أدخل كلمة للبحث

جريمة قتل الام لطفلها الوليد

جريمة قتل الام لطفلها الوليد

    جريمة قتل الام لطفلها الوليد

    في القانون المغربي

    ذ/ عبد الحفيظ بلقاضي

    استاذ التعليم العالي

    مقدمة

    اسوة بالمشرع الوضعي في القانون المقارن، فقد كفل المشرع المغربي حق الانسان في الحياة وعاقب على جريمة القتل العمد في صورتها البسيطة بالسجن المؤبد. ومن الواضح ان هذه العقوبة ذات حد واحد مما يقيد السلطة التقديرية للقاضي في مجال تطبيقها بحيث لا يبقى امامه اذا ما اراد النزول عن هذا الحد الا اعمال مقتضى الفصل 146 م. ج. الذي يقرر الظروف القضائية المخففة اذا كان يوجد في ملابسات ارتكاب الجريمة او في درجة اجرام المتهم ما يبرر ذلك.

    الا ان من الملاحظ ان جرائم القتل العمد لا تثير لدى الراي العام درجة واحدة من الاستهجان: فاذا كان بعضها مما يهتز له الشعور الجماعي بقوة ويبدي بشانه مزيدا من السخط والاستنكار اعتبارا لما صاحب الجريمة من ملابسات تفصح عن مدى استفحال النزعة الاجرامية لدى الفاعل او بالنظر الى الصفة الوحشية للوسائل المستعملة في التنفيذ مثلا. فان بعضها الاخر يرتكب في ظروف ينم تحليلها عن خضوع الفاعل لقوى معينة دفعته الى الجريمة دفعا مما يستدعي النظر الى مسؤوليته بعين التخفيف.

    وامام هذا الاختلاف البين في الحالات المعروضة لا يجد المشرع الوضعي بدا من تنويع الجزاءات المستحقة وفق ما يقتضيه مبدا تفريد العقاب.

    ومراعاة لهذا المبدا الاساسي في التجريم والعقاب، فقد تضمن القانون الجنائي المغربي في حالات محددة من القتل العمد النص على عدد من الظروف المشددة ترفع بها العقوبة من السجن المؤبد الى الاعدام، كما ورد النص في حالات اخرى، على بعض الاعذار القانونية المخففة يترتب على توافر شروط تطبيقها تقرير عقوبة اخف من العقوبة المقررة في المادة 392 . (1)

    والاسباب التي راعاها المشرع الوطني تمتيعا للقاتل بالتخفيف تعود في اهم حالاتها اما الى عذر الاستفزاز ( المواد : 316 وما بعدها)، واما الى صفة معينة في الجاني، وهو ما يتحقق بالنسبة للام التي تقدم على ازهاق روح وليدها (م. 397/2).

    والواقع ان جريمة قتل الطفل الوليد infanticide من اشد الجرائم ارتباطا باوضاع المجتمعات، سواء من جهة العادات والمعتقدات السائدة، او من جهة القوانين السارية (2).

    --------------------------------------------------

    1) ولا باس من بعض الاستطراد هنا للاشارة الى ان النظام الذي اتبعه المشرع المغربي في العقاب على القتل العمد في صورتيه البسيطة والمشددة يتسم بالصرامة البالغة، وهذا ما يتجلى بوضوح تام لدى مقارنة هذا النظام ببعض النماذج الاخرى في نطاق القانون المقارن كالنموذج الفرنسي او الاسباني :

    - القانون الفرنسي الجديد العام 1994 افرد عقوبة السجن لمدة 30 سنة للقتل العمد في صورته البسيطة (م. 21/1)، وخصص للقتل المقترن باحد الظروف المشددة عقوبة السجن المؤبد (م 21/2-4) بل ان العقوبة الاصلية في حالة القتل العمد البسيط يمكن النزول بها، في حالات معينة، الى حدود السنتين سجنا مشمولتين بوقف التنفيذ.

    - القانون الاسباني الجديد الصادر عام 1995 عاقب بالسجن من 10 الى 15 سنة القتل العمد في صورته البسيطة (م. 138)، وبالسجن من 15 الى 20 سنة في حالة اقتران القتل باحد الظروف المشدد المنصوص عليها في المادة 139، وبالسجن من 20 الى 25 في حالة اقتران الجريمة بظرفين او اكثر من ظروف التشديد (م. 140).

    2) لم يتضمن القانون الروماني- الذي كان يعترف لرب الاسرة بسلطة مطلقة على افراد اسرته- نصوصا محددة بشان جريمة قتل الوليد، ولم تنل هذه الظاهرة اهتماما خاصا من المشرع في بعض البلاد الاوربية الواقعة تحت تاثير القانون الجرماني الا مع بداية العصور الوسطى حيث بدا النظر اليها باعتبارها صورة مشددة للقتل العمد ومعاقبا عليها باقصى عقوبة الا وهي عقوبة المحرقة.

    بيد ان عددا من مفكري وفلاسفة الانوار ما لبث ان انتصب منددا بهذه المعاملة العقابية الرهيبة مسلطا الاضواء على الوضعية البدنية والنفسية الحرجة للمراة خلال فترة الوضع والنفاس، ومدافعا عن ضرورة شمولها بعين الرافة والاشفاق، وبالتالي الاقرار بتمتيعها بعذر مخفف من العقاب.=

    -------------------------------

    وينم استقراء التاريخ الحديث لهذه الجريمة، في نطاق القانون المقارن، عن كون التشريعات الوضعية قد اتجهت في العقاب عليها اتجاهات مهينة تراوحت بين عدم ايراد مقتضيات خاصة في هذا الشان اكتفاء بالنصوص الزاجرة للقتل العمد في صورته البسيطة او المشددة (في حالة اقترانه بسبق الاصرار)، وبين اعتبار وقوع القتل على طفل حديث العهد بالولادة نموذجا اجراميا مستقلا وقائما بذاته، تمثل صفة الضحية فيه عنصرا جديرا بالتشديد حينا، و بالتخفيف حينا اخر.

    اما الدعوى الى التشديد فتجد سندها في ذلك الشعور بالسخط الاستنكار الذي يتولد تجاه من لا يتردد في القضاء على حياة كائن ضعيف ومجرد تماما عن وسائل الدفاع عن النفس، مما يتحمل المجتمع معه بواجب القيام بتوفير اسباب الحماية والرعاية الخاصة. بينما تتأسس الدعوة الى التخفيف على اعتبارات مفادها ان الام التي تدفعها الضرورة الى التخلص من وليدها انما هي اولى بالرحمة والاشفاق (1).

    من هنا. تنوع المعاملة العقابية التي سادت الانظمة الوضعية، وذلك تبعا للزاوية التي ينظر من خلالها الى هذا النموذج الاجرامي الخاص : فاذا نظر اليه من زاوية الطفولة البريئة والمستضعفة وجب تغليظ العقاب على الجاني واعتبرت جريمته

    ------------------------------------------------

    = وقد كتب الماركيز ( بيكاريا) في هذا السياق قائلا ( ليس قتل الطفل الوليد الا نتيجة ورطة لا يمكن دفعها. بحيث تكون المراة المستسلمة لحظة ضعف او الواقعة تحت وطاة اكراه، قد وجدت نفسها امام الاختيار المرير بين القبول بواقع العار والهوان او ازهاق روح كائن لما يتولد لديه الاحساس بعد بالم فراق الحياة، فكيف لها اذا ان تتجنب الانحياز للحل الثاني الذي من شانه تجنيبها هي و طفلها سيئ الحظ مغبة الشفاء المحتم ؟) انظر:

    BECCARIA (c), Dei delitti delle pense, SXXXI, citato da :

    ANTOLISEI (F) Manuale di diritto penale, partez speciale I, settima edizione a cura di L.

    Conti, Milano Guiffré. Editore, 1977, n 14, p. 48, nota (14).

    وانظر اكثر تفصيلا:

    STANPA BRAUNC () Las corrientes huminatarias del siglo XVIII y su influencia en la concepcion del infanticido como «delictus exptus ». Anuario de derecho penal y Ciencias penales, Madrid, 1953, pp, 47 y seg.

    (1GARRAUD (R), Traité théorique et pratique du droit pénal français, 3 éd. Recueil Si - rey 1953, T.V. n 1876, p. 182.

    --------------------------------------------------------------

    قتلا عمديا مشددا، واذا نظر اليه من زاوية الام الخاطئة والتي تلجئها الظروف الى التخلص من نتاج خطيئتها اخفاء للعار وحفاظا على الشرف عد الفعل قتلا مخففا.

    ومراعاة لهذين الاعتبارين المتباينين لم يجد المشرع المغربي بدا من التنصيص في المادة 397 على تشديد عقوبة قتل الوليد كلما قارفه شخص من دون الام، وعلى تقدير عذر قانوني مخفف اذا كانت الام هي المساهمة في الجريمة بصورة اصلية او تبعية:

    " من قتل عمدا طفلا وليدا يعاقب بالعقوبات المقررة في الفصلين 392 و393، على حسب الاحوال المفصلة فيهما.

    الا ان الام، سواء كانت فاعلة اصلية او مشاركة في قتل وليدها، تعاقب بالسجن من خمس سنوات الى عشر. ولا يطبق هذا النص على مشاركيها ولا على المساهمين معها".

    هذا، وستنصب معالجتنا للموضوع على دراسة مضمون الفقرة الثانية من هذه المادة، دون فقرتها الاولى التي لا تعدو ان تكون تطبيقا من تطبيقات القتل العمد البسيط او المشدد.

    من هنا، كان اهتمامنا موزعا في هذا النطاق بين المحورين التاليين:

    الرجوع الى المصدر الاصلي للنص كخطوة ضرورية في سبيل تحقيق مناطه (الفرع الاول)، من جهة، ثم تحليل الشروط التي يلزم توافرها اعمالا لمقتضاه (الفرع الثاني)، من جهة اخرى.

    الفرع الاول: الاصل التاريخي للنص والعلة في تقريره

    لما كانت المادة 397/2 ماخوذة عن القانون الفرنسي القديم، بكل ما طرا على هذا الاخير- على مدار قرن ونصف من الزمان- من تعديلات تشريعية متلاحقة، كان فهمها الدقيق رهينا برصد اهم ملامح التطور التي شهدها هذا الميدان ( اولا) كما ان تفسيرها السليم يظل مرتبطا بتحديد العلة الحقيقية في تقريرها (ثانيا).

    اولا: التطور التاريخي لجريمة قتل الوليد

    صدرت المدونة الجنائية الفرنسية الاولى خلوا من النص على جريمة قتل الوليد Infanticide وكان العقاب على هذه الحالة يتم اما على اساس القتل العمد البسيط او على اساس القتل العمد المقترن بظرف سبق الاصرار. اما المدونة النابوليونية الصادرة عام 1810 فقد اعتبرت هذه الجريمة جناية خاصة معاقبا عليها بالاعدام سواء أكان مرتكبها اما للضحية او احدا غيرها، وسواء اقترن ارتكابها بسبق الاصرار او لم يقترن. وبالنظر الى الشدة البالغة التي كانت تتسم بها العقوبة الواجبة التطبيق في هذه الحالة، من جهة، والى ان المحلفين غالبا ما كانوا يقعون تحت التاثير الشديد للظروف الدافعة للامهات الى التخلص من ولدانهن، من جهة اخرى، فان محاكم الجنايات كثيرا ما كانت تتراخى في تطبيق العقوبة المذكورة وتنطق ببراءة المتهمات الماثلات امامها.

    وعلاجا لهذا الوضع، لم يجد المشرع الفرنسي بدا من التدخل بمقتضى القانون الصادر في 21 نوفمبر1901 الذي ميز في هذا الشان بين حالتين : حالة ارتكاب الجريمة من قبل شخص من الغير حيث كانت تطبق عقوبة القتل العمد البسيط او عقوبة القتل العمد المقترن باحد ظروف التشديد، وحالة ارتكاب الجريمة من قبل ام الضحية حيث كانت تطبق عقوبة مخففة تتمثل اما في الاشغال الشاقة المؤبدة ( بدلا عن عقوبة الاعدام) اذا ما اقترن القتل بسبق الاصرار، واما في الاشغال الشاقة المؤقت ( بدلا عن الاشغال الشاقة المؤبدة) اذا ما اتخذ القتل صورة بسيطة.

    الا ان هذا الاصلاح لم يحقق اثره في الحد من ظاهرة تمادي المحاكم في تبرئة المتهمات او النطق في حقهن بمجرد عقوبات جنحية بسيطة. وامام هذا التساهل المفرط كان لزاما على المشرع التدخل ثانية من خلال القانون الصادر في 2 سبتمبر1941 الذي يعتبر بموجبه وصف جريمة قتل الوليد من جناية الى جنحة معاقب عليها بالسجن من ثلاث الى عشر سنوات مع حرمان مرتكبها من الاستفادة من وقف التنفيذ ومن الظروف القضائية المخففة على حد سواء(1).

    الا ان هذا الاصلاح لم يتردد صداه ايجابيا لدى الاوساط المعنية، بل كان عرضة لنقد شديد من ناحيتين: من حيث انه مما يتنافى مع الاعتبارات الاخلاقية والقانونية النزول بواقعة ذات خطورة اجرامية بالغة الى مستوى الجنح، من جهة، ومن حيث ان هذا الاصلاح الذي اريد به الحزم والصرامة حيال هذا النوع من الجرائم سرعان ما افرغ من محتواه على اثر ما ادخل عليه من تعديلات بناء على القانون الصادر في 11 فبراي 1951 الذي اعاد للقضاء الزجري حريته كاملة في اختيار الجزاءات مما افسح المجال امام الجناة في جرائم قتل الوليد للاستفادة من نظام وقف التنفيذ فضلا عن الظروف المخففة، من جهة اخرى.

    اما الحلقة الاخيرة في هذا المسار التطوري الطويل فتجسدت في القانون الصادر في 13 ابريل 1954 الذي اختار المشرع الفرنسي من خلاله الرجوع الى النظام الذي كان مقررا في ظل قانون 21 نوفمبر1901 مع فارق يتمثل في خضوع الام القاتلة لعقوبة مخففة واحدة وهي السجن من عشر الى عشرين سنة بغض النظر عن ارتكابها الجريمة بسبق اصرار او بدونه.

    من هنا، فقد استقر الوضع النهائي، في ظل سريان المدونة الجنائية الفرنسية القديمة على تجريم قتل الوليد في احدى صورتين: صورة " محايدة (2) "NEUTREاذا كان مرتكبها احد الاغيار اما بصفته فاعلا او شريكا في قتل بسيط او قتل مقترن باحد ظروف التشديد ( م 300 ج. ف) صورة ( خاصة ( Spéciale(3) حيث تكون ام الوليد هي المقترفة للجريمة اما بصفتها فاعلة او شريكة في قتل مخفف ( م. 302/2 ج. ف ) (4).

    ------------------------------------------------

    1) GARCON (E), op. Cit. Art. 300, n. 10 et s.

    (2), (3) VITU (A), Droit pénal spécial … N. 2089, p. 1097.

    4) هذا، وتجدر الاشارة الى ان المدونة الفرنسية الجديدة صدرت خلوا من كل اشارة الى جريمة قتل الوليد Infanticide سواء في صورتها المحايدة او الخاصة .

    ------------------------------------------------

    وغني عن البيان ان هاتين الصورتين هما اللتان نقلهما المشرع المغربي في الفقرتين الاولى والثانية من المادة 397 من المدونة الجنائية.

    ثانيا : علة تقرير العذر المخفف

    يسود السياسات الجنائية الحديثة بشان جريمة قتل الام لوليدها اتجاهان رئيسيان: اتجاه يقرر العذر المخفف اعتبارا لباعث محدد وراء اقدام الام على الفعل قوامه اتقاء العار والتستر على الفضيحة بسبب الحمل الناتج عن علاقة جنسية غير مشروعة، ويمثل هذا الاتجاه كل من القانون الايطالي ( م. 578) والليبي (م. 373) والسوري الذي ينص في المادة 537 منه على انه ( تعاقب بالاعتقال المؤقت الوالدة التي تقدم اتقاء للعار، على قتل وليدها الذي حبلت به سفاحا).

    وتخفيف العقاب يجد اساسه، في نطاق هذا الاتجاه، في اعتبارات معينة مؤداها الحرج الاجتماعي البالغ والشقاء النفسي المرير اللذان تقع فيهما الام التي تضع وليدها وضعا غير شرعي مما يدفعها الى التخلص منه تحريرا لنفسها من الشعور بالخطيئة.

    اما الاتجاه الثاني فلا يشترط لقيام جريمة قتل الوليد سوى نية ازهاق الروح دونما تطلب لذلك القصد الجنائي الخاص الذي قوامه ارتكاب الجريمة بغرض التستر على الفضيحة. ومن القوانين الاخذة بهذا الاتجاه: القانون الفرنسي (القديم ) والقانون المغربي. ويقيم هذا الاتجاه تخفيف العقاب على اساس بعض الاعتبارات البدنية او الفزيولوجية: ان الام التي تتجاهل عاطفتها البديهية لتقضي على حياة وليدها غالبا ما تقدم على فعلها، وهي لا تزال تحت تاثير الاضطراب الجسمي والنفساني الناجم عن الوضع.

    وبناء على ذلك، تتمتع الام بالعذر المخفف، في ظل القانون المغربي حتى في حالة وليدها الشرعي، وان كان هذا مستبعد الحدوث الا في حالات نادرة كولادة الطفل مشوها او رغبة الام في قطع علاقتها نهائيا بزوجها السابق (1).

    ----------------------------------

    1) احمد الخمليشي : المرجع السابق، ص 68-69.

    ----------------------------------

    الفرع الثاني : شروط تطبيق العذر المخفف

    لما كانت جريمة قتل الوليد صورة معينة من القتل العمد كان لا بد لقيامها قانونا من ارتكاب فعل الاعتداء بنية القتل، من جهة (اولا )، ومن توجيه هذا الفعل ضد وليد، من جهة اخرى (ثانيا).

    اولا: فعل الاعتداء المتضمن لنية القتل

    قتل الوليد كغيره من صور القتل العمد يرتبط وجوده ماديا باتيان الجاني نشاطا يتحقق به فعل الاعتداء، ونتيجة اجرامية تتأدى في ازهاق روح الضحية، ورابطة سببية تحكم الصلة بين هذين العنصرين.

    بيد ان ثمة اشكالا خاصا يثور هنا يتعلق بمدى التساوي في القيمة القانونية بين تحقيق الجريمة عن طريق الامتناع وتحقيقها بفعل الارتكاب، وبعبارة اخرى فان التساؤل يتعلق بمدى اعتبار التسبب في النتيجة الاجرامية بالوسائل الايجابية كالاقدام على قتل الوليد خنقا اوغرقا او باحدى الالات القاطعة او الواخزة معادلا في الاثر القانوني لاحداثها بالوسائل السلبية كالاحجام عن ربط الحبل السري للوليد او الامتناع عن ارضاعه وتغذيته او عدم بذل العناية الضرورية لاستمرار بقائه.

    الواقع من الامر ان هذا الاشكال الخاص ليس الا امتدادا لتلك الاشكالية العامة التي تدور حول مدى جواز قيام جريمة القتل العمد قانونا- كمبدا عام- بمحض الترك او الامتناع (1).

    ان السائد في بعض الانظمة الوضعية ان القتل العمد يقع بالترك او الامتناع كلما كان الممتنع ملتزما قانونا او طبقا لاتفاق خاص او بسبب فعله السابق برعاية المجني عليه او انقاد حياته.

    ------------------

    1) راجع محاضراتنا في القانون الجنائي الخاص، مكتبة دار الامان، الرباط 2001، ص. 33 وما بعدها.

    ----------------

    وتطبيقا للمبدا العام الذي يسود مثل هذه الانظمة والذي تتقرر بموجبه المساواة التامة في الوسائل المسخرة ترتيبا للنتيجة الاجرامية، لا يمانع جمهور الشراح في ايطاليا (1) واسبانيا (2) وسويسرا(3)، فضلا عن بعض البلاد العربية (4)، في قيام جريمة قتل الوليد باستعمال احدى الوسائل السلبية.

    اما الراي الراجح في فرنسا فقها وقضاء (5) فيقول بان الجرائم الايجابية - والتي من بينها القتل العمد- تستلزم لقيام ركنها المادي ان يرتكب الجاني فعلا ايجابيا يؤدي الى تغيير ملموس في العالم الخارجي، وهو وازهاق روح انسان، ولا يمكن مساءلة شخص على ارتكابها اذا كان ما صدر عنه موقف سلبي او امتناع.

    وعلى هذا فان تفسير نصوص القتل على نحو يؤدي الى شموله الفعل والامتناع يتضمن خروج عن مبدا شرعية الجرائم والعقوبات وتجاوزا لسلطات القاضي الجنائي في التفسير، فضلا عن استحالة اثبات العلاقة السببية بين الامتناع والنتيجة.

    ويبدو ان هذا الاتجاه هو الاقرب الى موقف القانون المغربي (6) صحيح ان النشاط المادي الذي يتحقق به فعل الاعتداء قد جرت صياغته في عبارة واسعة (7)

    ---------------------------------

    1) ANTOLISEI (F), op. Cit, n 14, p, 49

    2) RODRIGUEZ DEVESA (j.M), dercho penal espanol. Sexta edicion, Madrid, 1975, p, 58

    Guello GALON (E), derecho penal. Parte especial, 13 a ed. (Revisado y puesto al dia Por c. camargo hemandez), bosch, barcelona 1972, p, 517.

    3) GRANVEN (j.) la répression de l'homicide en droit suisse, R.S.C., 1966, P 284.

    4) محمد الفاضل: المرجع السابق، ص .417

    جلال ثروت: المرجع السابق: رقم 203، ص. 267.

    محمد رمضان بارة : قانون العقوبات الليبي، القسم الخاص، الجزء الاول : جرائم الاعتداء على الاشخاص، الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع والاعلان، ط الثاني، 1993، ص.

    5) VITU (A) ; Op Cit, ni 1703. P. 1367.

    Rassat (M.L) ; Droit pénal spécial, Dalloz - Delta ; 1997, n. 239, pp. 243 -244.

    ANGEVIN (H), juris - classeur pénal, art. 221-1 à 221-5, V° «Atteintes volontaires à la vie », 1995.

    LEVASSEUR (G), Répertoire de droit pénal ; V° «Homicide », 1986, n. 7

    6) راجع عكس هذا الراي :

    احمد الخمليشي : المرجع السابق، ص 18 وما بعدها.

    7) جاء في المادة 392 من المدونة الجنائية ان (( كل من تسبب عمدا في قتل غيره يعد قاتلا… ))

    ----------------------------------

    يوحي ظاهرها بان القتل العمد قد يقع بفعل ايجابي كما قد يقع بالترك او الامتناع. الا ان هذه الحجة اللفظية قاصرة الدلالة- في تقديرنا - للقول بتساوي الفعل الايجابي مع الترك او الامتناع، سيما وانه لا يوجد في القانون المغربي - كما هو الشان في القانون الايطالي او الالماني او الليبي مثلا - نص عام يقر المساواة بينهما ويعترف للامتناع بذات القيمة القانونية التي يعترف بها الفعل الايجابي. بل ان افراد المشرع المغربي نصوصا خاصة للعقاب على حالات محددة من الامتناع وهي الفصول 410 و430 و463 تنهض دليلا حاسما على عدم صلاحية انطباق المادة 392 على القتل المرتكب بنشاط سلبي .

    فاذا تاكد لدينا من خلال التحليل الصادر من الامتناع عن عمل لا يصلح لقيام المسؤولية العمدية عن القتل، فان هذا الامتناع لا يصلح - من باب اولى - اساسا للعقاب على جريمة قتل الوليد بالنظر الى الصياغة التي افرغت فيها المادة 397 والتي حرص المشرع على تضمينها الاشارة الصريحة الى "فعل القتل" سواء في فقرتها الاولى او الثانية، مما يصبح معه الاستنتاج سائغا بان القتل يتضمن فعل ارتكاب وليس مجرد امتناع.

    صحيح ان القضاء على حياة الوليد كثيرا ما يقع بالامتناع عن ارضاعه او حرمانه من العناية التي هو في حاجة اليها- كما سبقت الاشارة - الا ان المتابعة الجنائية لا تتم في هذه الحالة على اساس المادة 397/2، وانما بناء على تكييف قانوني اخر، قد يكون قتلا خطا (م. 432) وامتناعا عن تقديم المساعدة (م. 430 و431) او ترك الاطفال او العاجزين وتعريضهم للخطر( م. 459 وما بعدها ).

    من هنا، فان جريمة قتل الوليد لا تتحقق الا بوسيلة ايجابية من شانها احداث الوفاة (1) والنيابة العامة هي التي تقيم الدليل على الصفة الايجابية للفعل استنادا الى تقرير الطب الشرعي.

    --------------------------

    1) في هذا المعنى: VITU (A), Op. Cit, n 2091, p 1698

    LEVASSEUR (G) - Répertoire V° «Infanticide », 1968, n. 6 p 177

    وانظر في معنى مخالف: 201 GARRAUD (R) , op. Cit. N. 1985, p.

    GOYET(), Droit pénal spécial, 8e éd par Rousselet, Patin et Arpaillange, Dalloz 1968, n. 604, p 416.

    --------------------------

    بيد ان جريمة قتل الوليد لا تكتمل مقومات العقاب عليها قانونا بمجرد تحقق الركن المادي المتأدي في الاعتداء المميت، وانما يلزم بالاضافة الى ذلك توافر نية القتل animus necandi لدى الام الجانية. ويترتب على اشتراط هذه النية الخاصة ان مجرد الضرب او الجرح المفضي الى الموت دون نية احداثه يمثل حالة تقع خارج نطاق تطبيق الفقرة الثانية من المادة 397 المشار اليها، وان كانت هذه الحالة افتراضية بحتة على اعتبار انه لا يوجد ثمة ما يحمل الام او غيرها على الاعتداء على الطفل الوليد عمديا دون استهداف ازهاق روحه.

    ومهما يكن من امر، فان النيابة العامة هي التي يقع عليها عبء اثبات القصد الجنائي المتضمن لنية القتل، فضلا عن اثبات عنصر سبق الاصرار في حالة ادعاء اقتران الجريمة بهذا الظرف.

    والى جانب الاعتراف، فان طبيعة الاعتداء الواقع على الضحية، وواقعة اخفاء الحمل عن الوسط المحيط بالمتهمة او ثبوت قيامها بالفحوصات الضرورية قبل الوضع ، تمثل قرائن يمكن الاستدلال بها على توافر المقومات النفسية للجريمة، وان كان الفصل فيها اثباتا او نفيا على ضوء الظروف المحيطة مسالة واقعية لقاضي الموضوع تقديرها بحسب ما يقوم لديه من الادلة.

    هذا، ويجب ان نلاحظ هنا ان النص العربي للمادة 397/2 المنوه بها قد صدر خلوا من الاشارة الى ظرف سبق الاصرار خلافا للنص الفرنسي الذي اورده صراحة :

    Toute fois, la mère, autour principal ou complice du meurtre ou de l'assassinat de son enfant nouveau -né…. »

    ومفاد هذا النص الصريح ان تبييت المتهمة لنية قتل وليدها بعد الوضع اذا لم تسعفها الظروف للتخلص منه قبل ذلك، انما يقع وقوعا غير مؤثر في التكييف القانوني للجريمة، وبالتالي، فان النص المقرر للعذر المخفف يظل واجب التطبيق انصياعا للقاعدة الاصولية التي تقرر ان : النص الخاص يقيد النص العام.

    اما خارج هذا النص الصريح، فانه لا مناص من الاحتكام الى القواعد العامة التي تحكم طائفة جرائم القتل العمد، وبالتالي، فان جريمة قتل الوليد قد تشدد عقوبتها بسبب ممارسة التعذيب او استعمال الوسائل الوحشية اذا ما ثبت تنفيذها بطريقة بشعة، وقد يكيف الفعل احيانا باعتباره فعلا مكونا لجريمة التسميم ( م. 398) اذ ما عمدت الام القاتلة الى استعمال بعض المواد السامة للقضاء على حياة الوليد. وغني عن البيان ان عذر التخفيف لا ينطبق في هذه الحالة او تلك لانتقاء علته (1) التي تفترض اقتراف الجريمة تحت تاثير الانزعاج العاطفي تاثيرا يفقد الجانية توازنها النفسي (2).

    ثانيا: ان يكون ضحية الاعتداء وليدا

    يستدعي قيام هذا الشرط التمييز بين الوليد والجنين (1)، والتحقق من ولادته حيا (2)، وتحديد المدة التي تستمر فيها صفة الوليد قائمة (3).

    1- يقتصر نص الفقرة الثانية من المادة 397 على الوليد nouveau-né وهو الطفل الذي لم ينقض على ميلاده حيا، الا وقت قصير ويراد احاطة امره بالتستر والكتمان (3).

    واشتراط هذه الصفة في الضحية هو الذي يميز جريمة قتل الوليد عن جريمة الإجهاض التي ينصب فعل الاعتداء فيها على جنين. اما الوليد فهو الطفل الذي لم يعد جنينا، واما ولد وبدا يتصل مباشرة بالعالم الخارجي ويحيا دون وساطة امه، والميلاد باعتباره الواقعة التي يبدا بها الاعتراف القانوني بالحياة انما يتحقق ببداية عملية الوضع الطبيعي لا بتمامها، بمعنى ان الكائن الحي ينطبق عليه وصف الوليد

    ------------------------------

    1) VITU (A), Op. Cit, n. 2091, p. 1698.

    2) قارن في معنى مخالف جزئيا:

    VOUIN (R) ET RASSAT (M.L), Op. Cit, n. 161, p. 177.

    3) Cass. Crim. 13 Mars 1856, d. p. 56. 1.225. cité par :

    LEVASSEUR (G), Rep. Dr. pén. V° «infanticide », n. 9

    ------------------------------

    خلال المدة الزمنية التي تستغرقها عملية الولادة مادام هذا الكائن قد استقل بكيانه عن كيان امه لاكتمال نضجه واستعداده للخروج الى الحياة مهما تعسرت ولادته وايا كان الوقت الذي استغرقته.

    اما اذ قضي على حياة هذا الكائن قبل ذلك فلا يعتبر الفعل قتلا بل اجهاضا.

    2- ولقيام جريمة قتل الوليد لا بد من ان يكون هذا الاخير قد ولد حيا vivant، ولكن ليس شرطا ان يكون قابلا للحياة viable(1)، فاذا تمت ولادة الطفل حيا عد الاعتداء عليه قتلا وان كان موته محتما. وغني عن البيان ان الادعاء العام هو الذي يقع عليه اثبات حياة الطفل المجني عليه.

    3- ولكن، متى يكون الطفل وليدا وكيف يتحدد النطاق الزمني لحداثة العهد بالولادة؟

    مما لا شك فيه ان لتحديد هذا النطاق الزمني اهمية عملية بالغة:

    بثبوت صفة الوليد يتقرر العذر المخفف لفائدة الام القاتلة وتكون عقوبتها هي السجن من خمس الى عشر سنوات، وبانتقائها تصبح جريمة قتل الطفل مقترنة بظرف مشدد يرفع العقوبة الى الاعدام.

    لئن كان من المتفق عليه ان صفة الوليد تستمر فترة وجيزة لا تزيد عن بضعة ايام فان تحديد اللحظة الزمنية التي تنتهي عندها مسالة تقديرية متروكة لقاضي الموضوع الذي يقررها على ضوء العلة التي تقرر من اجلها سبب التخفيف والتي تتخلص- كما راينا- في وقوع الام تحت سطوة الانزعاج العاطفي (2).

    واستلهاما لعلة التخفيف هذه فقد جرى عمل القضاء الفرنسي على ان حداثة العهد بالولادة تثبت للطفل طوال المدة المقررة للتصريح بالولادة والقيد في

    ---------------------------

    1) AUSSEL (J-M), Op. Cit. N. 278

    2) GARRAUD (R) - Op. Cit, n. 1884, p. 198-199.

    3) GARCON (E) - Code pénal annoté, art. 300, n. 23

    ---------------------------------

    سجل الحالة المدنية، وهذه المدة محددة قانونا في ثلاثة ايام بيد ان تلك الصفة تزول حتى قبل انصرام هذا الاجل كلما ثبت شيوع خبر الولادة في الاوساط المحيطة بالام (1)

    هذا، وقد ورد في المادة 397 المشار اليها بان التخفيف هنا ذو طابع شخصي يقتصر على الام دون غيرها بحيث لا يستفيد منه الفاعل الاصلي الذي اشتركت معه الام، ولا المساهم او المشارك معا ولو كان ابا للوليد القتيل.

    ولا شك ان مقتضى هذه المادة يشكل استثناء مزدوجا على القاعدة المنصوص عليها في المادة 130 من المدونة الجنائية بشان العقوبة المقررة للاشتراك في الجريمة: اذا كانت الام مشاركة في جريمة قتل الوليد كانت عقوبتها اخف من عقوبة الفاعل الاصلي اما اذا كانت هي المساهمة في الجريمة بصورة اصلية، فان عقوبة المشاركين معها تصبح اشد من عقوبة الفاعل.

    والخروج عن القواعد العامة يجد تبريره هنا في الوضعية الخاصة بالام التي يعتبر العذر المخفف قصرا عليها من دون غيرها من الاشخاص (2).

    ----------------------------------------

    1) راجع في نقد هذا الاتجاه: VITU (A), Op. Cit. N. 2090, p. 1697.

    2) راجع اكثر تفصيلا:

    عبد الحفيظ بلقاضي : مدخل الى الاسس العامة للقانون الجنائي ج. II، مكتبة دار الامان، الرباط، 2001، ص. 277 وما بعدها.

    ----------------------------------------

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد 88، ص 74.