أدخل كلمة للبحث

شر ط الإشهاد في عقد النكاح

شر ط الإشهاد في عقد النكاح

    الدكتور محمد الكشبور

    أستاذ بكلية الحقوق - الدار البيضاء

    مقدمة:

    1- يبرم عقد الزواج عادة بإيجاب يصدر من احد طرفيه وقبول يطابق هذا الإيجاب يصدر من الطرف الثاني. الا انه، ونظرا لأهمية هذا العقد وخطورة الاثار التي تترب عليه، فان الشارع الحنيف قد اضاف للركنين السالفين شروطا اخرى لا يصح الزواج الا بتوافرها. من هذه الشروط انه يجب ان يكون كل من الزوجين بالغا عاقلا وان يكون خاليا من الموانع الشرعية وان تمثل المراة في العقد بوليه وان يكون للمرأة مهر واخيرا ان يتم الاشهاد على الزواج (1).

    واختلال احد هذه الشروط يجعل عقد الزواج فاسدا، فيكون إذن توافر الشرط من عدمه فاصلا بين الصحة وعدمها في هذا الصدد.

    لقد جرى العمل الفقهي والقضائي عموما على التعامل مع هذه الشروط بحذر شديد، فلا يصرح بفساد عقد الزواج الا في الحالات التي تكون فيها الحجة جد قوية لا تخلف الشرط، بخصوص عندما يمس النزاع نسب الأولاد وعرض الزوجة.

    ---------------------------------

    1) راجع الفصلين الرابع والخامس من مدونة الأحوال لشخصية

    انظر للزيادة في الإيضاح حول اركان عقد الزواج وشروطه، الدكتور صلاح الدين زكي .

    أحكام قانون الأسرة في الفقه الإسلامي والتشريع المغربي، مطبعة النجاح الجديدة 1985 . ص33 وما بعدها.

    -----------------------------

    وبالإضافة الى ما سبق، فان المتمعن جيدا في احكام الفقه الاسلامي بوجه عام، وفي احكام مدونة الاحوال الشخصية بوجه خاص سيلاحظ انه لا تلازم دائما بين فساد عقد الزواج وعدم ثبوت النسب مادام ان هذا الاخير يثبت في حالات يكون فيها الفساد بينا (2).

    والقرار الذي نحن بصدده يطرح مشاكل قانونية تتصل اساسا بشرط الإشهاد في عقد الزواج وباثباته

    الوقائع:

    2- رفعت السيدة …. دعوى نفقتها ونفقة ابنتها على شخص ادعت انه زوجها، وكان عليها بادئ ذي بدء ان تثبت العلاقة الزوجية عن طريق الرسم الذي يحرره العدول عادة الا انها أثبتت هذه العلاقة عن طريق لفيف تضمن معرفة شهوده لطرفي النزاع وشهادتهم بثبوت الزوجية واتصالها بينهما كما أثبتت ان عدم توثيق الزواج امام العدول يعود بالأساس الى تخوف الزوج من المشاكل العائلية التي من الممكن ان تحدثها له زوجته الاولى .

    حكمت المحكمة الابتدائية بعدم ثبوت الزوجية عن طريق اللفيف مادام العدول متواجدين بالمنطقة التي ابرم بها الزوج.

    وقد ألغت محكمة الاستئناف الحكم المذكور وحكمت من جديد بثبوت الزوجية عن طريق اللفيف اعتمادا على الفقرة الثالثة من الفصل الخامس من مدونة الاحوال الشخصية التي تسمح للقاضي بسماع دعوى الزوجية بصفته استثنائية عن طريق البنية الشرعية

    ------------------------------

    2) سوف نلاحظ مثلا ان العقد المجمع على فساده يثبت به نسب الأولاد متى كان الزوج حسن النية وان العقد المختلف في فساده يثبت به النسب دائما.

    راجع في هذا الصدد الفصل37 من مدونة الاحوال الشخصية.

    -----------------------------

    وقد نقض المجلس الاعلى قرار محكمة الاستئناف بناء على وسيلتين أولهما ان حالة الاستثناء غير متوفرة في الواقعة ما دام بالمنطقة التي ابرم بها الزواج عدول، وثانيهما ان خوف الرجل من امرأته الاولى وكتمان عنها الزواج بغيرها يتنافى وقصد الشارع من الحرص على إفشاء النكاح وإعلانه.

    وعليه، فاننا سنناقش قرار المجلس الاعلى انطلاقا من الوسيلتين التي اعتمدهما.

    الإشهاد في الفقه الإسلامي:

    3- ذهب جمهور الفقهاء وعلى رأسهم الأئمة الأربعة الى ان الاشهاد شرط لازم لإبرام عقد الزواج لا يقوم هذا الاخير الا بتوافره. وسندهم في ذلك أحاديث رويت عن الرسول الكريم منها انه " لا نكاح الا بولي وشاهدي عدل" (3) وانه " البغايا اللاتي ينكحن أنفسهن بغير بينة " (4) بين الفقهاء.

    وإذا كان الاجماع منعقدا بها حول شرط الإشهاد، فانهم قد اختلفوا حول الوقت الذي يجب ان يتم فيه. فبينما قد اقتضى الاحناف والشافعية والحنابلة تحققه وقت إبرام العقد لكي ينعقد الزواج صحيحا، قد اقر المالكية صحة انعقاده بغير شهود على ان يظل العقد موقوفا بحيث يمتنع على الزوج الدخول بزوجته الى حين تمام الاشهاد.

    -----------------------------------

    3) رواه الامام احمد عن عمران بن حصين ورواه الدارقطني عن عائشة.

    4) رواه الترميذي عن ابن عباس.

    على انه لابد من الاشارة الى هناك خلافات كثيرة بين الفقهاء حول الاشهاد وقد اجمل ابن رشد هذه الخلافات في مؤلفه بداية المجتهد ونهاية المقتصد. دار الفكر. الجزء الثاني. ص13.

    ------------------------

    وعليه، فبالنسبة للرأي الاول فان الإشهاد شرط في العقد، بينما هو بالنسبة للرأي الثاني شرط في الدخول فحسب.

    وغني عن البيان ان الزواج ينعقد صحيحا نافذا عند المالكية متى وقع الاشهاد عليه عند ابرام العقد، فترتب عليه جميع آثاره في الحال بما في ذلك صحة الدخول. بل ان هذا هو المستحب عندهم .

    موقف المشرع المغربي من الخلاف حول الإشهاد:

    4- ينص البند الاول من الفصل الخامس من مدونة الاحوال الشخصية على انه: " يشترط في صحة عقد الزواج حضور شاهدين عدلي سامعين في مجلس العقد … "

    إذن، ليس هناك شك في ان المشرع المغربي قد غض الطرف عن المالكية في هذا الموضوع واتبع ما انعقد عليه اجماع المذاهب السنية الثلاثة الاخرى (5).

    اهمية الإشهاد في الفقه الإسلامي

    5- لا يوجد في الواقع عقد يحمل في طياته نفس الخطورة التي يحملها عقد الزواج، ولذلك فقد شرط المشرع الاسلامي ان يتم الاشهاد عليه، خلافا لما عليه الامر بالنسبة لبقية العقود الاخرى المتداولة بين الناس.

    --------------------------------------

    5) انظر المزيد من الايضاح محمد ابن معجوز احكام الاسرة في الشريعة الاسلامية وفق مدونة الاحوال الشخصية. مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء 1983 ص 144 وما بعدها.

    انظر كذلك صلاح الدين زكي م. س ص103 وما بعدها.

    ------------------------------------

    والإشهاد يرمي على العموم الى انشاء العقد بين افراد المجتمع وعلى الخصوص بين الأقارب و الجيران دفعا للريبة وكلام السوء.

    وقد خص عقد الزواج وحده بذلك لانه يتعلق بالأعراض وبالأنساب وتبنى عليه احكام ذات اثر كبير في حياة الشخص وحياة اسرته كحرمة المصاهرة وثبوت النسب والحق في الارث.

    وبالإضافة الى ما سبق فان الاشهاد على الزواج يوفر لصاحب المصلحة في كل نزاع يتعلق بإثبات الزوجية، البينة لشرعية المطلوبة في هذا الصدد (6).

    ونستنتج ان الاشهاد يرمي الى تحقيق غرضين أساسين الاول يتعلق باشهار الزوج، والثاني يتعلق بإثباته امام القضاء .

    تحريم نكاح السر في الفقه الإسلامي:

    6- اذا كان الإشهاد - وبإجماع المذاهب السنية الاربعة كما رأينا- شرطا من شروط صحة الزواج لا يتم هذا الاخير الا بتوفره، واذا كان الإشهاد كمبدأ يفيد الاشهار والاعلان، فان ذلك يفيد من ناحية اخرى ان نكاح السر - وبإجماع المذاهب السنية الاربعة هنا كذلك- يقع فاسدا (7) لكن ما المقصود بنكاح السر؟

    --------------------------

    6) عمر بن عبد الله. احكام الشريعة الاسلامية في الاحوال الشخصية. دار المعارف بالإسكندرية 1968. ص85 وما بعدها.

    7) يقول ابن عاصم الغرناطي وهو بصدد تصنيف الأنكحة الفاسدة :

    والعقد للنكاح في السر اجتنب ولو بالاستكتام والفسخ يجب

    --------------------------

    مفهوم نكاح السر في الفقهي الاسلامي :

    7- لم يتعرض المشرع المغربي من خلال مدونة الاحوال الشخصية لمفهوم نكاح السر.

    ونكاح السر لدى جانب هام من الفقه المالكي هو ما طلب من الشهود الذين حضروا عملية إبرام العقد كتمانه يقول ابن عرفة في هذا المجال : " نكاح السر باطل والمشهور انه ما امر الشهود حين العقد بكثمه ….. (8)

    وللزيادة في الإيضاح يرى هذا الجانب من الفقه ان نكاح السر هو ما طلب من الشهود اثناء العقد او قبله كتمان العلاقة الزوجية، اما اذا طلب منهم ذلك بعد ابرام العقد فلا يكون هناك أي سر(9).

    ونكاح السر يفسخ قبل الدخول وبعده عند المالكية. وقد روي عن الامام مالك رضي الله عنه انه لا ينفسخ اذا طال عليه الأمد (10).

    ---------------------------

    8) انظر شرح الزرقاني على مختصر سيدي خليل، دار الفكر بيروت. ج 3 ص188.

    ويضيف بعض الفقهاء لهذه الصورة الحالة التي يتفق فيها الزوجان والولي على كتمان الزواج.

    جاء في البهجة شرح التحفة : "….. المشهور كما لابن عرفة ان نكاح السر هو ما امر الشهود حين العقد بكتمه ولو كان الشهود ملء الجامع ولا مفهوم للشهود بل كذلك استكتام غيرهم لقول الباجي ان اتفق الزوجان والولي على كتمه ولم يعلموا البينة بذلك هو نكاح سر…"

    التسولي. البهجة شرح التحفة. المجلد الاول دار الفكر. ص271 و272.

    9) انظر محمد بن يوسف الكافي. احكام الاحكام على تحفة الحكام. دار الفكر1978. لبنان ص85 و86.

    انظر كذلك الزرقاني. م . س.

    وانظر التسولي. م. س.

    10) انظر كذلك ميارة الفاسي. شرح على تحفة الحكام . دار الفكر بيروت . ج 1 ص 173.

    انظر الزرقاني . م. س ص 188.

    ---------------------------------

    وقد ذهب الحنفية والشافعية والظاهرية الى ان الزواج ينعقد صحيحا متى حضره شاهدان فقط، ولو طلب منهما كتمانه اذ في رايهم كيف يكون هذا الزواج وقد حضره أربعة هم العاقدان والشاهدان (11)

    هل نكاح السر محقق في الواقعة المضمنة في قرار مجلس الاعلى:

    8- يستفاد من الوقائع الذي أتثبتها القرار ان الزواج التي ابرم بين المدعية والمدعى عليه قد تم الاشهاد عليه من طرف جماعة من الناس، ومن ثم فان نية إخفائه من الزوج عن زوجته الاولى لا يضفي عليه اطلاقا مفهوم نكاح السر من وجهة الفقه المالكي الذي يجب ان تفسر أحكام مدونة الاحوال الشخصية على ضوء مبادئه.

    ولنفرض ان المدعى عليه قد وثق عقد زواجه امام عدلين وعمل كل ما في وسعه لإخفاء هذا الزواج عن زوجته الاولى، فهل يعتبر ذلك نكاح سر ؟

    مما تجدر ملاحظاته ان المجتمع المغربي مليء بافراد متزوجين باكثر من امراة لكنهم يخفون التعدد عن زوجاتهم، بحيث كلا منهن تعتقد انها الزوجة الوحيدة في حياة الرجل. فهل نستطيع القول ان هؤلاء الافراد يعيشون في حرام؟ لا نعتقد ذلك.

    وحتى اذا سلمنا، تمشيا مع منطق المجلس الاعلى - وهو منطق غير سليم كما أسلفنا- بفساد الزواج الذي نحن بصدده، لتخلف ركن الإشهاد فيه، فانه سيكون لا محالة نكاحا مختلفا في فساده، ما دام ان بعض المذاهب السنية الاخرى تعتبر الزواج الذي حضره شهود وطلب منهم كتمانه قد انعقد صحيحا منتجا لكافة آثاره.

    ---------------------------------

    11) محمد البناني. حاشية الزرقاني على مختصر سيدي خليل. م. س ص188.

    راجع كذلك محمد مصطفى شلبي. أحكام الأسرة في الإسلام - دراسة مقارنة دار النهضة العربية. 1977 ص104 وما بعدها.

    ---------------------------------

    والزواج المختلف في فساده - وبصريح الفصل37 من مدونة الاحوال الشخصية يثبت به النسب ويثبت به حق التوارث مادام لم يفسخ (12).

    لو انتبه المجلس الاعلى لهذه الحالة لا اعتبر البنت لاحقة او على الاقل لما تصدى للنزاع، فتظل امكانية ذلك واردة امام محكمة الاحالة، خاصة ان القضاء المغربي ويتقدمه المجلس الاعلى نفسه قد اعتبر في قضايا سابقة ان نسب الأولاد يلحق بالمدعى عليه رغم عدم صحة الزواج (13).

    إثبات عقد الزواج :

    9- ان الفقه الإسلامي عموما - وبدون الدخول في التفاصيل - يسمح باثبات العلاقة الزوجية باقرار الزوجين وشهادة الشهود ببينة السماع وبالقرائن القوية كمعاشرة الرجل والمراة معاشرة الأزواج وظهورهما امام -الناس بذلك المظهر، وقد جرى العمل القضائي بالمغرب - ومنذ زمن بعيد- على قبول شهادة اللفيف كبينة شرعية كافية لاثبات العلاقة الزوجية (14).

    --------------------------

    12) ينص الفصل37 من مدونة الاحوال الشخصية على ما يلي :

    1- النكاح الفاسد لعقده يفسخ قبل الدخول وبعده وفيه المسمى بعد الدخول والفاسد لصداقه يفسخ قبل الدخول ولا صداق فيه ويثبت بعد الدخول بصداق المثل .

    2- كل زواج مجمع على فساده كالمحرمة بالصهر منفسخ بدون طلاق قبل الدخول وبعده ويترتب عليه تعيين الاستبراء وثبوت النسب اذا كان حسن القصد اما اذا كان مختلفا في فساده فيفسخ قبل الدخول وبعده بطلاق ويترتب عليه وجوب العدة وثبوت النسب ويتوارثان قبل وقوع الفسخ".

    13) القرار رقم5 الصادر بتاريخ 9 يناير1978 في القضية ع 62659 أورده الاستاذ احمد الخمليشي في مؤلفه التعليق على قانون الاحوال الشخصية. مطبعة المعارف الجديدة بالرباط1984. ص171 و172.

    راجع كذلك القرار رقم 197 الصادر بتاريخ 22 دجنبر1975 في القضية ع 45891 . أورده الاستاذ احمد الخمليشي وعلق بمرجعه السابق ص172 ( هامش 38).

    -----------------------------

    والفقه الإسلامي كقاعدة عامة لا يعرف مسالة التوثيق عقد الزواج ولا يعرف نظام العدول، وانما هي امور اقتضتها مصالح الناس عند ما تعقدت سبل الحياة، وضعف الوازع الديني لدى أغلبية الافراد (15).

    موقف المشرع المغربي من اثبات عقد الزواج:

    10- يستفاد من بعض مقتضيات التشريع المغربي وخاصة الفصلين 5 و41 من مدونة الاحوال الشخصية ان عقد الزواج لا بد وان يوثق في وثيقة رسمية من طرف عدلين منتصبين للإشهاد في مجلس العقد.

    تعتبر الوثيقة التي يحرره العدلان كمبدأ هي الأداة الاصلية المسموح بها لاثبات العلاقة الزوجية في التشريع المغربي .

    ولان الضرورات تقدر بقدرها، فقد سمح هذا التشريع بصفة استثنائية بسماع دعوى الزوجية عن طريق البينة الشرعية اي الوسائل المتعمدة في الفقه المالكي، وان جرى العمل على اعتماد اللفيف في هذا الصدد.

    واسباب حالة الاستثناء لا تخف على احد وقد تعرض لها المهتمون بفقه لاحوال الشخصية بالتحليل المستفيض فليرجع إليها(16).

    ----------------------------

    14) المزغراني، م. س ص 49 وما بعدها.

    انظر كذلك احمد الخمليشي م. س ص173 وما بعدها.

    15) صلاح الدين زكي م. س ص 146 .

    16) فمن جهة هناك عقود غير موثقة أبرمت قبل دخول مدونة الاحوال الشخصية الى حيز التطبيق والمبدا هو انه ليس للقانون اثر رجعي، ومن جهة ثانية ورغم ان الجهل بالقانون لا يعد عذرا فان أغلبية سكان المدن والبوادي المغربية على غير علم باحكام تلك المدونة ومن جهة ثالثة هناك عادات مستحكمة في نفوس الناس والتي يصعب التخلص منها بكل سهولة في بعض الاحيان ومن جهة رابعة فليس من المستبعد ان تحول امور بين المتعاقدين وتوثيق زواجهما.

    ----------------------------

    مفهوم حالة الاستثناء في القضاء المغربي :

    11- يتبين من القرارات الصادرة عن المجلس الاعلى في هذا الصدد ان القاعدة التي تسمح باللجوء الى حالة الاستثناء هي قاعدة لها طابع موضوعي وطابع شكلي، فمن الناحية الموضوعية فانه يجب على قاضي الموضوع ان يبين بكل ووضوح حالة الاستثناء التي كانت السبب في عدم توثيق الزواج والتي اعتمدها الخصم في الدعوى، ومن الناحية الإجرائية فانه يجب عليه ان يبرر اخذه او عدم أخذه بتلك الحالة والا عرض حكمه للنقض.

    12- لقد عمد القضاء المغربي في مجموعه - ويسايره في ذلك المجلس الاعلى (17)- الى التوسع في مفهوم حالة الاستثناء بكيفية تكاد تستغرق جميع حالات عدم توثيق الزواج رسميا امام العدول. وهكذا فقد قرر ان :

    " جل سكان البادية وحتى البعض من الحاضرة يستغنون عن إحضار العدول اكتفاء بالجماعة وان الإشادة بالزواج وشهرته تكفي، وان مرد ذلك الى العادة التي استحكمت في نفوس المغاربة سواء من بقي بالبادية او من نزع الى الحاضرة وان المشرع المغري عندما اجاز سماع البينة اعتبر ما استحكم في نفوس المغاربة، واعتبر الحفاظ على الاسرة من التصدع طبقا للفقرة الثالثة من الفصل الخامس من المدونة …. " (18) كما اقر في قرار آخر ان " … سببه عدم توفر المتداعيين على عقد نكاح يرجع الى العادة التي ورثها الافراد واستحكمت في نفوسهم مما يجعل البينة هي الوسيلة الكفيلة لحل المشكل …" (19).

    وفي قرار ثالث " … ان إثبات الزواج بالبينة الشرعية يعتبر مصلحة كبيرة للهيئة الاجتماعية …"

    --------------------------

    17) الأحكام المشار اليها في ما يلي - واحكام أخرى كثيرة سوف لن نشير اليها لان التعليق الذي نحن بصدده يتطلب بعض الاجمال - الأستاذ احمد الخمليشي في مرجعه السابق. ص 162 وما بعدها.

    18) قرار رقم111 الصادر بتاريخ 5 ماي1975 قضية تحت عدد 49575 .

    19) قرار رقم29 الصادر بتاريخ 23 يناير1975 قضية تحت عدد 45546.

    -----------------------

    (20) وفي قرار رابع : "… ان المشرع لم يحصر حالة الاستثناء في وجود العدول في منطقة دون اخرى بل ترك الباب مفتوحا امام المتنازعين في اثبات الزوجية بمقتضى الفقرة الثالثة من الفصل الخامس من المدونة…" (21).

    13- وقد علق أستاذنا صلاح الدين زكي على الموقف السالف ذكره قائلا : " ذلك قضاء وان كان لم يسلم من نقض الفقه، فانه سليم وصحيح وسديد، ذلك لانه قد استجاب الى إرضاء الحاجة العملية المشروعة التي تثور في المجتمع المغربي وغيره من المجتمعات الإسلامية في الواقع ،ومع ما يتمشى مع إرضائها هو خير تفسير لنصوص التشريع الوضعي وحفظ الزواج لطابعها الإسلامي، فالشريعة الغراء لا تعرف نظام التوثيق والموثقين. وما يقال من ان هناك مبدا تخصيص القضاء، فمردود بانه مبدا خطا يحسن الابتعاد عنه اذ الواقع انه يمكن اتخاذه وسيلة لقلب أحكام الشريعة الغراء رأسا على عقب …" (22).

    ورغم ذلك، فان القضاء المغربي وعلى راسه قضاء المجلس الاعلى، وان توسع في مفهوم حالة الاستثناء فانه لم يكون دائما واضحا في تفسيره لها اذ كثيرا ما يتناقض مع نفسه في هذا الصدد ويعتبر مثلا ان واقعة ما تبرره الاخذ بحالة الاستثناء ثم يقرر في واقعة مشابهة عكس ما قرره فيما قبل (23) ومن هنا ننطلق لتقييم موقف المجلس الاعلى.

    -----------------------------

    20) قرار رقم153 الصادر بتاريخ30 يونيو1975. قضية تحت عدد 41778 .

    21) قرار رقم228 الصادر بتاريخ 21 ماي1975. قضية تحت عدد 47563.

    22) صلاح الدين زكي. م. س ص146. 23.

    23) ومن ذلك ان القضاء المغربي، ويدعمه المجلس الاعلى في ذلك، يرى احيانا انه لا يمكن اثبات الزواج عن طريق البينة الشرعية في المناطق التي يتواجد بها عدول وفي أحيان اخرى يرى عكس ذلك على ما سوف نوضحه في الفقرة الموالية.

    ----------------------------

    تقييم قرار المجلس الاعلى :

    14- جاء في قرار المجلس الاعلى ما يلي :

    " حيث ان الفصل الخامس من مدونة الأحوال الشخصية اشترط لصحة الزواج حضور شاهدين عدلين يشهدان بالإيجاب والقبول عن المتعاقدين بينما نصت الفقرة الثالثة من نفس الفصل على انه يجوز للقاضي بصفة استثنائية سماع دعوى الزوجية واعتماد البينة الشرعية في ثبوتها وقد صدرت عن المجلس الاعلى عدة قرارات تفسر حالة الاستثناء بحالات معينة كوقوع الزواج في مكان لا عدول فيه او في ظروف يعسر فيها الاستدعاء العدول لإشهادهم على الزواج وما شابه ذلك وليس منه حالة الاستثناء التى اعتمدها القرار المطعون فيه وهي خوف الرجل من امراته الاولى وكتمانه الزواج بغيرها بمفهوم الفصل5 أشار له على ان تلك الحالة تنافي قصد الشارع من الحض على افشاء النكاح وإعلانه …".

    - لقد سبق للمجلس الاعلى من خلال قرارات كثيرة ان قرر ان وجود العدول بمنطقة معينة لا يحول دون توافر حالة الاستثناء. ومن هذه القرارات نذكر القرار رقم37 والصادر في11 فبراير1980 تتلخص وقائعه فيما يلي :

    ان السيدة ….. سجلت دعوى بالمحكمة الابتدائية بمراكش على السيد … والذي يعمل كشرطي بنفس المدينة تذكر فيها ان المدعى عليه وهو زوج لها قد تركها هي وابنائها الثلاثة … منذ … ولإثبات الزوجية ادلت بلفيف، وقد صدر الحكم الابتدائي غيابيا وفق طلبات المدعية مع يمينها على عدم الإنفاق.

    استأنف المدعى عليه هذا الحكم. وقد بين في موجب استئنافي انه لا تربطه بالمدعية اية علاقة زوجية ولا سبق له ان انجب منها، اما اللفيف الذي ادلت به فهو غير صحيح لكونه شرطيا لا يمكن ان يعقد زواجه الا بعد إذن خاص من رؤسائه، وان البينة الشرعية لا يلجا اليها الا عند عدم وجود عدول.

    وقد بينت المدعية في استئنافها الفرعي ان ما جنح اليه المستانف لا يستند على اساس لكونه قد حضر لدى عائلتها صحبة طائفة من الناس وأنكحه إياها وليها امامهم بعد الاتفاق على جميع الشروط الزواج وبعد قراءة الفاتحة وقد لجا المدعى عليه الى هذه الطريقة لانه استحال عليه الحصول على الاذن الإداري اذ سبق له ان حصل عليه وتزوج به من امرأة اخرى قبل ان يعقد على المدعية.

    وقد ألغت محكمة الاستئناف حكم الدرجة الاولى وحكمت من جديد بعدم ثبوت الزوجية لان ليس في الوقائع ما يبرر - حسب زعمها - الأخذ بحالة الاستثناء، وان الزوجية لا تثبت في مثل هذه الأحوال الا بعدلين.

    وقد نقض المجلس الاعلى قرار محكمة الاستئناف معللا موقفه بالكيفية الاتية:

    " وحيث ان حالة المطلوب ضده النقض كشرطي متزوج يصعب عليه الحصول على اذن بالزواج ليمكن له ان يتقدم به امام العدول، وان مثل هذه الحالة تشكل حالة الاستثناء …" (24).

    وبالإضافة الى القرار السابق هناك القرار رقم611 الصادر عن المجلس الاعلى بتاريخ 13 يونيو1983 تتلخص وقائعه كما يلي :

    سجلت السيدة … مقالا لدى قاضي أولاد عبو ذكرت فيه انها متزوجة بالسيد …. لمدة اربعة سنوات وقد أنجبت منه بنتا له من العمر ثلاث سنوات.

    -----------------------

    24) ج. ع 37 الصادر بتاريخ11 فبراير1980 في القضية تحت عدد74935 ( قرار غير منشور).

    -----------------------

    وقد غادر بيت الزوجية منذ سنتين تقريبا ولم يعد ينفق عليها ولا على بنته منها.

    ولقد أجاب المدعى علي بالإنكار سواء فيما يتعلق بالزوجية او فيما يتعلق بالبنت.

    ولقد أثبتت المدعية الزواج عن طريق لفيف.

    ولقد رفض القاضي الابتدائي دعوى المدعية لانه تبين له ان شهود اللفيف يقطنون بالبيضاء وليس بالمكان الذي رفعت به الدعوى.

    لقد الغت محكمة الاستئناف بسطات ذلك الحكم، وحكمت للمدعية من جديد بثبوت الزوجية وبالنفقة المطلوبة.

    وبتاريخ6 يوليوز1976 نقض مجلس حكم استئنافية سطات على اساس ان هذه الاخيرة لم توضح حالة الاستثناء التي اعتمدتها، لقد أحيلت الدعوى على استئنافية البيضاء.

    وقد حكمت استئنافية البيضاء بثبوت الزوجية بناء على شهادة الشهود رغم انهم يقطنون بالبيضاء لانه قد تبين للمحكمة المذكورة بان الزوج قد تزوج بالمدعية بالبيضاء وسكن معها في تلك المدينة ومنطقيا لن يكون الشهود الا من البيضاء.

    الذي يثير الانتباه في هذه القضية - بالاضافة الى كون مدينة الدار البيضاء ملأى بالعدول - الطريقة التي عللت بها محكمة الاحالة الاستثناء والتي اقرها عليها مجلس الاعلى نفسه :

    " … واما الدفع بكون الزوجية لا تثبت الا بعقد النكاح المنصوص عليه في اول الفصل الخامس من المدونة، فان المنصوص عليه فقها انه لا يجوز الدخول بالزوجة الا بعد العقد عليها كما هو مذكور في اول الفصل الخامس ولكن بعد الوقوع ودخول الزوج بزوجته فان النكاح يفسخ بان العقد ليس بركن ولا شرط في النكاح، كما في فتوى ابن لب حسبما نقله التسولي عند قول العاصمية.

    وفي الدخول الختم في الإشهاد * * * وهو مكمل في الانعقاد

    ان ان إثمار النكاح مع علم الولي للزوجين يكفي وان لم يحصل اشهاد وهكذا كانت أنكحة السلف وهكذا حين يكون النكاح والدخول مشتهرا شائعا يسقط الحد باتفاق وثبت النكاح الشيء الذي حدا بالمشرع المغربي ان جعل حالة الاستثناء في الفقرة الثالثة من الفصل الخامس المذكور انه يجوز بصفة استثنائية اثبات الزوجية بالبينة الشرعية ذلك انه اذا وقع النكاح والدخول بين الزوجين ونتج عن ذلك الزواج مولود فان الزوجية تثبت بالبينة ولو كانت سماعية كما في الشيخ خليل وغيره وأقرته الفقرة الثالثة المشار اليها …" (25).

    والحقيقة ان ما ضمن بهذا الحكم يستحق نقاشا قد يخرجنا عن الموضوع الذي نحن بصدده، يكفي ان نقول ان مفهوم حالة الاستثناء تتطلب من القضاء إبراز العائق الذي حال دون توثيق عقد الزواج وهو ما لم تقم به محكمة الاحالة وانما أبرزت المبادئ العامة للزواج في الفقه المالكي فتكون تلك المحكمة قد جانبت الصواب من حيث التعليل وان انتهت الى نتيجة عادلة.

    هل هو تراجع ام سهو ؟

    15- قد يبدو ان المجلس الاعلى - ومن خلال القرار الذي نناقشه- قد تراجع عن مواقفه السابقة والتي أعطينا عنها مثالين من خلال الوقائع أعلاه والتي دارت بمدينة مراكش ومدينة الدار البيضاء وهما مدينتان لا يمكن أبدا ان نقول انه ليس بهما عدول.

    ---------------------------

    25) القرار611 الصادر في 13 يونيو1983 منشور بمجلة قضاء المجلس الاعلى ع 35/36 ص135 وما بعدها.

    -------------------------

    بل ويبدو لنا جيدا من خلال العبارات التي استعملها المجلس الاعلى وخاصة عبارة " … لقد صدرت عن المجلس الاعلى عدة قرارات تفسر حالة الاستثناء بحالات معينة كوقوع الزواج بمكان لا عدول فيه … " ان مصدري هذا القرار لم يكونوا على علم كاف بالمواقف السابقة للمجلس الاعلى بهذا الصدد.

    خطورة قرار المجلس الاعلى على الوضع الاجتماعي والديني للأسرة المغربية.

    16- نخلص مما سبق ان القضاء المغربي كثيرا ما يتناقض بصدد حالة الاستثناء، وان هذه التناقض قد يتمثل خطرا واضحا على الأسرة المغربية من ناحيتين:

    فمن جهة، فان وضعية الاسرة التي لم توثق عقد الزواج الذي ترتكز عليه وتستمد منه شرعيتها امام العدول قد تكون وضعيتها جد هاشة بحيث تتوقف هذه الوضعية على موقف القضاء المغربي من تفسيره لحالة الاستثناء، وهو موقف يتقلب من واقعة لأخرى كما أسلفنا.

    ومن جهة ثانية، فان عدم توثيق عقد الزواج امام العدول مع الاشهاد عليه من طرف عامة المسلمين قد يجعل هذا الزواج باطلا من ناحية القانون الوضعي مع ما يترتب على ذلك من اثار وخيمة قد تمس الأبناء في نسبهم، وصحيحا ومنتجا لكافة اثاره من ناحية الفقه الإسلامي.

    وبالإضافة الى ما سبق فاننا نعتقد ان مسالة توثيق عقد الزواج قد قرر في الدرجة الاولى لمصلحة الزوجة التي تكون عادة ضحية الإنكار من طرف الزوج او ورثته عند وفاته على ما يستفاد من كثرة القضايا التي تعرض عادة على المحاكم المغربية. لذلك فيجب ان تفسر الفقرة الثالثة من الفصل الخامس من مدونة الاحوال الشخصية لمصلحتها لا ضدها.

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد، 52، 61.