أدخل كلمة للبحث

إصلاح قانون الإضراب بالمغرب

إصلاح قانون الإضراب بالمغرب

    إصلاح قانون الإضراب بالمغرب

    ضروراته ومداخله

    ذ.محمد الشرقاني

    كلية الحقوق بمراكش

    مقدمـة:

    إذا كان معروفا عن الإضراب، لأول وهلة وبالنظر لمضمونه الاجتماعي أنه تجربة قوة ونوع من التحدي لسلطة المشغل أو الدولة ومظهر من مظاهر الصراع الاجتماعي بين أطراف ذات مصالح متعارضة من شأنه خلق التوتر بينها، وبالنظر لمضمونه الاقتصادي كمحاولة للضغط على الخصم إرباك السير العادي لإنتاج المؤسسة وتكليفها خسارة اقتصادية، إذا كان الأمر كذلك فإن الإضراب منظور إليه في أبعاده العميقة يؤدي تجذ ير ممارسته المسؤولة والمنظمة إلى تحقيق أهداف عكس ما يوحي به التحليل السطحي لمضمونه باعتباره (الإضراب) مصدر توتر اجتماعي واضطراب اقتصادي.

    فالإضراب إذ يهدف، في بعده الاجتماعي، إلى تعزيز المشاركة العمالية في القرارات التي تهم المؤسسة وتقوية مكانة الطبقة الشغيلة كطرف أساسي في علاقات الشغل، ينتهي ـ بعد إخماد التوتر المؤقت الذي يصاحبه ـ إلى تنمية علاقات "صحية" منسجمة بين أطراف الشغل وإقرار سلم اجتماعي على قاعدة ما أفرزه الإضراب من مفاوضات ومصالحة...

    والإضراب إذ يهدف، في بعده الاقتصادي، إلى تقليص هامش اللامساواة الاقتصادية بين أطراف الإنتاج بتحسين الأوضاع المهنية للعمال وضمان مستوى مناسب للعيش برفع معدل الأجور وضمان الامتيازات الاجتماعية المرتبطة به يحقق في النهاية، لا محالة، انتعاشا في وتيرة الاقتصاد الوطني...

    لذلك فإن ممارسة الحقوق التي يضمنها تشريع الشغل، ومنها حق ـ الإضراب تساهم ـ كما هو بالضبط موضوع هذه الندوة ـ في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

    وبديهي أن تحقيق الإضراب لأهدافه السابقة الذكر لا يتم إلا إذا كان ضمانه كحق، ولو بنص دستوري، مشمولا بحماية تشريعية منظمة تعزز تكريس مشروعية الدستورية.

    هذا في وقت تكشف لنا تجارب حركات الإضراب الواسعة التي شهدها المغرب في العقدين الأخيرين وخاصة الإضرابات العامة لسنوات 1979، 1981 و1990 وما أفرزته من أحداث نوعية اجتماعية وسياسية وجدل قانوني صاخب، إن الضمان الدستوري لحق الإضراب (الفصل 14) مع استمرار تعليق إصدار القانون التنظيمي الذي ينتظر منه تحديد شروط وإجراءات ممارسة هذا الحق، لم يكن كافيا لضمان حماية حقيقية لهذا الحق بأفق تكريس مشروعيته، بل سيسمح هذا الصمت التشريعي ـ وبجانب عوامل أخرى مختلفة الأبعاد ـ بانبعاث تنظيم قانوني وإن كان مصدره ليس هو القانون التنظيمي المنتظر صدوره بالمسطرة الخاصة المعروفة عنه، إلا أنه تنظيم مكتمل المكونات والمصادر ساهمت في تكريسه "الاجتهادات" القضائية والخطابات الرسمية والتي تنتهي إلى التضييق من نطاقه مشروعية حق الإضراب، إلى حد أن كاد هذا التنظيم أن يرتقي إلى مستوى "نظام قانوني" يحكم ممارسة هذا الحق أريد به أن يصبح بديلا عن القانون التنظيمي الموعود به.

    على قاعدة هذه الفرضية تبلورت قناعتنا بإصلاح الإطار القانوني للإضراب وذلك لضرورات متعددة نعالجها في محور أول مع التفكير في محور ثاني في المداخل الممكنة لتحقيق هذا الغرض.

    المحور الأول: ضرورات الإصلاح.

    لاشك أن عوامل عديدة تقف وراء الإلحاح في رفع نداء إصلاح الإطار القانوني الذي يمارس ضمنه حق الإضراب، والمتمثلة خصوصا في التحديات التي يواجهها من جهات مختلفة وواجهات متعددة.

    وهي التحديات التي نعتقد أنها برزت وانتعشت بفعل طبيعة الوضع السياسي والاقتصادي العام وكذا بسبب استمرار تعييب القانون التنظيمي الذي مازال المشرع مترددا في إصداره في وقت صدرت فيه جميع القوانين التنظيمية الأخرى المهتمة بمجالات قانونية مختلفة.

    وهكذا فعلى الرغم من الضمان الدستوري الصريح لحق الإضراب فما زال هذا الضمان، سواء على مستوى القانون أو الواقع، هشا بفعل استمرار حضور مواقف متعددة تنتهي بشكل أو بآخر إلى المس بمبدأ المشروعية الدستورية لهذا الحق أو في أفضل الحالات إلى تقليص نطاق هذه المشروعية وتقييد ممارسة هذا الحق.

    وهي المواقف التي تستنتج سواء من النصوص التشريعية أو من بعض الاجتهادات القضائية وكذا من خطابات وممارسات أرباب العمال والسلطة العامة بمناسبة بعض حركات الإضراب الواسعة.

    نعالج إذن هذه المواقف من خلال الاستنتاجات الثلاثة التالية:

    أولا: ضعف التكريس التشريعي للضمان الدستوري لحق الإضراب.

    ثانيا: انتعاش التطبيقات والاجتهادات القضائية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب.

    ثالثا: تصاعد مواقف الخصم الاجتماعي والسياسي المتعارضة مع الاعتراف الدستوري بحق الإضراب.

    أولا: ضعف التكريس التشريعي لضمان الدستور لحق الإضراب.

    إذا كان واضحا أن الاعتراف بمشروعية حق الإضراب لم يعد من حيث المبدأ، محل شك بصدور أول دستور مغربي الذي توج في الواقع الاعتراف التشريعي الضمني بهذا الحق من خلال نصوص سابقة مثل ظهير 19 يناير 1946 الذي سمح باللجوء إلى الإضراب بعد استنفاذ مسطرة المصالحة والتحكيم، وقانون الحريات العامة لسنة 1958 الذي لم يمنع الإضراب والقانون الجنائي الذي لم يجرم ممارسة هذا الحق من حيث المبدأ، إذا كان الأمر كذلك، فإن ضعفا مازال يكتنف موقف المشرع يتمثل في تجاوزه لهذا الاعتراف الدستوري الصريح بحق الإضراب من خلال مواقف تتراوح بين منع ممارسة هذا الحق بالنسبة لبعض القطاعات المهنية(I) وفرض قيود على ممارسته بالنسبة للفائت الاجتماعية المستفيدة منه من حيث المبدأ(II).

    1)فعلاوة على تدخل المشرع ـ وبعد صدور الدستور ـ لمنع ممارسة الإضراب على بعض العاملين في القطاع العام كرجال الأمن(1) والجيش والعاملين بإدارة السجون(2)ورجال القضاء(3) وتمديد هذا المنع إلى بعض العاملين في بعض المهن الحرة كالمحامين الذين لا يحق لهم الاتفاق على إيقاف المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاة(4)، فقد أريد تعميم هذا المنع ـ قسرا ـ على جميع الموظفين من خلال "بعث" مرسوم 5 فبراير 1958 الذي يمنع فصله الخامس ممارسة الإضراب على الموظفين وأعوان الإدارة والمكاتب والمؤسسات العمومية وهو المرسوم الذي تم "تعزيزه" بإصدار منشورات وزارية لاحقة تذكر بمضمونه(5).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1)الفقرة الثانية من الفصل الخامس من ظهير فاتح مارس 1963 بشأن النظام الأساسي الخصوصي للمتصرفين بوزارة الداخلية.

    (2)الفصل 35 من ظهير 2 فبراير 1967 والفصل 24 من مرسوم 12 نونبر 1974.

    (3)الفقرة الثانية من الفصل 13 من ظهير 11 نونبر 1974 بمثابة قانون أساس رجال القضاء.

    (4)الفقرة الأولى من الفصل 34 من ظهير 21 نونبر 79 بشأن تنظيم مهنة المحاماة.

    (5)مثال المنشور الصادر عن وزير الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري في 20 يوليوز 1960 وكذا المنشور الصادر عن الوزير الأول في 7 أبريل 1979.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    وبجانب موقف المنع يلاحظ استمرار تبني المشرع لموقف تقييد ممارسة حق الإضراب بالنسبة للفئات العاملة المستفيدة منه، وذلك إما بتعليق مشروعية الإضراب على ضرورة الاستنفاذ المسبق لبعض الإجراءات الإدارية المتمثلة في مسطرة المصالحة والتحكيم (أ) أو بالسماح للسلطة العامة بتوقيف أية حركة حتى ولو كانت مشروعة منذ البدء في صيغتها وهدفها عن طريق التقنية المعروفة بنظام "التسخير" (ب) ما تجريم بعض الأفعال المرتكبة بمناسبة الإضراب (ج).

    أ)فالإضراب يظل في إطار ظهير 19 يناير 1946 غير مشروع إذا تجاوز منظمه اللجوء الإلزامي إلى مسطرة المصالحة والتحكيم وذلك تحت طائلة عقوبات تأديبية تصل في حالة العود إلى غرامة 60 ألف درهم (الفصل 34)، وجزاءات أخرى ضد الطرف الذي لم يلتزم بتطبيق القرار الذي أسفرت عنه هذه المسطرة بعد أن اختار الخضوع لها في البداية.

    ب ـ كما تخضع، تطبيقا للظهيرين المتعلقين بنظام التسخير(6) مواصلة حركة الإضراب رغم قرار التسخير المتخذ من جانب السلطة العامة إلى عقوبات زجرية تنتهي بالمضربين المتمسكين بممارسة حقهم في الإضراب، إلى السجن.

    ج ـ بل إن المشرع الجنائي سيذهب إلى حد تخصيص عقوبة قاسية تصل إلى حد المنع من الإقامة لمدة خمس سنوات ضد العمال المرتكبين ـ أثناء ممارسة حق الإضراب ـ بما يعرف بجريمة المس بحرية الشغل(7).

    ثانيا: انتعاش التطبيقات والاجتهادات القضائية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب.

    على الرغم من الإقصاء القانوني للقضاء المغربي من مجال البث في نزاعات الشغل الجماعية، فإن انزلاق الإضراب من نزاع جماعي بالمؤسسة إلى نزاع فردي أمام القضاء قد أتاح لهذا الأخير فرصا عديدة للتأكيد من حيث المبدأ ـ بصفة صريحة أو ضمنية ـ على مشروعية حق الإضراب سواء قبل صدور الدستور متأثرا في ذلك بما وصل إليه النظام القانوني للإضراب بفرنسا من تكريس لمشروعية حق الإضراب، الدستور الفرنسي لسنة 1946 وقانون 11 فبراير 1950(8)، أو بعد صدور الدستور معتمدا في ذلك على الفصل 14 كسند قوي لمبدأ المشروعية وذلك من خلال العديد من القرارات نشير منها على سبيل المثال إلى:

    ـ الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بمكناس بتاريخ: 30 مارس 1982(9).

    ـ الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ: 25 غشت 1983(10).

    ـ الحاكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء بتاريخ 6 يناير 1984(11).

    ـ وآخر بتاريخ 11 يونيه من نفس السنة(12).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (6)ظهير 11 ماي 1931 المتعلق بالتسخير الذي يباشر لأجل المحافظة على الأمن والراحة والصحة العمومية وظهير 13 شتنبر 1938 المتعلق بالتنظيم العام للبلاد خلال فترة الحرب.

    (7)الفصل 288 من القانون الجنائي.

    (8)مثال حكم محكمة الشغل بالدار البيضاء الصادر في 27 يونيه 1962 الذي ذهب إلى حد اعتبار ممارسة حق الإضراب مشروعة حتى مع تجاوز مسطرة المصالحة والتحكيم.

    (9)منشور بالمجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد. العدد 15 السنة 1984 الصفحة: 195 (الحكم عدد: 558).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    هذا وإن ظلت مساهمة القضاء المغربي في تحديد نطاق مشروعية حق الإضراب، خجولة سواء في ما يتعلق بتحديد أشكاله وأهدافه بحيث اكتفى بتأكيد مشروعية كل من الإضراب المبرقع (حكم محكمة الاستئناف بمكناس الصادر بتاريخ 30 مارس 1982) والإضراب المفاجئ (استنتاجا من حكم المحكمة الابتدائية بأكادير الصادر في 21 شتنبر 1982) والإضراب التضامني المحصور في المؤسسة الواحدة (حكم المحكمة الابتدائية بالبيضاء الصادر في 6 يناير 1984 المشار إليه أعلاه).

    إلا أن هذه المواقف المشرقة للقضاء المغربي لم تكن هي المنحى العام الذي استقر عليه القضاء في اتجاه تكريس مشروعية حق الإضراب، بل سيلاحظ وبمناسبة بعض حركات الإضراب الواسعة ميله لاتجاه التقليص من نطاق مشروعية هذا الحق وذلك بالاعتماد على تقنيات قانونية خاصة تختلف عما اعتمده القضاء الفرنسي لإخراج العديد من أشكال وأهداف الإضراب من مجال المشروعية.

    وهكذا يمكن التمييز، بالنسبة للقضاء المغربي ـ عند عزمه التصريح بعدم مشروعية بعض الإضرابات بين موقف ثابت متمثل يف التطبيقات القضائية للنصوص التشريعية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب(I) وموقف متغير خاضع لتقلبات المناخ السياسي العام ونوعية وسعة الإضراب المصاحب لهذا الظرف وهو الموقف المتمثل في "الاجتهادات القضائية القسرية" المطبقة في حق المضربين(II).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (10)رقم: 8375 غير منشور.

    (11)رقم: 29 منشور بالمجلة المغربية للقانون عدد 3. يوليوز ـ غشت: 1986. ص 178 ـ 181.

    (12)عدد 2027 منشور بمجلة المحاكم المغربية العدد 39 ـ شتنبر ـ أكتوبر 1985. ص 191. 194.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    I ـ بالنسبة للموقف الأول يلاحظ ـ وباستثناء ظهير 19 يناير 1946(13) أن القضاء المغربي لم يتردد في تطبيق كل النصوص القانونية المقيدة لحرية ممارسة حق الإضراب، حيث يمكن الإشارة بصفة خاصة إلى شيوع لجوئه إلى الفصل 288 من القانون الجنائي لمعاقبة المضربين، من نماذج ذلك نذكر:

    ـ قرار المجلس الأعلى الصادر في 12/12/1973(14).

    ـ حكم محكمة الاستئناف بأكادير الصادر بتاريخ 8 مارس 1982(15).

    ـ حكم محكمة الاستئناف بمراكش الصادر بتاريخ 28 يونيه 1982(16).

    كما يلاحظ أيضا سيادة استعمال تقنية الخطأ الجسيم لترتيب أثره القانوني في حق المشرب والمتمثل في طرده من عمله دون أية تعويضات وذلك بالالتجاء إلى تطبيق النص العام الذي يتضمن لائحة بالأخطاء الجسيمة (الفصل 6 من النظام النموذجي) في حين اعتمد القضاء الفرنسي على نص خاص بأثر ارتكاب المضرب لخطأ جسيم (قانون 11 فبراير 1950 الفصل الرابع).

    II ـ أما بالنسبة للموقف الثاني الذي يصل في نهايته إلى حد المس أصلا بمبدأ مشروعية حق الإضراب، فيتعمد فيه القضاء على تقنيات قانونية متعددة يمكن الإشارة منها إلى اثنتين أساسيتين.

    1)الاعتماد على ظهير 29 يونيه 1935 المعروف بظهير "كل ما من شأنه" الذي يعاقب على الإخلال بالنظام العام والأمن من نماذج ذلك نشير إلى:

    ـ قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ 18/12/1973(17).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (13)فإضافة إلى حكم محكمة الشغل بالبيضاء لسنة 1962 المشار إليه أعلاه نجد أن القضاء المغربي قد ذهب إلى حد التصريح... بالاوجود فعلا لهيئات المصالحة والتحكيم، وبذلك يتعذر تطبيق الفصل 1 من ظهير 19 يناير 1946 (الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالبيضاء بتاريخ 11 يونه 1984 السابق الذكر).

    (14)أشار إليه الأستاذ أحمد العواني في أطروحته:

    « Introduction à l'étude du droit du travail marocain : Nouvelles tendances dans une société en changement » Thèse de Doctorat d'Etat. PARIS I. 1982. P 479.

    (15)غير منشور.

    (16)غير منشور. رقم 4081.

    (17)أشار إليه الطاموني محمد في رسالته:

    « La responsabilité de l'employeur pour rupture abusive du contrat du travail à durée indéterminée » Mémoire de DES -Rabat. 1983. P 40.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ـ قرار المجلس الأعلى الصادر بتاريخ فاتح شتنبر 1983(18) الذي اعتبر التحريض على الإضراب عملا من شأنه الإخلال بالنظام العام طبقا لظهير 29 يونيه 1935.

    2)الاعتماد على ظهير 16 يوليوز 1957 الذي يحصر صلاحيات النقابات في الدفاع عن المصالح الاقتصادية لمنخرطيها، وذلك من أجل إقصاء الإضرابات ذات المضامين السياسية والتضامنية من مجال مشروعية حق الإضراب.

    وقد عبر عن هذا الموقف في بعض القرارات القضائية نذكر منها على سبيل المثال مجموعة من الأحكام التي صدرت عن المحكمة الابتدائية لمدينة المحمدية بتاريخ 21 شتنبر 1979(19).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (18)منشور بـ "مجموعة قرارات المجلس الأعلى ـ المادة الجنائية: 1966 ـ 1986" المعهد الوطني للدراسات القضائية ـ وزارة العدل ـ منشورات جمعية تنمية البحوث والدراسات القضائية ـ 1987.

    (19)أوردها طاموني محمد المرجع السابق.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ثالثا: تصاعد مواقف الخصم الاجتماعي والسياسي المتعارضة مع الاعتراف الدستوري بحق الإضراب.

    نقصد بالخصم الاجتماعي الباترونا من خلال ردود فعلها المختلفة والمضادة لحركات الإضراب(أ) وبالخصم السياسي بعض أطراف التحالف الحكومي من خلال موقفها من هذه الحركات خطابا وممارسة (ب).

    أ ـ فحول موقف الباترونا المغربية من حركات الإضراب لا نبالغ إذا قلنا إنه لا يقل في مضمونه عنفا من موقف الباترونا في عهد الاستعمار حيث تكريس العديد من الممارسات العدوانية ضد المضربين في جميع مراحل الإضراب.

    ـ فيف مرحلة الإعلان عن الإضراب تجتهد الباترونا في خلق أساليب المناورة لتفاديه من مساومات ووعود غير صادقة لتحقيق المطالب أو التعنت أولا في فتح الحوار بشأنها...

    ـ وخلال سريان الإضراب كثرت الوسائل الهادفة إلى الحد من فعاليته أو تكسيره مثل تعويض المضربين بعمال جدد أو فرض العطلة السنوية خلال فترة الإضراب ناهيك عما وصلت إليه ممارسات بعض أرباب العمل التي تمس بشخص العامل المضرب من إيذاء وعنف..

    ـ أما بعد انتهاء الإضراب فلا تتردد الباترونا في الانتقام من المضربين بأشكال مختلفة من انتقالات تعسفية وتسريحات فردية أو جماعية، بل وأحيانا إغلاق المؤسسة كإجراء مضاد لحركة الإضراب.

    وحتى مع افتراض نجاح حركة الإضراب واضطرار رب العمل لقبوله تحقيق بعض المطالب وتوقيع تعهدات بذلك يطلق عليها عادة "بروتوكولات ما بعد الإضراب" فغالبا ما يتم خرقها فيما بعد على الرغم من أنها توقع في الغالب بحضور مفتش الشغل وممثل عن السلطة العامة.

    ب ـ أما عن موقف الحكومة فمعلوم أنها تظل دائما ذات حساسية مفرطة تجاه حركات الإضراب خاصة إذا كان من نوع الإضراب العام أو إضراب الموظفين، بل وتحاول تبرير عدم مشروعيتها من خلال خطابها السياسي حول هذين الصنفين من الإضراب، ناهيك عما ترتبه من جزاءات ضد المشاركين فيه.

    ـ فعلى مستوى الخطاب الحكومي: يلاحظ إصراره العنيد على خوض جدل مشروعية حق الإضراب في كل مناسبة إضراب عام أو إضراب الموظفين وذلك في اتجاه إهدار هذا الحق واعتمادا على مبررات عديدة نذكر منها بإيجاز:

    ـ الإضراب العام إضراب سياسي يؤدي إلى المس بالنظام العام والأمن ومن ثم فلا يمكن قبوله انسجاما مع العادات والتقاليد الجارية في البلدان الديموقراطية(20).

    إن الظرفية السياسية المرتبطة بالقضية الوطنية لا تسمح بشن إضرابات عامة، وأن المشاركين أو الداعين إلى هذه الإضرابات هم غير وطنيين.

    إن الإضراب أيا كان نوعه يظل غير مشروع في غياب القانون التنظيمي الذي وعد الدستور بإصداره (21).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (20)من البلاغ الحكومي الصادر عن وزارة الإعلام بتاريخ 5 دجنبر 1990.

    (21)عن هذا النوع من الخطاب الحكومي راجع على سبيل المثال: راجع بعض افتتاحيات وزير الدولة السيد أحمد العلوي من خلال:

    « Le Matin du Sahara du Mercredi 24 Janvier 1979 « Les grèves, défense nationale et développement économique » « Maroc Magazine » : « Le mouvement antisocial et antinational » 8-4 Avril 1979 et « Le Matin du Sahara e t du Maghreb du 7 Décembre 1990. N° 7258.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    أما على مستوى الممارسة الحكومية: فيلاحظ أن الحكومة ولمدة طويلة ظلت رافضة لفتح الحوار مع المنظمات النقابية ولا تقبله في ظروف معينة إلا من منطلق الاحتواء واختبار القوة، بل ولا تبدي استعدادها لتلبية مطالب المضربين إلا من منطلق تفادي الإضراب أو تكسيره، كما حصل مثلا عند اتخاذ الكونفدرالية الديموقراطية للشغل لقرار إضراب 19 أبريل 1990...

    كما اعتادت الحكومة عند الإعلان عن الإضراب على إصدار المنشورات والمذكرات والبلاغات لتهديد العازمين على المشاركة في الإضراب بعقوبات وجزاءات جنائية مثل منشور الوزير الأول لأبريل 1979 والبلاغ الحكومي ليوم 5 دجنبر 1990...

    هكذا إذن نستنتج في نهاية هذا المحور الأول سيادة شبه نظام قانوني قمعي متعارض مع الاعتراف الدستوري بحق الإضراب ساهم في بلورته المشرع والقضاء والتقاليد المكرسة في علاقة النقابات بأرباب العمل والسلطة العامة. كل ذلك جعل الإلحاح في طرح مبدأ (إصلاح هذا النظام ضرورة مستعجلة).

    المحور الثاني: المداخل الأساسية للإصلاح.

    لا نطح في إطار هذا المحور الثاني طرح مقترحات جاهزة مكتملة العناصر لوضع نظام للإضراب على المشرع الأخذ به عند عزمه الخروج عن صمته وتنظيم ممارسة هذا الحق، بقدر ما نتوخى مجرد تحديد لملامح بعض المداخل الأساسية التي يظل الانطلاق منها ضروريا للتفكير في إصلاح هذا النظام بأفق تدعيم المشروعية الدستورية لحق الإضراب وتقوية حمايته القانونية.

    ونعتقد أن تحقيق هذه الغاية مسؤولية يتحمل عبئها جميع الأطراف المعنية بنزاعات الشغل الجماعية وظاهرة الإضراب على الخصوص، ونعني بها أساسا كلا من المؤسسة التشريعية من جهة أولى (أولا) والمؤسسة القضائية من جهة ثانية (ثانيا) وأطراف النزاع من جهة ثالثة (ثالثا).

    أولا: فعلى مستوى مسؤولية المشرع: فقد بات ملحا تجاوز موقف الصمت وإخضاع ممارسة حق الإضراب لقوة القانون بدل "قانون القوة" الذي يحكمها سواء في علاقة المنظمات النقابية بالمشغل أو بالسلطة العامة بمناسبة الإضراب (I، هذا علاوة على ضرورة إلغاء كل النصوص التشريعية المقيدة لحرية ممارسة هذا الحق والتي أضحت متعارضة مع الاعتراف الدستوري المبدئي بحق الإضراب (II).

    ـ ففي تقديرنا سيحقق إصدار القانون التنظيمي المنتظر عدة أهداف أساسية منها على الخصوص:

    1)ضبط تنظيم تشريعي واضح للعلاقة بين أطراف النزاع في جميع مراحل الإضراب قبل شنه وأثناء سريانه وبعد انتهائه طالما لا تسعف المبادئ القانونية العامة في حسم العديد من الإشكالات التي ظلت معلقة.

    وهكذا سيمكن تنظيم ممارسة حق الإضراب من تنظيم العلاقة سواء بين النقابة وقواعد العمال عند اتخاذ قرار الإضراب أو بينها ورب العمل بخصوص قبوله أو رفضه الحوار بشأن المطالب المطروحة عليه حيث الصمت التشريعي عن تنظيم العلاقة بين الممثل النقابي وبين رب العمل خلافا لعلاقة هذا الأخير بمندوب العمال.

    أما أثناء سريان الإضراب فيكون على المشرع الحسم في مصير عقد الشغل بالنسبة للعمال المضربين وكذا مصير الحقوق الناتجة عن هذا العقد من أجر وتعويضات وامتيازات مادية وعينية، علاوة على ضرورة ضمان حقوق العمال غير الراغبين في المشاركة في حركة الإضراب سواء في علاقتهم برب العمل أو بالعمال المضربين.

    كما بات ضروريا ضبط العلاقة بين أطراف النزاع بعد انتهاء حركة الإضراب خاصة مع تصاعد ردود الفعل المختلفة لأرباب العمل تجاه المشاركين في الإضراب كما تم الكشف عن ذلك سابقا.

    وعموما يتمثل الهدف من القانون التنظيمي إرساء القواعد القانونية المنظمة لحقوق والتزامات أطراف النزاع بمناسبة الإضراب.

    2)الهدف الثاني الذي ينتظر تحقيقه بإصدار القانون التنظيمي فيتمثل في تحديد مسؤولية تدخل كل من الجهاز (من مفتشية الشغل وسلطة عامة) والجهاز القضائي بمناسبة حركات الإضراب وذلك لما لاحظناه سابقا من هامش واسع للجهاز الإداري للتدخل في هذه الحركات وبسبب نوعية التأويلات القضائية للنصوص التشريعية المقيدة لحرية ممارسة حق الإضراب.

    3)أما الهدف الثالث المتوخى من تنظيم ممارسة حق الإضراب، فهو العمل على تفادي تلك القراءات الرسمية لبعض أطراف التحالف الحكومي بل ولبعض رجال القضاء(22) التي ترمي إلى تعليق مشروعية حق الإضراب على صدور القانون التنظيمي علاوة على تفادي تلك التأويلات الغامضة للسلطة العامة حسب الظروف السياسية المصاحبة لحركة الإضراب والرامية إلى الطعن في مشروعية الإضراب كلما اتخذ مدى واسعا في حين أن الإضراب العام يظل مشروعا طالما لا يطعن في مشروعية السلطة السياسية بقدر ما يحاكم السياسة الاقتصادية للحكومة.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (22)مثال ذلك تصريح لوكيل الملك في جلسة محاكمة بعض القادة النقابيين للك.ر.ش. على إثر إضراب 20 يونيه 1981 (أشار إليه الأستاذ أحمد العواني في أطروحته المشار إليها أعلاه. ص 400).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    وإذا كان البعض من الفقه المغربي وكذا جل النقابات وخاصة: ا.ع.ش.م.و.ك.د.ش. مازالوا يتحفظون، ومن حيث المبدأ على تنظيم ممارسة حق الإضراب من منطلق التخوف من أن يقيد هذا القانون هذه الممارسة عوض تكريس مبدأ المشروعية خاصة مع طبيعة ميزان القوة السائد في المؤسسة التشريعية فإننا نقدر أن تخوفها غير مبرر سواء من الناحية القانونية أو الواقعية.

    فمن الزاوية القانونية لا يفترض بداهة أن يتعارض مضمون القانون التنظيمي من حيث المبدأ ـ مع دستورية حق الإضراب انسجاما مع ما يعرف بالسمو الدستوري الذي يفترض احترام كل القوانين لمقتضيات الدستور وفرض هذا الاحترام على كل من الحاكمين والمحكومين، وطالما أن هذا الجنس الجديد من القوانين يعتبر محميا بشكل مضاعف قياسا للقوانين العادية حيث ضرورة مراقبته من طرف الغرفة الدستورية، وطالما أن جميع القوانين التنظيمية التي صدرت بالفعل في مجالات مختلفة لم تخالف المبادئ المقررة في الدستور، ناهيك عن أن الغاية من إصدار هذا القانون تظل فقط تنظيم العلاقة بين أطراف النزاع دون أن يعني ذلك، البتة تعطيل ممارسة هذا الحق إلى حين صدور هذا القانون.

    ـ أما من الزاوية الواقعية، فإن الموقف المتحفظ من تنظيم ممارسة حق الإضراب يظل ـ في نظرنا ـ متجاهلا للدينامية المتجددة لأي نضال نقابي أو سياسي، وسجينا للظرفية السياسية الراهنة ذات المؤشرات المحبطة لطموحات الطبقة الشغيلة وذلك اعتبارا إلى أن فرض تنظيم ممارسة هذا الحق وأيا كانت طبيعة هذا التنظيم وحدوده، يظل محطة من محطات النضال النقابي، وحيث أن تنظيم الحقوق في مرحلة أولى يفتح آفاق جديدة للنضال من أجل تطوير هذه الحقوق وفرض احترامها، بل وسيصبح الاقتناع بمطلب تنظيم هذا الحق منسجما مع مطالب المنظمات النقابية والحقوقية والسياسية التي ما فتئت تطالب بإرساء دعائم دولة القانون والحق.

    أضف إلى ذلك، وفي ضوء ما لاحظناه سابقا، أن الإضراب الذي يندلع خارج أي تنظيم تشريعي قد لا ينفلت من التنظيم القانوني سواء كان تشريعيا أو قضائيا عن طريق تطبيق نصوص قانونية جاهزة منذ عهد الاستعمار لقمع هذا الإضراب.

    ولا نبالغ إذا قلنا، وبمنظور بعيد المدى، أن التنظيم التشريعي هو المصير المحتوم لممارسة حق الإضراب بفعل تصاعد حركية الاهتمام بالمجال الحقوقي وبروز بوادر تقدم نوعي بالوعي بنجاعة النضال الحقوقي، يؤكد ذلك أن العديد من التشريعات قم انتبهت إلى ضرورة هذا التنظيم مثل فرنسا بالنسبة للإضراب في القطاع العام منذ قانون يوليوز 1963 والجزائر منذ مصادقة البرلمان على مشروعين حكوميين في 27 يناير 1990 يتعلقان بضبط المصلحة الدنيا الإجبارية في العديد من القطاعات الحيوية(23).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (23) راجع الإشارة إلى هذا القانون في جريدة "العلم" ليوم الثلاثاء 30 يناير 1990 العدد: 1.4425 السنة 44 ص 1.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    هذا في وقت يلاحظ فيه استمرار نية المشرع المغربي العزوف عن تحمل مسؤوليته في تنظيم نزاعات الشغل الجماعية حيث الغياب المطلق لأي نظام قانوني للوسائل السلمية لحل هذه المنازعات في مشروع مدونة الشغل الجديدة وهو الموقف الذي لن يكون من مخلفاته سوى ترك علاقة القوة الضابط الوحيد "المنظم" لهذه المنازعات.

    II ـ أما الجانب الثاني في مسؤولية المشرع التي تقتضي تكريس المشروعية الدستورية لحق الإضراب وضمان حمايته، فيتمثل في أن إصدار القانون التنظيمي يجب أن يواكبه إلغاء كل التشريعات المعرقلة لحرية ممارسة هذا الحق، ونقصد بها على الخصوص ظهير (أ) ظهير 13 شتنبر 1938 (ب) ظهير 19 يناير 1946(ج) الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 (د) والفصل 288 من القانون الجنائي (هـ).

    أ ـ فمعلوم أن ظهير 29 يونيه 1935 الذي يعاقب على المس بالنظام العام والأمن وضع من طرف الإدارة الاستعمارية بخلفية قمع الحركة الوطنية والعمالية آنذاك، فكيف ما زال يطبق قسرا، ضد مضربيي عهد الاستقلال؟

    ب ـ أما ظهير 13 شتنبر 1938 الذي أقر التسخير فلا يعدو أن يكون مجرد ذريعة لتوقيف حركات الإضراب من جانب السلطة العامة بدعوى المحافظة على الأمن وراحة وصحة المواطنين خاصة في حالة الحرب في حين شهد تطبيقا في المغرب على الرغم من عدم توفر هذا الظرف (1971 ـ 1973)، ناهيك عن أن هذا النظام، إذ يتأسس على احتمالات الاضطرابات الجسيمة التي قد تنتج عن الإضراب، يتجاهل كنه هذا الأخير الذي لا يمكن أن يكون ناجحا وعالا إلا إذا أدى بالفعل إلى "نوع" من الاضطراب وللضغط على الخصم وإلا انحصر دوره في مجرد الإنذار.

    هذا فضلا عن أن استمرار المشرع الأخذ بهذا النظام يضعه في موقف غريب وهو الذي صادق منذ سنة 1966 على الاتفاقية الدولية رقم 105 التي حرمت أعمال السخرة.

    ج)وبخصوص ظهير 19 يناير 1946 فيظل هو أيضا مجرد تقنية قانونية لعرقلة حرية ممارسة حق الإضراب من أجل احتوائه وتضييق هامش الحرية في ترك المنظمات النقابية، إضافة إلى أن هذا النظام لا يضمن حياد الدولة نظرا لطغيان الطابع الإداري في تشكيلية هيئة المصالحة والتحكيم وفي حين أصبحت الدولة طرفا أساسيا في نزاعات الشغل ومن ثم فلا يعقل أن تنصب نفسها خصما وحكما في نفس الوقت.

    د) أما من الفصل الخامس من مرسوم 5 فبراير 1958 فقد أصبح واضحا حتى بالنسبة لبعض أطراف التحالف الحكومي خلال المناقشات التي عرفها البرلمان المغربي بمناسبة إضراب 14 دجنبر 1990، أنه بات ضروريا تجاوز هذا الموقف التشريعي بعد صدور الدستور الضامن صراحة ممارسة حق الإضراب دون تمييز بين قطاع خاص أو عام بل إن مشروعية إضراب الموظفين تستنتج بشكل واضح فقط من مفهوم مخالفة النصوص التشريعية التي صدرت فيما بعد لتمنع صراحة الإضراب على بعض الفئات المحدودة العاملة في القطاع العام.

    هـ ـ وفي ما يتعلق بالفصل 288 من القانون الجنائي الذي يعاقب المضربين على فعل المس بحرية الشغل فإن اقتراحنا بإلغائه لا يعني تشجيع الإضراب المصطحب بالعنف ضد العمال غير المشربين، بل نرى ترك المقتضيات العامة للقانون الجنائي تفعل فعلها حسب كل حالة على حدة والمقصود بها تلك المتعلقة بالإيذاء والعنف والتهديد ووسائل التدليس الموجهة ضد الأشخاص عموما (الفصول: 400، 425، 427 و540) دون ضرورة تخصيص المس بحرية الشغل بجريمة خاصة وعقوبة خاصة هي أشد قسوة من العقوبات المطبقة على مثل تلك الأفعال في ظروف غير ظرف الإضراب، وإلا فإن المنطق السليم يقتضي، بالموازاة تجريم المس بحرية الإضراب الذي يعتبر كحق دستوري أولى بالحماية الجنائية.

    وعموما يمكن القول بالنسبة لجل هذه النصوص بأنها:

    1)صدرت في أغلبها في عهد الاستعمار ومازال العمل بها يكشف عن تبعية القانون المغربي للقانون الفرنسي، تبعية مشوهة أحيانا لا تراعي خصوصية تطور النظام القانوني للإضراب بالمغرب الذي استلهم مثلا جريمة المس بحرية الشغل من القانون الفرنسي الذي عرف، بالفعل مرحلة تجربة الإضراب، في حين لم يعرف المغرب أبدا هذه المرحلة.

    2)إن أغلب النصوص السابقة تخضع ممارسة الإضراب في بعض الحالات لعقوبات قاسية في حين أصبحت هذه الممارسة مشروعة دستوريا.

    3)إن هذه النصوص تفرض قيودا على ممارسة حق الإضراب خارج أي تنظيم تشريعي حقيقي سواء في القطاع العام أو الخاص.

    4)إن هذه النصوص تطرح إشكالية قيمتها القانونية والجهة القضائية المختصة في مراقبة مدى دستوريتها(24).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (24)للمزيد من التفصيل حول مناقشة هذه النصوص التشريعية المقلصة لنطاق مشروعية حق الإضراب راجع:رسالة الشرقاني محمد "مدى مشروعية الإضراب العمالي بالمغرب". كلية الحقوق بالرباط. السنة الجامعية: 1990 ـ 1991. ص 292 ـ 353.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    ثانيا: أما على مستوى القضاء: في إطار البحث عن بعض المداخل لإصلاح نظام الإضراب، فتظل مرتبطة بإصلاح القضاء الاجتماعي أيضا، بحيث لا يتصور للقضاء المغربي، في إطار اختصاصاته الحالية، أن يلعب دورا أساسيا في تدعيم حماية حرية ممارسة حق الإضراب دون تخويله اختصاصات البث في نزاعات الشغل الجماعية وفي إطار قضاء اجتماعي استثنائي متخصص ومستقل كما سارت على ذلك العديد من التشريعات الحديثة الأوربية منها والعربية.

    وبديهي أن القضاء المغربي وحتى مع فرض تخويله صلاحية البث في النزاعات المذكورة، لا يمكن أن يساهم في تكريس المشروعية الدستورية لحق الإضراب، في غياب المصدر التشريعي المتمثل في القانون التنظيمي المنتظر والذي سيكون السند القوي ـ بجانب الفصل 14 من الدستور ـ الذي سيسعف القاضي في البث بشأن العديد من الإشكالات العملية التي مازالت معلقة، وهو المصدر التشريعي الذي سيغنيه عن تطبيق القوانين الاستعمارية السابقة الذكر والتي نطرح إلغائها.

    علاوة على أن التنظيم التشريعي سيفتح المجال أمام القضاء لتوحيد أحكامه التي أضحت تتضارب في بعض الحالات فتكون قاسية مرة وأقل قسوة مرة أخرى وذلك سحب الظروف السياسية وليس حسب ملاءمة الأحداث والوقائع لنصوص القانون وحيث يصبح القاضي حاكما بعقلية "السياسي لا القانوني".

    وفي انتظار هذا الإصلاح المنشود في صلاحية القضاء بالارتباط مع إصدار القانون التنظيمي، نعتقد أن القاضي المغربي بإمكانه وهو يبث في قضايا الإضراب ـ كنزاع فردي ـ أن يتمسك بالدستور كسند قوي للتصريح بمشروعية حق الإضراب أو مراقبة "ممارسة هذه المشروعية"، كما بإمكانه أن يساهم في ملء الفراغ

    التشريعي بخلق بعض القواعد المنظمة لعلاقة المضربين بالمشغل كما فعل بالضبط عندما استقرت اجتهاداته ـ وفي غياب أي نص قانوني ـ على ترتيب أثر توقف عقد الشغل إثر ممارسة الإضراب المشروع.

    كما لا تخفى أيضا خطورة طبيعة التكييف القضائي للخطأ الجسيم المرتكب بمناسبة الإضراب وخاصة على وضعية مندوب العمال والممثل النقابي بضرورة الانتباه إلى أن الفصل 6 من النظام النموذجي المتضمن للائحة الأخطاء الجسيمة يظل نصا ينطبق على حاله ارتكاب العامل لخطأ جسيم أثناء تنفيذ عقد الشغل وليس توقفه وحيث يجعل الإضراب العامل خارج سلطة وتبعية المشغل، لذلك نقترح ـ بجانب بعض الفقه الفرنسي اعتبار الخطأ الجسيم المرتكب من طرف العامل المضرب مجرد خطأ يسير أو بصيغة أخرى اشتراط خطأ ذي خطورة أكبر في حالة الإضراب عنه في حالة تنفيذ الشغل اعتبارا لمناخ التوتر الذي يسود عادة المؤسسة خلال ظرف الإضراب.

    ثالثا: أما بخصوص حدود مسؤولية أطراف النزاع في إصلاح نظام الإضراب بأفق تكريس مشروعية هذا الحق سواء بالنسبة للمنظمات النقابية (I) أو أرباب العمل (II).

    1)فلعل أول مهمة مازالت مطروحة على عاتق المنظمات النقابية هي إعادة النظر في موقف التحفظ من تنظيم ممارسة حق الإضراب وذلك للأسباب العديدة التي فصلناها سابقا، خاصة وأن التنظيم الفعلي الذي تكرس في تقاليد علاقة المنظمات النقابية بالمشغلين والجهاز الإداري بمناسبة الإضراب والذي يمكن تسميته بـ "تنظيم الأمر الواقع" لم يكن من شأنه أن يضمن حماية حرية ممارسة هذا الحق من التحديات التي تواجهها.

    وفي انتظار اقتناع هذه المنظمات النقابية بجدوى هذا المطلب الذي يندرج في إطار النضال الحقوقي الذي نراه شاحبا في النضال النقابي العام، يظل مطروحا على عاتقها أيضا تحمل مسؤوليتها في ممارسة الحقوق التي يمنحها إياها القانون للدفاع عن مصالح منخرطيها بمساندة العمال "ضحايا" ممارسة حق الإضراب عن طريق النيابة عنهم أمام القضاء.

    وقبل كل ذلك مواصلة المطالبة بتوفير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المناسبة لارتقاء الإضراب إلى مستوى السلاح الفعال والقادر على انتزاع المكتسبات الجديدة للطبقة الشغيلة علاوة على تعزيز التضامن النضالي بين المركزيات النقابية الكفيل بتحقيق هذا الغرض.

    2)أما بالنسبة لأرباب العمل وحيث لم يعد الخطاب المستهدف لضميرهم ووعيهم ودورهم في الاقتصاد الوطني بقادر على تلطيف حساسيتهم المفرطة تجاه حركات الإضراب، فقد بات ضروريا تحمل الدولة لمسؤوليتها في فرض احترام الحقوق الدستورية وحمايتها من تجاوزات الطرف الاقتصادي القوي، وذلك اعتبارا إلى أن الدولة ليست دولة الطبقة الواحدة، بل دولة كل طبقات المجتمع المدني.

    وكخاتمة لهذه المداخلة يمكن العودة إلى البدء للقول بأن غياب تنظيم تشريعي لممارسة حق الإضراب ـ وبجانب عوامل أخرى مختلفة الجوانب قد أفرزت بالمقابل نظاما قانونيا للإضراب تكرس سواء على مستوى الساحة القضائية أو في الخطاب السياسي الرسمي، وهو النظام الذي أريد له أن يكون ـ قسرا ـ بديلا عن القانون التنظيمي الموعود به من طرف واضع الدستور وليظل حق الإضراب "حبيسا" بين مبدأ دستوري ونصوص قانونية تتنافى في روحها مع الاعتراف الدستوري بهذا الحق، بل إن تغييب المراقبة على مشروعة حق الإضراب بإقصاء الجهاز الإداري ممثلا في مفتشية الشغل وكذا الجهاز القضائي من مجال المساهمة في الفض والبث في نزاعات الإضراب، جعلت هذا الأخير يبدو، أحيانا، كالظاهرة الاجتماعية الخارجة عن إطار الحق والقانون.

    لذلك جاء نداؤنا عاليا لإصلاح نظام الإضراب كما طرحنا ملامحه الأساسية وذلك على قاعدة شخصية بلورتها إفرازات تجارب الأمس ومفتوحة على احتمالات الغد ومستقبل نزاعات الشغل الجماعية التي يجب في تقديرنا أن تخضع لقبضة القانون: قانون يكرس المشروعية الدستورية لحق الإضراب ويظل مضمونه المتوقع خاضعا، بداهة لحتمية التطور المضطرد للقانون المنظم لعلاقات الشغل والمرتبط طبعا بحتمية تطور المؤسسات والبنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمجتمع المغربي.

    المصدر مجلة المرافعة