلح ومنح التعويض، او الرسالة التي يرفض فيها المصاب او ذوو حقوقه التعويض المقترح من طرفها .

    تتقادم الدعاوى المتعلقة بمراجعة التعويض خلال السنة الواحدة ابتداء من تاريخ التوصل برسالة شركة التامين برفض منح التعويض او تاريخ رسالة المصاب او ذوي حقوقه برفضهم لاقتراحات شركة التامين .

    والتقادم يتوقف في الحالات المفصلة في القانون الفصل 378 - 379 -380 ع ل وينقطع في الحالات المبنية في الفصول 381 - 382 - 384 ع ل ولا بد من التمسك به ممن له المصلحة لانه ليس من النظام العام ومن تم يتعذر على المحكمة لان تثيره تلقائيا.

    سقوط الدعوى :

    بالإضافة الى تقادم الدعوى يمكن ان يدفع عليه بسقوطها إذا توفرت أسباب ذلك، كان يتنازل المضرور عن حقه بعد ثبوت علمه بوقوع الضرر والمسؤول عنه، إذا كان متوافرا على الأهلية الكاملة وذا إرادة حرة، مع تمييز التنازل عن الدعوى وحدها طبقا للفصل 119 من ق م م والتنازل عن الحق ذاته .

    كما يمكن ان تسقط الدعوى بإبرام الصلح مع شركة التامين والمسؤول عن الضرر لان الأمر يتعلق بمجال الحقوق الفردية الخاصة والتي يملك المعنيون بالامر التصرف فيها.

    واخيرا فان صدور الحكم برفض الدعوى واكتساب هذا الحكم لدرجة قطعية تسقط به دعوى المسؤولية والتي لا يمكن إقامتها من جديد وكما هو الشان بالنسبة للتقادم فعلى ذي المصلحة التمسك بالدفع بالتنازل والصلح وصدور الحكم القطعي في النزاع .

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد 90، ص 19.

    لعبة تنمية الذكاء وتقوية مستوى التركيز
    Dama maroc
    Install