أدخل كلمة للبحث

مدى إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب

مدى إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب

    من إعداد: ذ.الحسن بويقين

    الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بمكناس

    من خلال هذا العنوان يمكن استخلاص محورين أساسين لهذا العرض فمن جهة لكي نتمكن من الجزم بإمكانية أو عدم إمكانية تطبيق نظام الوساطة بالمغرب لابد أولا من التعريف بهذا النظام من جميع جوانبه إذ كما يقول الأصوليون الحكم على الشيء فرع عن تصوره وهكذا سنتطرق في المحور الأول للوساطة سواء من حيث التعريف بها أو من حيث مميزاتها أو من حيث الأطراف الفاعلة فيها ثم نتناول في المحور الثاني، التدابير اللازمة للأخذ بنظام الوساطة، نتطرق فيه إلى الخطوط العريضة التي ينبغي أن يأخذها المشرع بعين الاعتبار عند تقنينه لهذا النظام ثم نعرض على بعض القوانين التي يمكن إدخال تعديلات أساسية عليها لضمان نجاح الوساطة.

    وأخيرا نتساءل في المحور الأخير هل يسمح نظامنا القانوني الحالي بتطبيق الوساطة قبل تقنينها من طرف المشرع أم لا؟

    مقدمة:

    لقد صدق من قال:" إن العدالة ليست أن يصل صاحب الحق إلى حقه فحسب وإنما العدالة في أن يستوفي حقه وبغير عنت وفي زمن قليل"(1).

    فالمحاكمة البطيئة تعد في الحقيقة نوعا من إنكار العدالة ذلك إن استمرار الخصومة لسنوات طويلة قد تصل أحيانا إلى عشرات السنين تفقد الشيء المتنازع حوله قيمته وأهميته في نظر الأطراف، وقد يرث البعض هذه الخصومة دون علم بها كما يتم عادة في القضايا العقارية التي في طور التحفيظ.

    فمراحل المحاكمة طويلة وعديدة وجل القضايا المهمة تمر بالمرحلة الابتدائية ثم المرحلة الاستئنافية وقد يصدر القرار في هذه المرحلة غيابيا ويتم التعرض عليه ثم يقع البث فيه بقرار قابل للطعن بالنقض، وقد يكون هناك سبب لإعادة النظر فيه ثم الطعن بالنقض في القرار الصادر في الطعن المذكور ومعلوم أن هناك من القضايا ما لا يمكن تنفيذ الحكم الصادر فيها إلا بعد أن يصبح مبرما وقد يكون مآل الطعن بالنقض إلغاء القرار الاستئنافي مع الإحالة لتبدأ مرحلة جديدة من المحاكمة قد تتكرر مرات بسبب عدم توفر المجلس الأعلى على حق التصدي، وحينما يصبح الحكم قابلا للتنفيذ يفاجأ المحكوم لفائدته بتعنت المحكوم عليه الأمر الذي يستوجب تتبع مسطرة التنفيذ الجبري إما بالاستعانة بالقوة العمومية أو عن طريق الإكراه البدني، أو نزع ملكية عقار الخصم، إن الوقت الطويل الذي تستغرقه المحاكمة على الشكل الذي بيناه وما يتطلبه من تكاليف ومصاريف باهضة لا تتناسب في غالب الأحيان مع النتيجة المادية المتحصلة من الحكم، وبالتالي لا نستغرب إن كانت مصاريف المحاكمة أحيانا تفوق ضعف قيمة الشيء المتحصلة من المحاكمة، وفضلا عن ذلك فإن الطرف الخاسر للدعوى، خاصة إذا كان النزاع بين الجيران أو الشركاء عادة ما لا يقبل بالهزيمة بل يظل ينتظر ويتحين الفرصة السانحة لشغل خصمه بدعوى تكون في غالب الأحيان كيدية، الأمر الذي يفيد أن المحاكمة التقليدية بالإضافة إلى أنها أحيانا لا تكشف الحقيقة، فإن الحكم الذي أسفرت عنه كثيرا ما يشكل نقطة انطلاق نزاع جديد أو بذرة حقد دفين ينتظر ظروفا لترجمته إلى دعوى جديدة، الشيء الذي يخلق جوا من الأحقاد والضغائن وأرضا خصبة لانتقامات ونزاعات تتوارثها الأجيال وتستعصي عن الحل القهري، كشأن النزاعات العقارية بالبوادي.

    ومقابل الشكل التقليدي للمحاكمة يوجد الصلح الذي يعتمد على استعداد الأطراف لوضع حد للنزاع القائم بينهم بشكل ينتفي فيه الغالب والمغلوب، ويغلب فيه التعامل بحسن نية، ولا يفرض فيه رأي على آخر بل يشترك الجميع في إيجاد حل مقبول من الطرفين يحفظ لكل واحد مصلحته في الحدود التي لا تضر بمصلحة الآخر أي يتم اقتسام الربح والخسارة برضى الطرفين، لكن الربح الأكبر لهما معا هو فض النزاع بصفة نهائية بحيث لم يعد هناك داع لأي طعن أو دعاوى جانبية، فالصلح في أصله قاطع لدابر أي خلاف حول الشيء المتنازع عليه كما يعد واقيا من أي انتقام ويساعد على نشر السلم الاجتماعي.

    والصلح عرفته البشرية منذ القدم كما حبذته كل الديانات السماوية وورد الحث عليه في القرآن الكريم في سور عديدة منها قوله تعالى:"ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصحوا بين الناس والله سميع عليم" الآية 223 من سورة البقرة، وقال عز من قائل في سورة النساء الآية 127:" ?إن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهما أ? يصالحا بينهما صلحا والصلح خير" الآية، وقال عز وجل في نفس السورة الآية 35:" وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا".

    كما نظمه قانون الالتزامات والعقود المغربي في الفصول من 1098 إلى 1116 وفي قانون المسطرة المدنية في الفصلين 179-180 بخصوص قضايا الأحوال الشخصية و الفصلين 277-278 بخصوص القضايا الاجتماعية وورد أيضا في عدة نصوص أخرى، كالقانون المنظم لمحاكم الجماعات والمقاطعات وظهير 24/05/1955 المتعلق بكراء المحلات التجارية، وقانون التعاونيات وغيرها من القوانين.

    ورغم الأهمية الكبيرة التي أعطتها الشريعة الإسلامية للصلح، ورغم النص عليه في القوانين الوضعية في أكثر من مناسبة إلا أنه أصبح اللجوء إليه نادرا حتى أضحى شبه منسي لأسباب يطول شرحها ويضيق المقام لذكرها لذا تتجه الأنظار حاليا إلى البحث في تجارب التشريعات الحديثة والعمل القضائي المقارن عن أسباب نجاح التصالح ببعض البلدان، ويكاد الاهتمام يكون منصبا ومنحصرا في التصالح الذي يتم في شكل ما يسمى بالوساطة كآلية بديلة لفض النزاعات التي لقيت نجاحا منقطع النظير في بعض البلدان المتقدمة كالولايات المتحدة الأمريكية وقد تيسر لي وثلة من زملائي الاطلاع على بعض مقومات هذا النظام وكيفية إجرائه وتطبيقه في بعض محاكم ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الأمريكية في إطار التعاون القضائي بين البلدين أو جزها في المحور الأول من هذا العرض.

    المحور الأول: الوساطة.

    وحتى نكون ملمين بنظام الوساطة لابد من التعريف بها ثم ذكر مميزاتها ثم الجهات الفاعلة فيها ثم نهايتها.

    المبحث الأول: التعريف.

    الوساطة إذا أطلقت (يقصد بها التي تتم بمناسبة عرض النزاع على القضاء، وهي آلية للتصالح بين طرفين متنازعين تتم تحت إشراف شخص محايد في اجتماع سري يحضره من الأطراف من له سلطة اتخاذ القرار بالإضافة إلى محامي كل طرف) ولما كان الهدف من هذه الآلية هو إجراء الصلح بين الطرفين فلا يمكن أن يكون اللجوء إليها إلا اختياريا لأن الصلح يتوقف على الرضى والاختيار.

    المبحث الثاني: مميزات الوساطة.

    من أهم المميزات التي تنفرد بها الوساطة:

    1)الاختيارية:

    تعتبر الوساطة بطبيعتها اختيارية، أي يجب أن يقبل الأطراف باللجوء إليها عن طواعية مادامت تهدف إلى الوصول إلى حل حبي ورضائي ومقبول من الطرفين، ولذا ليس من المنطق في شيء إجبار طرف على هذه الآلية البديلة للنزاع إذا كان حرا في قبول أو عدم قبول الحلول الاتفاقية التي تطرح عليه من طرف الوسيط، لكن هناك عدة وسائل لإقناع الأطراف بأهمية ونجاعة الوساطة أو حتى إجبارهم أدبيا على اللجوء إليها وهذه المهمة يتقاسمها القاضي ومحامي الطرف المعني كما سنبين لاحقا.

    2)المرونة:

    إذا كانت المحكمة التقليدية تحكمها عدة قواعد وشكليات قانونية تقلص من حرية القاضي والأطراف في إيجاد الحلول المناسبة للنزاع المطروح على المحكمة فإن الوساطة تمتاز بالمرونة، وبحرية الأطراف والوسيط في اتخاذ أية مبادرة مناسبة حيث تتم فيها المفاوضات وفق اتفاق الطرفين بشكل يسمح لكل واحد منهما باقتراح عدة حلول وتصورات لفض النزاع إلى أن يتم الاتفاق على حل مناسب ومرض للطرفين، إذ ليس هناك قانون معين أو شكليات محددة يجب احترامها بل هناك حوار جدي وعرض كل طرف لموقفه من منظوره الخاص وتقديم التنازلات، وبعد عدة جلسات يقترب الأطراف شيئا فشيئا من الحل النهائي الذي يرضيهما معا ويأخذ في نفس الوقت بعين الاعتبار مصالحهما معا.

    3)السرية:

    إن عنصر المرونة التي تمتاز بها الوساطة والذي يسمح باقتراح عدة حلول، وإفشاء بعض الأسرار إما للخصم أو للوسيط لو تسربت إلى المحاكمة لأضرت بصاحبها، يقابله عنصر السرية حيث يجب أن يبقى كل ما راج بالوساطة سرا ولا يجوز التحدي به أمام القضاء في حالة فشل الوساطة، فجميع أطراف الوساطة ملزمون بالاحتفاظ بسرية ما تم الإفصاح به خلال اجتماعات الوساطة، وذلك حتى يكون الأطراف طلقاء وصرحاء في محاولتهم للوصول إلى حل مرض لهم جميعا.

    4)حضور الأطراف بأنفسهم:

    إذا كانت الدعوى وما تتطلبها من شكليات وتقنيات تحتاج إلى فني وخبير وممارس في العلوم القانونية وبالتالي ألزم المشرع في جل النزاعات أن يتم تقديم المقالات والمذكرات والمستنتجات بواسطة محام ونادرا ما يكون حضور الأطراف أثناء المحاكمة ضروريا كما في حالة البحث أو المعاينة، فإن في الوساطة يكون حضور الأطراف واجبا وضروريا صحبة دفاعهم ويتعين أن يكون الطرف الحاضر متوفرا على سلطة اتخاذ القرار، والهدف من هذا الحضور تجنب تضخيم الطلبات، والعمل على اختزالها في الحقيقية منها فقط وتفادي الحيل القانونية، واصطياد هفوات الخصم، كما يقصد منه فتح المجال للأطراف لبسط طلباتهم، ودفوعاتهم بنوع من الشفافية والطلاقة، وحسن النية والتحلل من أية قيود، والتصريح بكل ما يشاءون مادامت السرية التي تمتاز بها الوساطة تمنع الخصم من الاستفادة مما تم التصريح به خلالها في المحاكمة في حالة فشل محاولة التصالح.

    5)الحياد:

    إذا كان القاضي ملزما بالحياد وعدم الانحياز إلى أي طرف من أطراف النزاع فإنه مطلوب منه تطبيق القانون على الوقائع المعروضة عليه بعد دراسة الحجج وترجيحها عند الاقتضاء وإصدار الحكم في غير صالح أحد الأطراف أما الوسيط فملزم بالحياد التام، وينحصر دوره في تسيير المفاوضات بشكل حيادي والعمل على طرح عدة حلول وتصورات لفض الخلاف والعمل على تضييق شقة النزاع بين الطرفين مع بيان المصالح الأساسية والحقيقية لهما والتي سيأخذها الحل الاتفاقي المقترح بعين الاعتبار، فهو لا يستطيع إجبار أي طرف على حل معين، كما لا يستطيع تغليب جهة على أخرى وليس من حقه فرض حل معين على الطرفين، وهو غير مقيد بأية قاعدة قانونية شكلية كانت أو موضوعية وسنده الوحيد في أداء مهمته مهارته في إجراء الحوار، وقوة الإقناع وحسن الاستماع وقدرته على طرح عدة حلول، وتصورات لحل النزاع.

    المبحث الثالث : الجهات الفاعلة في الوساطة.

    أبانت التجربة في البلدان التي أخذت بنظام الوساطة في العقد الأخير من القرن الماضي أن نجاحها متوقف على تضافر جهود عدة أطراف وفاعلين في النزاع المعروض على القضاء وهؤلاء الأطراف يمكن ذكرهم على سبيل الحصر فيما يلي:

    1/القاضي:

    يمكن أن يتفق الأطراف على اللجوء إلى الوساطة قبل عرض النزاع على القضاء وهذا النوع من التصالح لا شأن للقضاء به وبالتالي ليس موضوع هذا العرض لكن الوساطة التي تعنينا هنا هي التي تتم بمناسبة عرض النزاع على المحكمة وأول ما تحتاج إليه قاض يقتنع أولا بجدوى وأهمية هذه الآلية البديلة لفض النزاع وذلك حتى يبذل قصارى جهده لإقناع الأطراف باللجوء إليها بتوضيح مزاياها وبيان ما يمكن أن يعود عليهم منها من فوائد، إلا أنه ليس له إجبارهم على الوساطة، غير أنه يستطيع القيام بذلك أدبيا إن ظهر له تردد الأطراف أو أحدهم بسبب عدم اقتناعهم بأهمية الوساطة أو جهلهم بها وبفوائدها، كما يقوم القاضي بتعيين الوسيط في حالة عدم اتفاق الطرفين على اختيار وسيط معين أو في حالة كون الذي تم الاتفاق عليه غير مختص في الموضوع المطروح على المحكمة، ويقوم أيضا بتحديد المدة التي يجب أن تتم فيها الوساطة، ولا يجددها إلا بطلب من الوسيط شريطة تبرير ذلك بما يفيد أن هناك بوادر التصالح بين الطرفين أو في حالة كون القضية معقدة أو شائكة، وأخيرا يملك القاضي حق وضع حد للوساطة إذا تبين له أن لا طائل من ورائها ويقع ذلك عادة بطلب من أحد الأطراف.

    2/المحامي:

    يعتبر دور المحامي في الوساطة دورا أساسيا لا يقل عن دور القاضي أحيانا فالمحامي هو الذي يستطيع إقناع موكله منذ البداية بجدوى الحل التصالحي عن طريق الوساطة بعد توضيحه له ميكانزمات هذه الآلية البديلة والضمانات التي تكفلها له للمحافظة على حقوقه، إن المحامي باعتباره مساعدا للعدالة ومدافعا عن مصالح موكله يعد من مهامه الأساسية الجنوح إلى الصلح متى كان في مصلحة موكله، والمحامي الشريف والنزيه والذي أدى القسم على ممارسة الدفاع والاستشارة بكرامة وضمير واستقلال وإنسانية لا يمكن إلا أن يكون ناصحا أمينا لموكله وصادقا في نحه، ومعاملته، والصدق يقتضي له ذلك، والدور الثاني الذي يلعبه المحامي في الطرق وأقلها كلفة، والوساطة تضمن له ذلك، والدور الثاني الذي يلعبه المحامي في الوساطة يتمثل في مشاركته في المفاوضات بجانب موكله وقبل ذلك يساعد موكله في اختيار الوسيط الكفء بفعل احتكاكه بذوي الخبرة في هذا الميدان ومعرفته بالمحنكين والناجحين في هذا المجال، فله إبداء دفوعات موكله وفق الاستراتيجية التي يراها مناسبة للحفاظ على مصالحه ويمكن له استعمال كل الإمكانيات، والإفصاح بكل ما هو مفيد في إنجاح مهمة الوسيط دون خوف من التحدي به من طرف الخصم أثناء المحاكمة في حالة فشل الوساطة استنادا إلى مبدأ سرية المفاوضات التي تمتاز بها الوساطة، وهكذا يتبدد الخوف الذي قد يتولد لدى البعض من أن الوساطة تقصي دور المحامي، وتحرمه من مورد العيش بل إن الوساطة تساعد على حل النزاعات في اقرب وقت ممكن وبصفة نهائية وبأقل جهد ووقت مما يجعل المحامي يحصل على أتعابه بسرعة خاصة إذا كانت تقدر بنسبة معينة من المبلغ المحصل عليه من الحكم المصادق على الاتفاق الناجم عن الوساطة كما هو عليه الأمر في قضايا حوادث السير والديون التجارية والمدنية بصفة عامة، فضلا عن أنه ليس هناك ما يمنع من الاتفاق مع الموكل على مبلغ جزافي منذ الوهلة الأولى بغض النظر عن الوقت الذي سيستغرقه الفصل في القضية عن طريق الوساطة أو المحاكمة، وعلى كل حال فليس من الإنسانية ولا الصدق في شيء معارضة المحامي إجراء الصلح عن طريق الوساطة رغبة في تطويل الإجراءات وتنويع المساطر وسلوك طرق الطعن المختلفة أملا منه في الحصول على مقابل مادي بدل العمل على إنهاء النزاع لصالح موكله بأقل خسارة ممكنة وبأسرع وقت متيسر. من كل ما تقدم يبين الدور الهام والأساسي والفعال للمحامي في إنجاح الوساطة ونشر الثقافة الجدية للحلول البديلة لفض النزاعات.

    3/ الأطراف:

    يعد حضور الأطراف ومشاركتهم في إجراءات الوساطة أمرا ضروريا وإلزاميا وخاصة من يملك منهم سلطة اتخاذ القرار ما دام نجاح الوساطة وفي الوصول إلى حل مرض للطرفين يقتضي تقديم تنازلات واتخاذ القرارات الجريئة، وقبول اقتراحات الوسيط الهادفة إلى تضييق شقة الخلاف بين الخصوم مع تجنب إخفاء بعض جوانب النزاع التي ليست في الحقيقة محل خلاف وتجنب تضخيم النزاع، فدور الأطراف في الوساطة لا يقل أهمية عن دور المحامي إن لم يكن أهم منه في بعض الخصومات كالتي لها علاقة بالأمور الإنسانية والعاطفية والعلاقة الأسرية كالحضانة والطلاق ونزاعات الجوار، ولذا يعد حضور الأطراف في الوساطة إجباريا، ونجاحها متوقف عليه.

    4/ الوسيط:

    يعتبر الوسيط العنصر الأهم والركيزة الأساسية في إنجاح الوساطة لذا فقبل الإقدام على الأخذ بهذا النظام أو تطبيقه بعد تنبيه تشريعيا لابد من التوفر على وسيط كفء يتوفر على مؤهلات عالية وكفاءة خاصة في ميدان المفاوضات وعلم الاجتماع وعلم النفس، وأن يتوفر كذلك على قدرة عالية في الاقناع، ويستحسن فيه أن تكون له تجربة في ميدان القضاء فترة معينة في المحاماة أو القضاء أو في ممارسة التحكيم أو إنجاز الصلح، أو المحاسبة أو الطب النفسي لمدة معينة، ولابد من الإلمام شيئا ما بالعلوم القانونية حتى يستطيع إقناع كل طرف بالموقف القوي للخصم الآخر وضعف موقفه ليتمكن من استمالته إلى قبول الحل الأوسط أو أحد الحول التي يقترحها لفض النزاع، وبالإضافة إلى ذلك لابد أن يتوفر الوسيط على درجة عالية من الذكاء، والفطنة والفراسة وسرعة البديهة ومهارات اتصال عالية، وقوة الإقناع، وحسن الاستماع والقدرة على طرح أكثر من حل للنزاع، والتحلي بالصبر، وعدم الاستسلام لليأس بسرعة، والإيمان بإمكانية نجاح الوساطة بمجرد اتفاق الطرفين على اللجوء إليها، مع التزام الحياد وكتمان السر، إن هذه الشروط وهذه المؤهلات والكفاءات التي يجب أن تتوفر في الوسيط استدعتها مهنته الدقيقة المتمثلة في مساعدة الأطراف على الوصول إلى حل يرضيهما معا دون تغليب طرف على آخر، وجملة القول يعتبر الوسيط الجيد ضمانة أساسية لنجاح الوساطة وانتشار ثقافتها.

    وقبل الحديث عن نهاية الوساطة نود الإشارة إلى بعض مزاياها في ما يلي:

    المبحث الرابع : مزايا الوساطة

    من أهم مزايا الوساطة: أنها تتم في جو تنتفي فيه التوترات والمشاحنات التي تلازم عادة المحاكمة وتعمل على اقتراح الحل البديل الاتفاقي الذي يجنب الأطراف هاجس احتمال خسارة الدعوى بسبب خطأ في الدفاع أو تقصير في استعمال المساطر القانونية الضرورية، وتؤدي في نفس الوقت إلى اكتساب كل طرف شيئا ما من النزاع فضلا عن أنها تنتهي في حال نجاحها إلى وضع حل نهائي للنزاع بالصلح دون إمكانية اللجوء إلى خلق مساطر جديدة عن طريق سلوك طرق الطعن القانونية.

    ومن مزايا الوساطة كذلك أن لا يحصل كل طرف على هدفه ومبتغاه الذي هو الحكم وفق كل طلبات المدعي أو رفض كل طلباته بل يحتم بموجبها تقاسم الفوائد والخسارات وفق اتفاقهما، ولا تنتهي إلى فرض حل من طرف غالب على مغلوب كما يحصل في حالة المحاكمة الأمر الذي ينتفي معه ما يترتب عادة عن هذه الأخيرة من حزازات وأحقاد دفينة بين الأطراف سرعان ما تظهر على سطح الواقع لأتفه الأسباب كخلاف روتيني بين الأطفال.

    المبحث الخامس : نهاية الوساطة

    فحسب النظام الأمريكي ينبغي أن تتم الوساطة خلال الفترة المحددة لتهيئ القضية للحكم والتي غالبا ما تحدد في أربعة أشهر ما لم تكن القضية شائكة أو معقدة، ولذا عادة ما تكون المدة المخصصة لإجراء الوساطة قصيرة ما لم يسمح القاضي بتمديدها بناء على طلب الوسيط المبرر بظهور بوادر الوصول إلى حل اتفاقي ولذا نادرا ما يتم تدخل القاضي لوضع حد إجراءات الوساطة ما دام الأمد لإنجازها قصيرا بخلاف النظام الفرنسي الذي حدد أمد إنجازها في ثلاثة أشهر قابلة للتمديد مرة واحدة وقد يتدخل القاضي لوضع حد للوساطة بمبادرة من أحد الأطراف أو الوسيط إذا بدا له أن لا طائل من ورائها، وعلى كل حال إذا كللت مساعي الوسيط بالنجاح حرر اتفاقا يوقعه مع الأطراف ويحال على المحكمة للمصادقة عليه ثم تنفيذه كحكم نهائي، أما إذا فشلت محاولة الصلح رفع الأمر إلى القاضي الذي يعمل على إحالة الأطراف على المحاكمة دون تحميل المسؤولية لهذا الطرف أو ذاك ودون اتخاذ أي إجراء ضد طرف معين ودون إمكانية الاعتماد على ما راج خلال الوساطة من المواقف والتنازلات والتحدي بها أثناء المحاكمة فبفشل الوساطة تصبح هذه وكأن لم تجر قط، ويجوز أن تنتهي الوساطة باتفاق جزئي على حل بعض الخلاف مع الاتفاق على اللجوء إلى التحكيم مثلا فيما يخص النقط الباقية أو إلى المحاكمة.

    وبعد التعريف بالوساطة وذكر مميزاتها والجهات الفاعلة فيها، والإشارة إلى بعض مزاياها ثم نهايتها يحق لنا أن نتساءل هل يمكن تطبيقها بالمغرب أم أن عاداتها وثقافتنا تجافيها، وإذا افترضنا جدلا القول بإمكانية الأخذ بها فما هي التدابير التي ينبغي اتخاذها، والضامنة لنجاحها، ذلك ما سنحاول تبيانه في المحور الثاني من هذا العرض.

    المحور الثاني: التدابير الضرورية للتطبيق الأمثل للوساطة بالمغرب

    بادئ ذي بدء أشير إلى أن الوساطة بارتكازها على التصالح ليست غريبة عن معتقداتنا الدينية، وقوانينا الوضعية، وثقافتنا الاجتماعية وعادتنا المهنية والحرفية لذا فهي قابلة للتطبيق ببلادنا بدون منازع لكن ذلك يتطلب اتخاذ عدة تدابير يمكن تلخيص أهمها في نظرنا فيما يلي:

    أولا: تقنين نظام الوساطة في نصوص واضحة ومفصلة خالية من الغموض وغير قابلة لعدة تأويلات ومن الأفضل الأخذ بنظام الوساطة القضائية بخصوص القضايا البسيطة، والقضايا التي يستفيد أصحابها من المساعدة القضائية إن لم يتطوع أحد الأطراف بتحمل مصاريف الوساطة في حين تخصص الوساطة الحرة للقضايا المهمة كقضايا الشركات والديون التجارية والمدنية الهامة وقضايا التأمين، وقضايا منازعات الشغل الجماعية، والقضايا الإدارية المتعلقة بالتعويض، ولعله من الأوفق النص على إمكانية إجراء الوساطة في كل القضايا ما عدا التي لها علاقة بالنظام العام ولا يقبل التصالح بشأنها كقضايا الجنسية والحالة المنية والنسب، وكل ما له علاقة بما هو خارج عن دائرة التعامل، ولعل من الضروري جعل الالتجاء إلى الوساطة اختياريا، مع وجوب الموافقة على طلب الإحالة عليها في حالة اتفاق الطرفين ما لم يكن موضوع النزاع من النوع الذي لا يجوز الصلح بشأنه، كما يستحسن ترك اختيار الوسيط الحر للأطراف، وأن لا يتدخل القاضي إلا في حالة عدم اتفاقهم أو كان اختيارهم غير مناسب لجهلهم بتخصص الوسيط المتفق عليه أو كان موضوع النزاع شائكا ويحتاج إلى وسيط كفء كما إذا تعلق الأمر بالملكية الفنية.

    وفيما يتعلق بالوسيط الذي هو أهم عنصر فاعل في نظام الوساطة فلابد من إيجاد عنصر كفء ومؤهل تأهيلا كافيا لهذه المهمة الخطيرة والدقيقة، كما يجب وضع شروط محددة ودقيقة، مع ضرورة تنظيم هذه المهنة وخاصة جانب المراقبة والتأديب منها، إذ من مقومات وضمان نجاح الوساطة وجود وسيط سواء تعلق الأمر بوسيط قضائي أو وسيط حر.

    ثانيا: من الأمور التي تشجع المدعى عليه على التمادي في اللدد في الخصومة وعدم المبالاة بالدعوى الموجهة ضده يقينه بطول المدة التي تستغرقها الدعوى في المرحلة الابتدائية والاستئنافية قبل أن يصبح الحكم قابلا للتنفيذ لذا يجب إدخال تعديلات على قانون المسطرة المدنية بالأخذ بنظام إدارة الدعوى، وخاصة تحديد أجل قصير ومناسب لتجهيز القضية للمناقشة والحكم، على أن لا يتجاوز عمر القضية بالمحكمة سنة واحدة ما لم يتعلق الأمر بقية شائكة أو معقدة، وينبغي عدم السماح بإجراء الوساطة إلا في مرحلة تهيئ الدعوى للمحاكمة إلا عند الضرورة خلافا لما عليه القانون الفرنسي الذي يسمح بالالتجاء إلى الوساطة ما لم تحجز القضية للمداولة وفي ذلك فتح مجال للتسويف والمماطلة خاصة وأن بإمكان الأطراف إجراء صلح خارج الدعوى للحكم فلابد من إحداث جزاءات مالية أو إجرائية ضد كل من تسبب في التأخير بدون مبرر ولو كان القاضي.

    ولاشك أن تهيئ الدعوى للحكم متوقف أولا وقبل كل شيء على إصلاح نظام التبليغ وإعداد جهاز كفء وحر يتولى القيام بهذه المهمة، والسماح بالاستفادة من تقنيات المواصلات الحديثة كالهاتف والفاكس والبريد الإلكتروني وذلك في حالات خاصة مع الأخذ بنظام التبليغ بين المحامين، لكن رغم ذلك ستبقى معضلة التبليغ قائمة إن لم يتم إحداث نص بتكليف المدعى أو الطاعن أو المستفيد من الإجراء بتبليغ خصمه وفق الطرق القانونية بنسخة من مقال الدعوى أو عريضة الطعن أو غيرهما وذلك داخل أجل معين تحت طائلة اعتبار الدعوى كأن لم تكن ما لم يتعذر عليه ذلك، وينبغي أن يشمل هذا الجزاء حتى إلغاء الحكم مع الإحالة مع ضرورة الإدلاء بطلب مواصلة الدعوى معفى من الرسم القضائي ولمعرفة أهمية وأثر البت بسرعة في القضايا على موقف المدعى عليه نشير إلى أن إحصائيات المحاكم التجارية ومحاكم الاستئناف التي تتراوح ما بين ستة أشهر في المتوسط وسنة في الحد الأقصى تفعيلا لمقتضيات المادة 16 من قانون إحداث المحاكم التجارية التي تحدد أجل تهيئ الدعوى من طرف المقرر في ثلاثة أشهر مما يضطر معه المحكوم عليه إلى الرضوخ للحكم اقتصادا في المصاريف القضائية وتكاليف الدعوى الاستئنافية فمثلا بالنسبة للمحكمة التجارية بالدار البيضاء وهي أكبر المحاكم التجارية بالمغرب من حيث عدد القضايا الرائجة فقد بلغ العدد المحكوم فيها خلال سنة 2000 ما مجموعه 21176 حكما، ويخص قضايا الموضوع وصعوبة المقاولة والمستعجلات، والأمر بالأداء في حين بلغ مجموع المستأنف من العدد والنوع المذكور 1826 حكما، أما المحكمة التجارية بأكادير فقد بلغ المحكوم بها في الموضوع خلال سنة 2000 كذلك 1323 استأنف منه فقط 184، أما بالنسبة للمحكمة التجارية بفاس فقد بلغ عدد المحكوم فيها خلال سنة 2000 ما مجموعه 5452 استأنف منه فقط 708 حكما.

    ثالثا: لاشك أن من دواعي البحث عن الحلول البديلة لفض النزاعات ما تستوجبه المحاكمة من مصاريف باهضة في الدول التي انطلقت منها تلك الحلول كالولايات المتحدة الأمريكية حيث تؤدي أتعاب المحامي في شكل مبلغ معين مقابل كل ساعة خصصها من وقته للقضية بالمحكمة، وبقدر ما تطول مدة المحاكمة بقدر ما يزداد مبلغ الأتعاب إلى أن يصل أحيانا إلى أضعاف قيمة الشيء المتنازع عليه، ومعلوم أن أتعاب المحاماة هناك تعد من المصاريف القضائية ويتحملها الطرف الخاسر للدعوى مدعيا كان أو مدعى عليه بحيث إذا خسر المدعي دعواه سيتحمل أتعاب دفاعه وأتعاب دفاع خصمه، أما في الوساطة التي تنتهي بالصلح فبالإضافة إلى أن الأطراف يتقاسمون مصاريفها فإن كل طرف يتحمل أتعاب دفاعه وبذلك تكون أقل كلفة من المحاكمة فضلا عن أنها لا تستغرق وقتا طويلا، لذا نرى من الضروري النص على اعتبار أتعاب المحامي من المصاريف القضائية لكي يتحملها خاسر الدعوى من الطرفين الأمر الذي سيعد حافزا للأطراف على الصلح ويمكن تحديدها في مبلغ جزافي إذا كانت قيمة موضوع النزاع غير محددة وفي نسبة معينة من قيمة المبلغ المحكوم به إذا كان موضوع النزاع قابلا للتحديد والتقويم على أن لا يقل عن المبلغ الجزافي مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية القضية وتعقيدها في كل نوع.

    رابعا: ينبغي إدخال تعديلات على القانون المنظم لمزاولة مهنة المحاماة بخصوص السماح للمحامي بممارسة مهنة الوساطة بصفة عرضية متى توفرت فيه الشروط المتطلبة في الوسيط دون اعتبار ذلك متنافيا مع مهنة المحاماة بشرط أن لا يكون نائبا لأحد الطرفين.

    كما ينبغي إحداث صندوق تساهم فيه كل الهيئات، ويمول كذلك بنسبة بسيطة من المصاريف القضائية يتكلف بأداء أتعاب المحامين في حد معقول مقابل نيابتهم عن المستفيدين من المساعدة القضائية في الحالة التي لم ينتج عن المسطرة استفادة مالية أو عينية للطرف المعني أو كان خاسر الدعوى هو المستفيد من المساعدة القضائية، وتقدر هذه الأتعاب من طرف جهة قضائية مختصة.

    وبهذه التدابير والحوافز يمكن تشجيع هيئات الدفاع للمساهمة في إنجاح نظام الوساطة ومشاركتهم فيها مشاركة فعالة.

    خامسا: يمكن تشجيع الأطراف كذلك على اللجوء إلى الوساطة بإعادة النظر في مبلغ المصاريف القضائية المؤدى عن القضايا القابلة للإجراء المذكور وذلك بأداء مبلغ جزافي معين بغض النظر عن المبلغ موضوع النزاع، ويستحسن تحديده في مبلغ 200 درهم بدل 150 استنادا إلى أن كل المتقاضين ستعمهم فوائد الوساطة، حيث سيتم تخفيض عدد القضايا التي تنتهي بالمحاكمة مما سيجعل المحكمة تبث فيها بسرعة وبعناية أكثر يقل أو ينتفي معها تسرب الأخطاء إلى الأحكام، أما إذا لم يتم الالتجاء إلى الوساطة أو انتهت بالفشل وجب أداء المصاريف القضائية كاملة بنسبة المبلغ المطلوب داخل أجل معين تحت طائلة عدم قبول الدعوى، وسواء كان الرافض لإجراء التصالح هذا الطرف أو ذلك فإن الذي سيتحمل المصاريف القضائية في الأخير هو خاسر الدعوى.

    المحور الثالث:مدى إمكانية تطبيق الوساطة قبل تدخل المشرع

    لما كان الهدف من نظام الوساطة هو إجراء الصلح بين الطرفين، فهل يمكن تطبيق هذا النظام دون انتظار تدخل المشرع؟ أم أن المنظومة القانونية المغربية لا تسمح بذلك؟

    مر بنا آنفا أن الصلح يحبذه ديننا الحنيف وخصص له الفقه الإسلامي جانبا كبيرا من اهتمامه ونظمه قانون الالتزامات والعقود، وحث عليه المشرع المغربي في أكثر من مناسبة بل أوجبه في قضايا معينة كنزاعات الشغل وحوادثه والأمراض المهنية والطلاق والقضايا الراجعة إلى اختصاص محاكم الجماعات والمقاطعات والنزاعات بين المتعاونين وغيرها، إذن لا شيء يمنع منذ الآن من تطبيق نظام التصالح ببلادنا في شكل الوساطة بل لا يوجد هناك نص يمنع المحكمة من الاستجابة لطلب مهلة لإجراء الصلح بين الطرفين في حالة اتفاقهما عليه كما لا يوجد هناك نص يمنعها من حث الأطراف على إجراء الصلح بين الطرفين في حالة اتفاقهما عليه كما لا يوجد هناك نص يمنعها من حث الأطراف على إجراء الصلح متى ظهرت بوادر نجاحه أو استعداد الأطراف لإجرائه كما أن القاضي المقرر أو المستشار المقرر يستطيع إصدار الأمر بإجراء البحث في النازلة ثم العمل خلال البحث على حث الأطراف على الصلح أو حتى اقتراح شكله دون تحيز أو ضغط لفائدة أو ضد طرف معين.

    لكن الذي ينقصنا في الحقيقة لإنجاح الوساطة الهادفة إلى التصالح في شكلها الحديث والتي تطرقنا إليها آنفا بنوع من التفصيل هو نشر ثقافة هذا النظام، واقتناع الأطراف بجواه ومشاركة هيئات الدفاع للعمل على إنجاحه ثم بصفة خاصة إيجاد مؤسسات أو أشخاص أكفاء ومؤهلين للقيام بمهمة الوساطة، فإذا اقتنع الأطراف بجدوى الوساطة وطلبوا من المحكمة مهلة لإنجاز الصلح فلاشك أنها سوف لن تمتنع، لكن ذلك يبقى بدون جدوى إذا لم توجد جهة أو جهات تتقن إجراءات وتقنيات هذا النظام وتكون على درجة عالية من الكفاءة في هذا الميدان ومما سيشجع الأطراف على اللجوء إلى الوساطة بالإضافة إلى كفاءة ومصداقية الوسطاء نسبة النجاح العالية من القضايا المعروضة على هذا النظام، إذن علينا جميعا بإيجاد مناخ صحي لاستقبال وإنجاح هذا المولود المنتظر منذ الآن والذي أعتقد أن مؤيديه أكثر من معارضيه إن وجد هؤلاء فعلا وينبغي أن نستفيد من تجربة الدول التي سبقتنا إلى الأخذ بنظام الوساطة وخاصة دولة الولايات المتحدة الأمريكية التي بلغت فيها نسبة النجاح ما بين 80 % و 95 % من نسبة القضايا المعروضة على الوساطة، و 80 % إلى 85 % من نسبة القضايا المعروضة على المحاكم خاصة في ولاية كاليفورنيا، كما عرف نجاحا مهما في دولة مصر الشقيقة التي أخذت به حديثا إذ بلغت 70 % في النزاعات القائمة بين الإدارة والمواطنين.

    ومعلوم أنه بدأ في السنوات الأخيرة إنشاء مراكز للتوفيق والتحكيم بكل من الرباط ومراكش برعاية الغرف التجارية والصناعية والخدمات تجعل من مهامها التوفيق بالإضافة إلى التحكيم وانخرط فيها رجال القانون والمحاسبة بصفة عامة والمحامون لصفة خاصة، كما توجد هناك غرفة دولية للتحكيم بالدار البيضاء، ويمكن الاستفادة من خدمات هذه المؤسسة في إنجاح نظام الوساطة في بدايتها قبل أن يتم تنظيم مهنة الوسطاء.

    والله ولي التوفيق

    الهوامش

    (1) أبو الوفاء أحمد، المرافعات المدنية والتجارية، طبعة 15 سنة 1990 ص 141.

    المصدر مجلة الرافعة