أدخل كلمة للبحث

جرائم العرض في القانون الجنائي المغربي والشريعة الإسلامية

جرائم العرض في القانون الجنائي المغربي والشريعة الإسلامية

    للأستاذ توفيق عبد العزيز نائب الوكيل العام للملك

    لدى محكمة الاستئناف بالدار البيضاء

    يقصد بجرائم العرض تلك الجرائم التي تخدش الحياء في الانسان وتمس بحيائه العرضي سواء وقعت عليه او وقع نظره عليها بدون رضاه.

    واذا كان من حق كل انسان ان يصون عرضه ويحفظ كرامته فقد تدخل المشرع لحماية هذا العرض وصون هذه الكرامة وسن عقوبات متفاوتة في الشدة لكل من سولت له نفسه ان يعبث بهذا العرض بل تدخل لحماية المجتمع حتى ولو لم يتضرر شخص معين بالذات كجرائم الفساد والشذوذ الجنسي.

    ونظرا لما لجرائم العرض او الجرائم المخلة بالاداب كما يحلو للبعض ان يسميها من اهمية وما تثيره من مشاكل وما بينها من تداخل وتشابه - حاولت ان أعالج هذا الموضوع بشيء من التفصيل مستدلا ببعض الاجتهادات مع مقارنة القانون المغربي ببعض التشريعات العربية كالقانون المصري والسوري لما بينهما وبين القانون المغربي من تشابه وارتباط، خاتما البحث بدراسة هذه الجرائم في الشريعة الاسلامية مبينا الفرق بينها وبين القانون الوضعي في هذا الصدد مع بيان امكان تطبيق الشريعة الاسلامية في هذا الميدان.

    ويمكن اجمال جرائم العرض في الجرائم الاتية :

    الاخلال العلني بالحياء، هتك العرض - الشذوذ الجنسي - الفساد - الخيانة الزوجية - الاغتصاب - وهي الجرائم المنصوص عليها على عقوبتها في الفرع السادس من الباب الثامن من القانون الجنائي تحت عنوان (في انتهاك الآداب).

    الإخلال العلني بالحياء -

    ينص الفصل 483 من القانون الجنائي المغربي على ان من ارتكب اخلالا علنيا بالحياء وذلك بالعرى المتعمد او بالبذاءة في الاشارات او الافعال يعاقب بالحبس من شهر واحد الى سنتين وبغرامة من مائة وعشرين الى خمسمائة درهم".

    ويعتبر اخلالا علنيا متى كان الفعل الذي كونه قد ارتكب بمحضر شخص او اكثر شاهدوا ذلك عفوا أو بمحضر قاصر دون الثامنة عشرة من عمره او في مكان قد تتطلع اليه انظار الجمهور" ومن التدقيق في هذا العصر يتبين ان اركان جريمة الاخلال العلني بالحياء ثلاثة :

    1) الركن المادي وهو كل فعل يرتكبه الجاني ويكون مخلا بالحياء.

    2) العلانية ولها نفس المعنى اللغوي وهي اهم ركن في الجريمة.

    3) الركن المعنوي النية الجرمية او خطا الجاني.

    1- الركن المادي :

    يتكون هذه الركن من أي فعل أو حركة او اشارة يقوم بها الجاني، ويكون من شانها خدش الحياء العام سواء استطال هذا الفعل على جسم انسان ما - بشرط الا يبلغ درجة جريمة هتك العرض - حتى ولو كان جسم الجاني نفسه أو لم يقع على جسم انسان ما، فالشخص الذي يقوم بكشف عورته في الشارع العمومي، او في مكان معرض لرؤية الجمهور، والشخص الذي يقبل امراة بكيفية تثير الغريزة الجنسية والشخص الذي يعقد احدى يديه ويدخل فيها وسطى اصابعه الاخرى او الراقصة التي تقوم برقصة هزة البطن بكيفية بذيئة والشخص الذي يقوم بحركات تثير فكرة التمازج الجنسي، كل هؤلاء يرتكبون جريمة الاخلال العلني بالحياء اما الاقوال مهما كانت فاحشة ما لم تصحب بحركات او اشارات، وكذلك الصور والرسوم مهما كانت فاضحة وفاحشة فانها لا تعدو ولا تكون جريمة الاخلال العلني بالحياء وانما تدخل في زمرة جرائم السب والقذف العلني وتعاقب حسب قانون حرية الصحافة فالشخص الذي يقوم في جمع عام او خاص ويتفوه باقوال في غاية البذاءة والفحش لا يكون مرتكبا لجريمة الاخلال العلني بالحياء ولكن يكون مرتكبا لجريمة السب العلني وكذلك من يقف على قارعة الطريق ويعترض سبيل النساء بالكلام الفاحش أو القول البذيء يكون مرتكبا لجريمة السب العلني أو لجريمة التحريض على الفساد اذا كان يقصد من وراء ذلك جلب اشخاص للفساد وكان دوره يقتصر على الوساطة فيه وقد اعتبرت محكمة النقض المصرية في حكم لها ان " توجيه المتهم للمجني عليها في الطريق العام الفاظا تخدشها في شرفها اعتبارها وتجرح كرامتها يعد سبا من" (1).

    ومن أمثلة جرائم الاخلال العلني بالحياء تقبيل امراة في مكان عمومي او لمس يدها او ذراعها او عنقها او ثديها بكيفية يكون من شان اثارة الغريزة الجنسية سواء كان هذا الفعل في حد ذاته مشروعا ام لا فالشخص الذي يقبل زوجته او الزوجة التي تقبل زوجها او الزوج الذي يلمس زوجته في مكان من اماكن اثارة الغريزة الجنسية من جسدها يكون قد قام بعمل مشروع يقره القانون والشرع والعرف وكل من قام بنفس الاعمال السابقة مع امراة لا تربطه معها علاقة الزواج يكون قد قام بعمل غير مشروع ولكن كلا من العملين سواء كان مشروعا او غير مشروع اذا ارتكب في مكان عام او معرض لرؤية الجمهور او بحضور قاصر يقل عمره عن 18 سنة يعد مخالفا للاداب العامة وبالتالي يكون جريمة الاخلال العلني بالحياء لان الاخلاق العامة والتقاليد تدعو الى التستر عند القيام بهذه الاعمال.

    الأخلاق العامة :

    الاخلاق العامة هي مجموعة القواعد والاعراف التي يلتزم الناس في مكان معين وزمان معين باتباعها والتقيد بها والسير وفقها وهي تختلف باختلاف الازمنة والامكنة والمجتمعات فما كان في الماضي يعد عملا مخلا بالحياء لم يعد اليوم كذلك وما يعد مخلا بالحياء في الدول الاسلامية لا يعد كذلك في الدول غير الاسلامية وما يعد مخلا بالاداب في البادية والارياف لا يعد كذلك في المدن، كما ان ما يعد عورة في جسم المراة لا يعد عورة في جسم الرجل فالرجل يكشف صدره او بطنه ولا يعد ما قام به مخلا بالحياء بينما اذا فعلت المراة ذلك تكون قد ارتكبت عملا مخلا بالحياء. والشخص ذكرا كان او انثى - الذي يلبس ملابس شاطئ البحر ويجول بها في الشوارع يكون قد ارتكب عملا مخلا بالحياء بينما لا يعد كذلك في شاطئ البحر.

    فالإخلال العلني بالحياء اذن مسالة نسبية على القاضي ان يستقيها من المحيط الذي وقعت فيه الجريمة لا من تصور من وقعت عليه وشعوره (2) ولا يكتفي القاضي في حكمه بان يقول ان المتهم ارتكب عملا مخلا بالحياء بل عليه ان يتبين الافعال التي ارتكبها بكل تحديد الا كان حكمه معرضا للإبطال.

    وعلى العموم فان كل عمل او حركة او اشارة من شانها اثارة الغريزة الجنسية او اثارة فكرة التمازج الجنسي سواء وقعت على شخص برضاه او وقعت على الجاني نفسه لان المشرع لم يرد من تجريم هذا الفعل حماية شخص معين بالذات جرائم العرض او الاغتصاب، وانما اراد حماية الشعور العام من رؤية الفاعل آو حركات او إشارات تخدش حياءه تعد عملا مخلا بالحياء.

    2- الركن الثاني :

    العلانية : ينص الفصل اعلاه على ان من "ارتكب اخلالا علنيا بالحياء" والمقصود بالعلانية هنا معناها اللغوي وهو اتيان فعل آو حركة او اشارة في مكان عام او معرض لرؤية العموم، والعلانية اهم ركن في جريمة الاخلال العلني بالحياء ذلك ان المشرع كما مر معنا اعلاه، لم يقصد بتجريم هذا الفعل حماية شخص معين من الناس وانما قصد الى حماية الشعور العام، لما يحدثه هذا الفعل من جرح في الشعور الاخلاقي وحماية الناس من ان تقع ابصارهم على مناظر بذيئة لا يرغبون في رؤيتها فاذا ما ارتكب شخص فعلا من الافعال المخلة بالحياء في مكان خاص او بعيد عن أعين الناس فان ركن العلانية لا يتوفر وبالتالي لا يقع تحت طائلة الفصل 483 اعلاه والمشرع المغربي - خلافا للمشرع المصري(3)- اوضح العناصر اللازمة لتكوين ركن العلانية في جريمة الاخلال العلني بالحياء وذلك بقوله في الفصل 483 …" يعتبر الاخلال علنيا متى كان الفعل الذي كونه قد ارتكب بمحضر شخص او اكثر شاهدوا وذلك عفوا او بمحضر قاصر دون الثامنة عشرة من عمره او في مكان قد تتطلع اليه انظار العموم" وبناء على ما ورد في هذه الفقرة يمكن تقسيم الاماكن الي تتوفر فيها العلانية المطلوبة لقيام هذه الجريمة الى :

    أ‌- المكان العام

    ب‌- المكان المطروق

    ج‌- المكان الخاص المعرض للانظار

    د‌- المكان الذي يوجد فيه قاصر.

    أ‌- المكان العام :

    هو المكان المفتوح للجمهور يدخله من يشاء وأنى شاء ومتى شاء كالطرق العامة والقناطر والحدائق العامة ولا فرق بين ان يكون دخولها مجانا كالشوارع والازقة او بمقابل كالمسارح والمقاهي ويمكن تقسيم المكان العام الى:

    مكان عام بطبيعته.

    مكان عام بالتخصيص.

    مكان عام بالمصادقة.

    فالمكان العمومي بطبيعته هو المكان المفتوح لجمهور الناس يدخلونه متى شاءوا وأنى شاءوا كالشوارع والحدائق والساحات العمومية والازقة والمنتزهات والملاعب الرياضية فاذا ما ارتكب شخص فعلا مخلا بالحياء في مكان من هذه الاماكن يكون قد ارتكب جريمة الاخلال العلني بالحياء لتوافر ركن العلانية حتى ولو ارتكب هذا الفعل ليلا، ذلك ان هذه الاماكن تطرق في كل وقت وهي بطبيعتها معرضة لمرور الجمهور منها في أي وقت.

    والمكان العمومي بالتخصيص هو المكان المباح دخوله لكل شخص اراد وذلك اما بمقابل واما بشروط خاصة او مجانا ولكنه اقل تعرضا للجمهور من النوع الاول ولا يباح دخوله عادة الا في اوقات كالمساجد والمسارح والمقاهي والمدارس والمطاعم وسيارات النقل العمومي وعربات القطار والمؤسسات العمومية كمكاتب البريد وقاعات المحاكمات والمكاتب الإدارية بشرط ان يقع فيها الفعل المخل بالحياء في وقت تكون فيه ابوابها مفتوحة وتستقبل العموم اما اذا وقع فعل مخل بالحياء في مكان من هذه الاماكن ليلا او في وقت كانت ابوابها مقفلة وليس بها احد غير الفاعل والضحية الذي وقع عليه الفعل او الفاعل وحده ان أوقع الفعل على نفسه كالعرى مثلا، فان ركن العلانية لا يتوفر بالتالي فان الفاعل يكون بمنجي من العقاب المنصوص عليه في الفصل 483 المذكور اعلاه. وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية الى ان الفعل المنافي للحياء المقترف من مدرس ابتدائي على احد طلاب المدرسة في غرفة من غرف الدراسة يفقد صفة العلانية اذا وقع بعد وقت الدراسة وفي وقت غياب أي شاهد ومع اتخاذ احتياطات خاصة بمنع رؤيته وذلك لان المدرسة تفقد صفة العلانية منذ الوقت الذي تغلق ابوابها دون طلابها " (4)

    والامكنة العمومية بالمصادقة هي اماكن خاصة مقتصرة على افراد معينين اختياريا كالنوادي والدكاكين والمخازن واجباريا كالسجون. فهذه الاماكن تكون خاصة بمن خصصت لهم او بمن انشاها الا ان وجود الجمهور ولو بمجرد الصدفة هو الذي يعطيها صفة العلانية فاذا ما ارتكب شخص عملا مخلا بالحياء في وقت يكون فيه الجمهور موجودا في هذه الامكنة فان ركن العلانية يتوفر وبالتالي يقع الفاعل تحت طائلة الفصل 483 اعلاه والمقصود بالجمهور عدد من الناس حتى ولو كن شخصا واحدا غير الفاعل فاذا ما ارتكب سجين عملا مخلا بالحياء في السجن ورآه أو امكن ان يراه سجين آخر أو احد حراس السجن ولو ليلا فانه يعد مرتكبا لجريمة الاخلال العلني بالحياء ومن الاماكن العمومية بالمصادقة المصاعد والسلالم المتركة وممرات العمارات ودهاليزها -.

    ب‌- المكان المطروق :

    هو مكان عام الا انه اقل تعرضا لغشيان الناس له من المكان العام كالشواطئ في غير فصل الصيف او الصحاري او الاماكن النائية عن العمران او قمم الجبال و الحدائق في فصل الشتاء فهذه اماكن يطرقها الناس متى أرادوا ولكن هناك اوقات تكاد تكون فيها خالية من الناس فاذا ما ارتكب شخص فعلا مخلا بالحياء في مكان من هذه الاماكن وقع تحت طائلة الفصل 483 المذكور اعلاه لتوفر ركن العلانية في فعله سواء كان فيه احد أم لم يكن، لإمكان وجود الناس في أي وقت (5).

    ج‌- المكان الخاص المعرض للأنظار :

    المكان الخاص المعرض للأنظار هو المكان الخصوصي اما لفرد واحد واما لمجموعة افراد لا يتعداهم الى غيرهم كالمنازل والسيارات الخاصة والنوادي المغلقة فهذه اماكن خاصة لا تتوفر فيها العلانية المطلوبة في الفصل 483 اعلاه الا انها قد تتعرض لانظار الجمهور فتكتسي بذلك صفة العلانية (6) كالمنزل الذي يترك صاحبه نوافذه المطلة على الشارع او زقاق او على منازل اخرى مفتوحة وكالنادي الذي يترك بابه او نوافذه مفتوحة فيستطيع الجمهور رؤية ما يجري بداخله دون عائق، اما إذا تسلق المشاهد جدارا او سلما او فتح نافدة احكم اغلاقها ليرى ما يجري في الداخل فان ركن العلانية لا يتوفر لان رؤية ما يجري في الداخل لم تأت عن عمل الفاعل وانما من عمل المشاهد، ولان المشرع من جهة اخرى حمى شعور الذين تجرحهم المناظر المخلة بالحياء دون رضا منهم أما الذين يسعون الى رؤية هذه المناظر فانهم يعدون مشاركين في ارتكاب هذا الفعل، بالتالي فان المشرع لم يتدخل لحمايتهم وهكذا مثلا اذا دخل شخص اختياريا لناد من نوادي العراة فانه لا يقبل منه الإدعاء بان شعوره الاخلاقي قد جرح لانه هو الذي ذهب الى هذا النادي وهو يعلم ما يجري فيه وذلك لا يعد إخلالا بالحياء العمل الذي يرتكبه شخص في حقل بعيد عن المساكن وعن الطريق العمومي ومحاط من جميع الجهات بحقول اخرى مملوكة لمقترف الجرم.

    متى ثبت انه لم يتمكن من مشاهدته سوى شاهد واحد دخل بدون حق في ملك المتهم وافسد عليه ما اتخذه من احتياطات وكذلك السيارات الخاصة .

    د‌- المكان الذي يوجد فيه قاصر

    ألحق المشرع المغربي المكان الذي يوجد فيه قاصر دون الثامنة عشرة حتى ولو كان خاصا بالمكان العام وذلك حماية للناشئة من الانحلال الخلقي والانحراف بل حتى ولو كان الفاعل أبا او أما لهذه القاصر، اذن كل من ارتكب عملا مخلا بالحياء بحضور قاصر دون الثامنة عشرة يعد مرتكبا لجريمة الاخلال العلني بالحياء وبالتالي يقع تحت طائلة الفصل483 المذكور اعلاه سواء وقع الفعل على القاصر او على الفاعل نفسه او على شخص اخر ما دام الفعل، وقع بحضور القاصر. لكن ما الحكم اذا وقع الفعل الجنائي بحضور قاصر حضر عن اختيار وعلم الى المكان الذي وقعت فيه الجريمة ؟ الحقيقة ان المشرع اعتبر الشخص الذي حضر آو شاهد الفعل المخل بالحياء عن طيب خاطر غير جدير بالحماية كما يدل على ذلك عندما عبر بكلمة عفوا الواردة في الفصل 483 المذكور فان المشرع حماية منه للقاصرين اعتبر رضاهم كعدمه ولم يعتد بهذا الرضى، والحق المكان الخاص الذي وقع فيه الفعل المخل بالحياء بحضور قاصر بالمكان العام لتوفر العلانية فيه بحضور القاصر، لكن هل يعد مرتكبا لجريمة الاخلال العلني بالحياء من ارتكب فعلا شائنا بحضور شخص أعمى آو أصم ؟ لا شك ان احد هاذين الشخصين الأعمى او الأصم اذا كان جسمه هو الذي تعرض للفعل الشائن كمن يمس عورة أحدهما لو يضع يد أحدهما على ذكر الفاعل مثلا او يضع يده على نهد امرأة عمياء او صماء فان الجريمة تعد قائمة وبالتالي يقع الفاعل تحت طائلة الفصل 483 أعلاه لكن اذا وقع بمحضر أحدهما فلا جدال في رؤية الأصم.

    تعتبر كرؤية المبصر ما دام المقصود هو رؤية الاشارات او الحركات او الافعال لكن بالنسبة للاعمى إذا كان الفعل الذي قام به الفاعل لا يدع شكا في كون الفعل المخل بالحياء ارتكب فان الجريمة تعد قائمة كمن يقبل امرأة بشهوة او يقوم بحركات ويتفوه بالفاظ غزلية تخدش حياء الاعمى فان الجريمة تعد - مرتكبة قد ذهبت محكمة النقض الفرنسية الى ان " الفعل الفاضح يكتسب العلانية حتى ولو كان الشاهد الوحيد له لم يشاهد ببصره متى كان وجوده معروفا لمرتكبي الفعل وكان الفاعلان لم يعملا على اخفاء امرهما بل انه بالأقوال التي تفوها بها وبالأصوات المتقطعة التي خرجت قد وقف الشاهد على طبيعة الافعال المخلة بالحياء المغايرة للآداب التي اقترفت في حظيرته بحيث تأثرت منها عاطفة الحياء لديه(8) كما ذهبت محكمة النقض المصرية في تعريفها للفعل الفاضح بانه ذلك الفعل العمد المخل بالحياء الذي يخدش في المرء حياء العين والإذن ليس إلا" - بمعنى انه لا تستلزم العلانية رؤية الشهود للفعل فمجرد السماع يكفي للدلالة على العلانية في الفعل الفاضح إذا أمكن سماع الحركات التي تدل عليه.

    الركن الثالث : القصد الجنائي :

    لا ضرورة في قيام الإخلال العلني بالحياء لوجود القصد الجنائي بل يكفي ارادة الفاعل ارتكابه الفعل وعلمه بانه فعله مخل بالحياء لذلك فان مجرد إهمال الفاعل يعد كافيا لتوفر الركن المادي أي القصد الجنائي وهكذا مثلا من قام بفعل مخل بالحياء في مكان خاص ولكنه ترك النوافذ التي تطل على الشارع العمومي او مكان عام او حتى على منزل اخر مفتوحة او أغلقها بكيفية لم تستر ما يقع في الداخل فانه يعد مرتكبا لجريمة الاخلال العلني بالحياء ولو لم يقصد إيذاء الشعور العام. وقد قضت محكمة المصرية بان من يدخل دكان حلاق ويتبول في الحوض الموجود به فيعرض نفسه بغير مقتضى للانظار بحالته المنافية للحياء يتوافر في حقه القصد الجنائي في جريمة الفعل الفاضح العلني (9).

    لكن اذا كان العرى مثلا غير إرادي كمن تعدى عليه اللصوص فسرقوا لباسه وتركوه عاريا أو من اشتعلت النار في ملابسه فاضطر لخلعها حماية لنفسه من الحريق، او من كان في نزاع مع شخص اخر فمزق له ملابسه بكيفية انكشفت معها عورته او من كان في سباق او ساحة رياضية فسقط سرواله او تمزق.

    وهكذا في كل حالة يكون فيها العري غير اختياري فان الركن المعنوي لا يتوفر، وبالتالي فان جريمة الاخلال العلني بالحياء تكون غير قائمة.

    ويكون مرتكبا لجريمة الإخلال العلني بالحياء من قام بعمله المخل بالحياء دون احتياطي او دون تبصر، كمن يرتكب عملا شائنا في مكان محتمل الرؤية من الغير كحقل غير مستور او مكان مقفر او ساحل نهر. لان هذه أماكن عامة كما تقدم أعلاه.

    الفرع الثاني : هتك العرض

    تمهيد : لم يعرف المشرع المغربي - كما فعل قبله المشرع الفرنسي والسوري والمصري - جريمة هتك العرض وانما ترك تعريفها وتقديرها للفقه والقضاء، وحسنا فعل، ولان الافعال التي تكون جريمة هتك العرض كثيرة ومطاطة ويصعب ان لم يستحيل تعدادها وحصرها بالاضافة الى انها أي الافعال المكونة الجريمة هتك العرض باعتبارها من الجرائم المخلة بالاداب العامة تختلف زمنا ومكانا كما مر معنا في جريمة الاخلال العلني بالحياء لذلك اكتفى المشرع بذكر الجريمة وعقوبتها وبيان اركانها.

    فقد نص الفصل 484 من القانون الجنائي على " انه يعاقب بالحبس من سنتين الى خمس من هتك بدون عنف او حاول هتك عرض قاصر يقل عمره عن خمس عشرة سنة، سواء كان ذكرا او انثى".

    ونص الفصل 485 من نفس القانون على انه " يعاقب بالسجن من خمس الى عشر سنوات من هتك او حاول هتك عرض شخص ذكرا كان ام انثى مع استعمال العنف".

    فاذا كان المجني عليه قاصرا يقل عمره عن خمس عشرة سنة يعاقب الجاني بالسجن من عشر الى عشرين سنة".

    وشدد المشرع عقوبة هتك العرض في الفصلين 487 و488 من نفس القانون فرفع عقوبة السجن المحدد الى نهايتها وهي 30 سنة.

    ومن التدقيق في الفصل 485 اعلاه يبين انه اضاف الى العنصرين الاساسيين الفعل المادي والقصد الجنائي، عنصرا اخر هو العنف ستقسم هذه الجريمة عند دراستنا لها الى ثلاثة فصول:

    الفصل الاول : هتك العرض البسيط

    الفصل الثاني : هتك العرض المشدد

    الفصل الثالث : الشروع في جريمة هتك العرض.

    الفصل الاول : هتك العرض البسيط

    تكون جريمة هتك العرض بسيطة اذا لم يصاحبها عنف او ما دخل في معناه من التهديد او المباغة كما سنرى عند دراستنا لجريمة هتك العرض المشددة لكن بشرط ان يكون سن الضحية اقل من خمس عشرة سنة كان المجني عليه ذكرا او انثى وسواء ايضا كان الفاعل ذكرا او انثى لان جريمة هتك العرض ترتكب من طرف الذكر كما تركب من طرف الانثى " ومن التدقيق في الفصل 484 اعلاه يبين ان اركان الجريمة ثلاثة : 1) فعل مادي 2) القصد الجنائي 3) سن المجني عليه -

    المبحث الاول - الركن المادي:

    يتكون الركن المادي في جريمة هتك العرض من كل فعل مناف للاداب يقع عمدا على جسم المجني عليه او على مكان من جسمه يعد عورة بكيفية تخجل المجني عليه والملاحظ ان جنحة الاخلال العلني بالحياء تتكون من فعل مناف للاداب يقع على شخص او على الجاني نفسه بينما جريمة هتك العرض لا تقع - الا على شخص غير الجاني وتكون من القبح والبذاءة بمكان، اذن فكل جريمة هتك العرض تحتوي ضمنها على جريمة الاخلال العلني بالحياء.

    ويعتبر من قبل هتك العرض اخذ صبي ووضعه فوق العضو التناسلي ولو لم يقع ايلاج، وكذلك ضم امراة وتقبيلها، وتمزيق ثياب شخص ذكرا كان او انثى وكشف عورته، ولو لم يصاحب هذا الفعل اية ملامسة لجسم المجني عليه، وكذلك قرص عجز المراة وقرص نهديها ولو من فوق الثياب وضع العضو التناسلي في يد شخص او مكان من جسمه يعد عورة حتى ولو لم تقع الملامسة، وعلى الجملة فان جريمة هتك العرض تتكون من كل فعل فاحش مخل بالحياء يقع على جسم انسان، وقد جاء في حكم لمحكمة النقض المصرية " ان حصر الحالات التي يصرح ان تندرج تحت جريمة هتك العرض والقول بان ما عداها خارج عن الجريمة المذكورة انما هو مبدا جنائي تناولت فيه المحكمة هتك العرض من ناحيتها الاكثر وقوعا تلك الناحية التي يقع فيها المساس بجزء من جسم المجني عليه يدخل عرفا في حكم العورات وقطعت المحكمة بان مثل هذا المساس يجب حتما وفي كل الاحوال ان يعد من قبيل هتك العرض لما فيه الاخلال بالحياء المجني عليه العرضي، وظاهرا ان هذا لا يفيد ان افعال هتك العرض محصورة في هذه الناحية او ان \الجريمة لا يتصور وقوعها على هذا النوع بل قد يتصور للعقل في احوال قد تكون في ذاتها نادرة او قليلة الوقوع امكان الاخلال بحياء المجني عليه العرضي بافعال لا تصيب من جسمه موضعا يعد عورة ولا يجوز مع ذلك التردد في اعتبارها من قبيل هتك العرض، نظرا لمبلغ ما يصاحبها من فحش ولانها من ناحية اخرى اصابت جسم المجني عليه فخدشت حياءه العرضي وان لم يقع المساس فيها بشيء من عوراته كما لو وضع الجاني عضوه التناسلي في يد المجني عليه او في فمه او في جزء اخر من جسمه لا يعد عورة وهذه الافعال ونظائرها لا يمكن ان يشك في انها من قبيل هتك العرض وكل ذلك مما ينبغي ان يبقى خاضعا لتقدير المحكمة اذ من المتعذر ان لم يكن من المستحيل حصره في نطاق واحد واخضاعه لقاعدة واحدة (10)".

    فجريمة هتك العرض اذن تتكون من أي فعل مخل بالحياء يقع على جسم انسان ويخدش عاطفة الحياء عنده حتى وان لم يترك اثرا في جسم المجني عليه، ولا يشترط في جريمة هتك العرض ان تتم المباشرة الجنسية لذلك فان الشخص العنين اذا اخذ شخصا ووضع عضوه التناسلي على عورته فانه يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض.

    وجريمة هتك العرض كجريمة الاخلال العلني بالحياء تقع من الرجل كما تقع من المراة فالمراة التي تمزق ثياب مراة قصدا حتى تكشف عورتها او ثياب رجل حتى تكشف عورته، تعد مرتكبة لجريمة هتك العرض وكذلك المراة التي تطوق رجلا وتقبله او تاخذ طفلا وتضع عضوه التناسلي على عورتها تعد مرتكبة جريمة هتك العرض وكذلك من يدخل اصبعه في عورة رجل او امراة ولو من فوق الثياب يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض.

    المبحث الثاني: القصد الجنائي

    جريمة هتك العرض جريمة عمدية أي لابد لقيامها من ان يتوفر القصد الخاص لدى الفاعل أي انه يريد ان يهتك عرض شخص اخر بقطع النظر عن الدافع الى ذلك او هو الدافع الجنائي او حب الانتقام، او مجرد السخرية من المجني عليه ام اذلاله ام مجرد حب الاستطلاع؟ لذلك لا عقاب على من التصق بامرة عفوا في مكان مزدحم بالناس كوسائل النقل العام ولا على من سقط فجأة فحاول التمسك بامراة كانت بجواره، فمزق ثيابها الى ان بدت عورتها، وكذلك لا عقاب على من تشاجر مع اخر وتماسكا بالاطواق الى ان مزق ثيابه وكشفت عورته كل الحالات لا عقاب عليها لتخلف الركن المعنوي وهو القصد الجنائي الذي يعاقب المشرع عليه.

    المبحث الثالث : سن المجني عليه

    لا تتوفر جريمة هتك العرض البسيط الا اذا كان سن المجني عليه خمس عشرة سنة فاقل، ذلك ان المشرع حمى الاحداث من الانحراف الخلقي واعتبر سن 15 سنة فاقل قرينة قاطعة على عدم رضاهم وجعل مسؤولية ارتكاب جريمة هتك العرض على عاتق الفاعل وحده، هذا ما لم يصاحب الجريمة عنف او اكراه حيث تنقلب الى جريمة هتك العرض مشددة.

    والعبرة في تحديد سن الضحية بتاريخ ازدياده الحقيقي لا بما قدره الجاني. لذلك لا يعتد بادعاء مرتكب جريمة هتك العرض ضد قاصر يقل عمره عن 15 سنة ان المجني عليه اخبره بان سنه اكثر من 15 سنة او بانه ظن ان سن الجاني عليه اكثر من 15 سنة لما يتوفر عليه الضحية من بنية قوية وطول القامة كما ان العبرة بسن المجني عليه ترجع الى يوم ارتكاب الفعل لا يوم تقديم المتهم ولا يوم محاكمته.

    وسن المجني عليه ركن من اركان جريمة هتك العرض البسيط، لذلك لا من النص عليه في الحكم والا كان معرضا للنقض اذ ان سن المجني عليه هو الذي يكون جريمة هتك العرض (11) والا اعتبر الفعل جريمة اخرى غير جريمة هتك العرض البسيط، فاذا وقعت جريمة هتك العرض بين - شخصين راشدين وبدون عنف فانه يكون جريمة الشذوذ بالجنسي اذا كان معا من جنس واحد واما جريمة الفساد اذا كانا من جنسين مختلفين، وهكذا ترى ان سن المجني عليه هو الذي - يكيف هذه الجريمة بجريمة هتك العرض البسيط ام لا.

    والملاحظ ان القانون الجنائي المصري رفع سن الضحية في جريمة هتك العرض البسيط الى ثماني عشرة سنة كاملة ( الفصل 26) من قانون العقوبات.

    الفصل الثاني : هتك العرض المشدد

    من التدقيق في الفصل 485 اعلاه يتبين انه شدد عقوبة جريمة هتك العرض وجعلها جناية وذلك بادخال عنصر جديد هو العنف، ثم اضرب في الفقرة الثانية من نفس الفصل ظرف تشديد اخر هو سن المجني عليه اذا لم يتم 15 سنة كاملة من عمره، ثم شدد العقوبة في الفصلين 487 و488 من نفس القانون لذلك سندرس عناصر جريمة هتك العرض المشددة كما فعلنا في دراسة هتك العرض البسيط، وذلك بالبحث في عناصر الجريمة ثم التشديد الواردة عليها وسنخصص مبحثين الاول: لاركان الجريمة والثاني: لظروف التشديد.

    المبحث الاول: اركان جريمة هتك العرض المشدد

    مر معنا ان اركان جريمة هتك العرض البسيط ثلاثة وهي الفعل المادي والقصد الجنائي وسن المجني عليه والملاحظ ان الركنين الاولين، ركنان في جريمة هتك العرض من حيث هي سواء كانت بسيطة ام مشددة، لذلك سنكتفي بما قلناه عنها في جريمة هتك العرض البسيط وندرس الركن الجديد وهو العنف ثم نتطرق الى سن المجني عليه الذي يعد في جريمة هتك العرض المشددة مجرد طرف تشديد يرفع العقوبة من عشر سنوات الى عشرين سنة ثم الى تشديد العقوبة في حالة حدوث افتضاض او بالنظر الى صفة الجاني او عدده.

    المبحث الاول : العنف

    لم يعرف المشرع المغربي العنف، وانما ترك تعريفه للفقه والقضاء لذلك يمكن ان نعرف العنف بانه كل ضغط غير مشروع يقع على شخص لحمله على القيام بعمل لا يرضاه، والضغط يمكن ان يكون ماديا كما يمكن ان يكون معنويا، فكل الافعال التي تقع على شخص ذكرا كان او انثى من شانها ان تزيل رضاه تعتبر عنفا. فهكذا يكون قد ارتكب جريمة هتك العرض بالعنف من اخذ شخصا ذكرا كان او انثى وازال ثيابه بقوة وهتك عرضه ولا يشترط في العنف ان يحدث اثرا كالعنف المنصوص عليه في الفصل 400 من القانون الجنائي (12) بل يكفي ان تكون اثار العنف والاكراه بادية على حالة الضحية حتى لو لم ينتج عنه عجز مؤقت عن الاشغال الشخصية كما يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض بالعنف من هتك عرض شخص وهو نائم. اذ في حالة النوم تنتفي ارادة النائم ولا يمكن ان يقال بان الجاني لم يرتكب مع المجني عليه عنفا كما يعد مرتكب جريمة هتك العرض(13) بالعنف الطبيب او الممرض او أي شخص يعطي للمجني عليه منوما او مخدرا سواء كان بالحقن او بالشرب، ويقوم بهتك عرضه، لان في حالة التنويم او التخدير يفقد المخدر او المنوم حتى سيطرته على جسده وبالتالي تنتفي ارادته وكذلك يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض بالعنف من تناول مع المجني عليه مخدرا ولو بمحض ارادتهما معا، وكانا يعلمان ان الماكول او المشروب يخدر اذا خدر المجني عليه قام الجاني وهتك عرضه ولا عبرة بكون المجني عليه تناول المخدر بمحض ارادته لانه اراد التخدير ولم يرد هتك عرضه.

    كما يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض بالعنف من اوهم امراة انه طبيب فكشفت عن موضع العفة منها وادخل فيه اصبعه موهما اياها بانه يفحصها ذلك ان هذا الوهم وهذا الخداع من الجاني افقد المراة ارادتها ولو علمت حقيقة الجاني لما رضيت بان تقع عليها الجريمة كذلك يعد مرتكبا لجريمة هتك العرض بالعنف من اغتنم فرصة غياب الزوج ليلا ودخل سرير زوجته فاوهمها وهي نائمة بانه زوجها وتمكن من هتك عرضها ولا يقتصر العنف على الاكراه بالقوة بل حتى بالتهديد سواء كان تهديدا ماديا او معنويا كمن يطلب من شخص ان يسمح له بهتك عرضه وهو يحمل في يده مسدسا او سكينا او أي تهديد من شانه ان يضعف مقاومة المجني عليه او عليها وان يضطر للاستسلام لمطالب الجاني وكذلك من يطلب امراة ان تسمح له بهتك عرضها - مع ملاحظة ان هتك العرض بالنسبة للمراة يتكون من سائر الافعال الفاحشة كما تقدم اعلاه وتشمل الاتصال بها جنسيا من الخلف اما الاتصال بها من الامام فلا يعد جريمة هتك العرض كما سنعرض له عند دراستنا لجريمة الاغتصاب - والا خطف ابنها او تعرض له بشر او تعرض لاحد اقاربها بضرر كبير. ويشترط ان يكون التهديد حالا وحقيقيا ويترك في نفس المجني عليه اثرا يزيل ارادته ويفقده القدرة على الاختيار او المقاومة.

    والمقصود بالعنف كما مر، كل عمل سواء وقع بالاكراه او بالتهديد او الحيلة يفقد المجني عليه ارادته. وقد نص المشرع في الفصل 268 من قانون العقوبات على ان " كل هتك عرض انسان بالقوة او بالتهديد او شرع في ذلك يعاقب بالاشغال الشاقة من ثلاثة سنين الى سبع …."

    ومن الملاحظ ان المشرع المصري استعمل كلمتي القوة والتهديد وهما في نظري يعادلان كلمة " عنف" التي استعملها المشرع المغربي، ذلك ان العنف كما مر معنا يشمل الاقوال والافعال التي تؤثر في نفس المجني عليه، وتزيل ارادته او تفقده بصفة عامة حق الاختيار، وقد اعتبر القضاء المصري الخديعة كالقوة لانها تزيل رضا الضحية فقد قضت محكمة النقض المصرية بانه " متى ثبت ان المجني عليها قد انخدعت بمظاهر الجاني فاعتقدت انه طبيب فسلمت بوقوع الفعل عليها ولم تكن لترضى به لولا هذه المظاهر فان هذا يكفي للقول بان المجني عليها لم تكن راضية بما وقع من المتهم ويتوافر فيه ركن القوة (14)". وقضت أيضا "بان جريمة هتك العرض اذا وقعت على شخص نائم تعتبر بالقوة لان النوم معدم لرضائه خصوصا اذا ظهر منه عند يقظته ما يدل على عدم الرضا (15)" وجاء في حكم اخر لنفس المحكمة " يعد هتك العرض بقوة دخول الرجل في سرير امراة بظروف تجعلها تظنه زوجها (16)".

    المبحث الثاني : سن الضحية

    راينا فيما سبق ان سن الضحية يكون ركنا من جريمة هتك العرض البسيط أي عندما تكون جنحة ويقابل هذا الركن ركن العنف في جريمة هتك العرض المشددة او عندما تكون جناية وندرس الان ظروف تشديد جناية هتك العرض وهي الظروف التي تؤثر في الجريمة ولا تكون ركنا من اركانها الذي تنعدم بانعدامه كما مر معنا ولكنها تشدد العقوبة فقط ومنها سن الضحية فقد نص الفصل 485 من القانون الجنائي في فقرته الاخيرة على انه " اذا كان المجني عليه قاصرا يقل عمره عن خمس عشرة سنة يعاقب الجاني بالسجن من عشر الى عشرين سنة".

    ولقد مر معنا في جريمة هتك العرض البسيط ان المجني عليه اذا كان قاصرا ووقعت عليه جريمة هتك العرض دون عنف فان الجاني يكون تحت طائلة الفصل 484 من ق م ج أي العقوبة المقررة تتراوح ما بين سنتين و5 سنوات - واعتبر المشرع رضى المجني عليه القاصر غير معف للجاني من العقاب وزيادة في حماية القاصرين من ان يقعوا ضحايا للشذوذ الجنسي، وصونا لاخلاقهم من الانحراف، شدد المشرع عقوبة الجاني اذا ما استعمل العنف ضد قاصر يقل عمره عن 15 سنة ولا نعيد دارسة العنف مرة اخرى بل نكتفي بما قلنا عند دراستنا للعنف كركن من اركان جريمة هتك العرض.

    المبحث الثالث : حدوث افتضاض عند المجني عليها نتيجة هتك عرضها

    الافتضاض هو تمزيق غشاء البكارة او احدث ثقب كبير فيه تزيل عن الانثى صفة البكارة نتيجة الضغط عليه بجسم صلب والافتضاض في جريمة هتك العرض لا يكون بالعضو التناسلي للرجل لان الغشاء لا يمزق او يثقب الا بعد ولج جزء من عضو التذكير، وفي هذه العملية أي عملية الولوج ولو جزئيا، نكون امام فعل مواقعة كاملة الشيء الذي يخرج الجريمة عن جريمة هتك العرض ويجعلها اغتصاب، كما سنرى ذلك بتفصيل عند دراستنا لهذه الجريمة وانما يكون الافتضاض في جريمة هتك العرض بادخال اي جسم صلب في فرج الانثى كالاصابع مثلا لذلك فان بعض اعضاء النيابة العامة كثيرا ما يخطئون في الوصف القانوني الذي يعطونه لجريمة الاغتصاب ضد قاصرة نتج عنه افتضاض وصورة القضية مثلا ان شخصا اخذ فتاة صغيرة يقل عمرها عن 15 سنة وباشرها فنتج عن ذلك افتضاض بكارتها اذ تكيف الفعل على انه جريمة هتك عرض قاصر بالعنف نتج عنه افتضاضها والواقع ان هذه الجريمة جريمة اغتصاب قاصر نتج عنه افتضاض، المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفقرة 2 من الفصل 486 من ق ج وقد رفع المشرع عقوبة الفاعل في حالة حدوث افتضاض نتيجة جريمة هتك العرض من خمس الى عشر سنوات في جريمة هتك العرض البسيط المنصوص عليها في الفصل 484 من القانون الجنائي ومن عشر الى عشرين سنة عندما يستعمل العنف وكان سن المجني عليه اكثر من 15 سنة ورفع العقوبة من عشرين الى ثلاثين سنة وهي الحد الاقصى لعقوبة السجن المؤقت عندما يكون سن المجني عليها اقل من 15 سنة وصاحب الفعل عنف.

    المبحث الرابع: صفة الجاني

    اولى المشرع المغربي كالمشرع المصري صفة الجاني اهمية كبرى وجعله ظرف تشديد في جريمة هتك العرض، فقد نص في الفصل 487 من ق ج على انه " اذا كان الفاعل من اصول الضحية او من لهم سلطة عليها او وصيا او خادما بالاجرة عندها او عند احد من الاشخاص السالف ذكرهم او كان موظفا دينيا او رئيسا دينيا وكذلك أي شخص استعان في اعتدائه بشخص او عدة اشخاص فان العقوبة هي السجن من خمس الى عشر سنوات في الحالة المشار اليها في الفصل 484 والسجن من عشر الى عشرين سنة في الحالة المشار اليها في الفقرة الاولى من الفصل 485 والسجن من عشرين الى ثلاثين سنة في الحالة المشار اليها في الفقرة الثانية من الفصل 485. وغاية المشرع من جعل صفة الجاني اما بصلته مع الضحية واما بتعدد افراده ظرف تشديد في جريمة هتك العرض، هي حماية الضحية من الوقوع فريسة سهلة في يد اولئك الذين تكون لهم صلة القرابة او العمل والذين لا تحترز الضحية عند الاختلاط بهم، وانما تركن اليهم كل الركون، وهؤلاء الاشخاص مذكورون حصرا في الفصل المشار اليه اعلاه وهم :

    1- اصول الضحية ويقصد بهم كل من تناسلت منه الضحية تناسلا حقيقيا كالاب والجد، والام والجدة ومن المعلوم ان التبني لا يعتبر تناسلا حقيقيا، لذلك لا يدخل المتبني الذي هتك عرض متبناه في هذه الزمرة ولكن ما هو حكم الاصل من الرضاع؟ الواقع انه وان جاء في الحديث الشريف انه "يحرم من النسب " فان المرضع او زوجها لا يعد اصلا للمرضع ( فتحا) وبالتالي لا يدخل في زمرة الاصول وان كان يعد من زمرة من لهم سلطة على الضحية اذا يعيش معه وعلى نفقته .

    2- الذين لهم سلطة على الضحية : لم يوضح المشرع المغربي من هم هؤلاء الاشخاص وما هي السلطة القانونية او الفعلية او الادبية فقط لذلك تؤخذ الكلمة على اطلاقها، ونقول بانها كل سلطة تكون للشخص على اخر تشمل سلطة المراقبة والتوجيه كالاخ الاكبر بالنسبة لاخوته الصغار الذين يعيشون معه وتحت نفقته والمربي والمتبني للشخص المتبنى كزوج ام الضحية مثلا وكالمعلم الذي يعطي دروسا للضحية سواء كانت هذه الدروس عامة تعطى ضمن مجموعة من الاطفال او دروسا خاصة تعطى اما في منزل المعلم او المتعلم، وكذلك مدير وموظفو ومستخدمو المؤسسات التربوية والاصلاحية . كدور الايتام ودور الحضانة ودور اعادة تربية الشباب المنحرف، وكل مؤسسة تتولى رعاية الشباب وتكوينه وتثقيفه كالمخيمات الصيفية وجمعيات الاسفار .

    3- الوصي على الضحية: الوصي هو من له حق الاشراف وتسيير شؤون الضحية في غيبة الاب ويعرف الوصي بانه الممثل القانوني الذي يعينه الاب لتسيير شؤون ابنائه ومراقبتهم وادارة امورهم المالية والادبية في حياة الاب عند غيابه او في حالة وفاته، ويدخل ضمن الوصي المقدم وهو الشخص الذي يعينه القاضي لتسيير شؤون القاصر وتدبير امواله .

    4- الخادم بالاجرة: وهو كل شخص تربطه بالضحية او بالاشخاص الذين تقدم ذكرهم علاقة التبعية سواء كانت هذه دائمة او مؤقتة، فالخادم بهذه الصفة يسهل عليه الاتصال بالضحية ويمكن ان يدخل دارها او غرفتها في كل وقت وبدون احتراز من الضحية، فالخادم الذي يخدم بيت الضحية سواء كان تابعا لها او لاصولها او لمن لهم عليها حق المراقبة والاشراف او لوصي الضحية، اذا ما ارتكب جريمة هتك العرض لشخص ذكرا كان او انثى، فان العقوبة تشدد في حقه حسب الترتيب المذكور في الفصل 487 اعلاه فالاجير الذي تستقدمه الضحية لاصلاح شيء في المنزل كالكهربائي او النجار او الصباغ، وتدخله البيت ثم ينتهز هذه الفرصة ويهتك عرض الضحية او يشرع في هتكه يقع تحت طائلة الفصل المذكور، تشدد عليه العقوبة.

    5- الموظف الديني او الرئيس الديني: المقصود بالموظف الديني هو الشخص المكلف بارشاد الناس الى امور دينهم ويكون بمثابة المعلم كائمة المساجد والمؤذنين بها والمرشدين الدينيين الذين تطمئن اليهم نفس الضحية لما لهم من طابع ديني. اما الرؤساء الدينيون فهم رؤساء الاديرة والكنائس ولا يعرف في الاسلام نظام الرؤساء الدينيين، فاذا ما ارتكب واحد من هذا الصنف جريمة وهتك عرض فان العقوبة تشدد عليه.

    الفصل الثالث: الشروع في جريمة هتك العرض

    نص الفصل 484 من القانون الجنائي على انه يعاقب بالحبس من سنتين الى خمس من هتك بدون عنف او حاول هتك عرض قاصر.

    ونص الفصل 485 من نفس القانون على انه يعاقب بالسجن من خمس الى عشر سنوات من هتك او حاول هتك عرض أي شخص، ومن التدقيق في الفصلين السابقين نرى ان المشرع المغربي كالمشرع المصري سوى في العقوبة يبين الفعل التام في جريمة هتك العرض ومحاولتها ومن الممكن ان يثور جدال فقهي في المغرب كما ثار(17) في مصر عن امكان الشروع في جريمة هتك العرض سواء كانت بسيطة او مشددة او عدم امكانه أي بمعنى انه هل يتصور الشروع في جريمة هتك العرض، او جميع الافعال التي تكون هذه الجريمة تنسب الى الجريمة التامة وان الجاني متى ارتكب أي فعل من الافعال التي تكون جريمة هتك العرض يعد مرتكبا للجريمة، لانه ليس لهذه الجريمة درجات يتميز منها البدء عن التنفيذ، وحجة من يدعي التمييز هو ان المشرع المصري سوى في العقوبة بين الجريمة التامة ومحاولتها، وذهب فريق اخر الى ان التمييز بين الجريمة التامة ومحاولتها يتصور في حالة واحدة فقط وذلك عندما تكون الجريمة بالعنف او التهديد، ولكن الواقع ان جريمة هتك العرض كجميع الجرائم التي يعاقب الشروع فيها متى كانت الافعال التي قام بها الجاني لا تدع مجالا للشك في انه يريد اتيان الجريمة التامة وان يعدل عن اتمامها الا لسبب خارج عن ارادته فلها درجات يتميز منها البدء في التنفيذ عن التنفيذ التام سواء كانت جريمة هتك العرض بسيطة او مشددة أي سواء جنحة او جنائية ولنضرب لذلك امثلة:

    من اخذ طفلا الى مكان خال من الناس او بيت لا احد فيه الا الفاعل والضحية وشرع في فك ازرار سروال الضحية ليكشف عن عورته ثم يفاجا بشخص اخر يدخل البيت او يقتحم مكان الخلوة فان الفاعل يعد

    مرتكبا للشروع في جريمة هتك العرض ويدخل تحت طائلة الفصل 484 من القانون الجنائي.

    وكذلك من اخذ شخصا ذكرا كان او انثى قاصرا او راشدا واسقطه على الارض وسار يكشف عن عورته وذلك بتمزيق ثياب الضحية او يفك ازرار سرواله، وعلا صياح هذا الاخير واستغاثته واقبل بعض الناس للاغاثة فان الجاني يكون مرتكبا محاولة هتك العرض بالعنف ويقع تحت طائلة الفصل 485 من القانون الجنائي.

    وكذلك من يقبل على شخص نائم وشرع في فك سرواله وازالته او تمزيقه من الخلف، يعد كذلك مرتكبا لمحاولة جريمة هتك العرض.

    وتقدير كون الفعل الذي قام به الجاني يعد محاولة لارتكاب جريمة هتك العرض او مجرد جنحة الاخلال العلني بالحياء ترجع لسلطة قاضي الموضوع التقديرية الذي يمحص الافعال والاحداث وظروف القضية وملابساتها ونية الجاني ولا رقابة للمجلس الاعلى على القاضي في تقدير ذلك.

    اذا لم تكن الافعال التي قام بها الجاني في نظر القاضي كافية لاعتبارها جريمة هتك عرض يمكن ان يغير الوصف القانوني الذي اعطته النيابة العامة للجريمة وتكييفها على انها جنحة الاخلال العلني بالحياء باعتبار ان كل جريمة هتك العرض تحتوي ضمنها جريمة الاخلال العلني بالحياء كما راينا اعلاه.

    وللبحث بقية

    بعض المراجع

    10- شرح قانون العقوبات ط 2 ص 340-341

    11- الجرائم الجنسية ص 211

    12- القانون الجنائي اخراج وطبع وزارة العدل المغربية ص 428

    13- قانون العقوبات لمحمود بنصور الطبعة الاولى سنة 71 ص 334

    14- شرح قانون العقوبات القسم الخاص ص 344

    15- الجرائم المخلة بالاداب ص 373

    16- نفس المرجع السابق

    17- نفس المرجع ص 362

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد 15، ص 8.

    لعبة تنمية الذكاء وتقوية مستوى التركيز
    Dama maroc
    Install