أدخل كلمة للبحث

التعديلات المدخلة على قانون المسطرة الجنائية وحقوق الإنسان

التعديلات المدخلة على قانون المسطرة الجنائية وحقوق الإنسان

    الأستاذة هدى مشبال المحامية المتمرنة بهيئة الدار البيضاء

    ( تمت المشاركة بمقتضى هذا الموضوع،

    المقترح من طرف مجلس الهيئة، في مباراة اختيار كتاب ندوة التمرين لسنة 1994).

    القسم الأول: التزامات المغرب في ميدان حقوق الإنسان

    البحث الأول: مفهوم حقوق الإنسان

    البحث الثاني: أساس حقوق الإنسان

    أ- مبدأ الكرامة

    ب- مبدأ المساواة

    ج- مبدأ الحرية

    البحث الثالث: الجهود المبذولة من اجل احترام حقوق الإنسان

    القسم الثاني: أثار الالتزام بالمواثيق الدولية على تشريعنا الوطني ( التعديلات )

    البحث الأول: التعديلات الهادفة الى ضمان حق الحرية

    أ- الوضع تحت الحراسة ف 68/69/82 م ج

    ب- الاعتقال الاحتياطي ف 154 من م ج

    ج- الإفراج المؤقت ف 156/406 م ج

    البحث الثاني: التعديلات الرامية الى تكريس حق الدفاع ف 2 ظ ا ن/ ف 67-127 م.ج

    حرصا منه على بناء عدالة جنائية قائمة على احترام حقوق الفرد ودون إجحافه بحقوق المجتمع، فان مشرعنا يعمل جادا على تحقيق التوازن بين مصالح كلا الطرفين.

    وللوصول الى هذا المبتغى، فانه قد قام مؤخرا بإدخال تعديلات مهمة على قانون المسطرة الجنائية الحالي الصادر بتاريخ 10 فبراير1959

    ولعل السبب المباشر في الحاق هاته التعديلات هو تطور مفهوم حقوق الإنسان (2) ومطالبة كافة الهيئات والجمعيات الحقوقية باحترام هاته الحقوق وضمانها وفقا للمقتضيات المنصوص عليها في المواثيق الدولية التي اعتمدتها بلادنا.

    الا ان احترام وضمان الحقوق والحريات لن يتاتى الا بتعميق الوعي لدى المواطن باعتباره انسانا له حقوق طبيعية مادية ومعنوية واشعاره بحقه في المطالبة بها وممارستها والتمتع بها.

    ومن المعلوم فان تحقيق هذا الهدف المنشود لن يتم الا في اطار دولة القانون، حيث يشكل أي انتهاك لحق، او أي مس بحرية اعتداء على كرامة شعب بكامله.

    وتعتبر هاته التعديلات من ابرز مظاهر اهتمام المشرع بمفهوم حقوق الفرد ومركزه في المجتمع وحرصه على توفير اكبر الضمانات لصيانة الحرية الفردية ودون المساس بحقوق المجتمع.

    ولما كان هذا القانون الاجرائي المتميز ببساطته وسرعته وموازنته بين المصالح الفردية والجماعية (3) قانونا ينص على كثير من الضمانات المهمة، فان من شان التعديلات المدخلة عليه ان لا تمس بهاته الضمانات .

    الا انه وللأسف الشديد نجد ان مشرعنا قد سجل تراجعنا سلبيا في ميدان حقوق الإنسان، وذلك إبان الستينات وبعدها، اذ عملت جل التعديلات الملحقة بقانون المسطرة الجنائية انذاك على التشديد في حق المشبوه فيهم وانقاص الضمانات المخولة لهم (4)، والاخلال بمبدا المحاكمة العادلة (5).

    -------------------

    1) قانون المسطرة الجنائية، عبد العزيز توفيق

    لقد خضع هذا الظهير لتعديلات متواترة بلغت نحو 16 تعديلا.

    2) جريدتي الاتحاد الاشتراكي والشرق الاوسط الصادرين بتاريخ 12/03/94 ( من أجل تنمية الوعي بحقوق الانسان في الاسلام ) الدكتور محمد عابد الجابري، اصبح المفهوم المعاصر لحقوق الانسان يشمل الحق في التنمية بمعناها الشامل.

    3) المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي المشيشي العلمي، ص 7 و8.

    4) دراسة في المسطرة الجنائية، الدكتور محمد عياط، ص 47.

    5) المسطرة الجنائية م س ( هامش 1) ، ص53 و54.

    -------------------

    ولم يكن هذا الوضع الغير الملائم لدولة تحمل على ضمان حقوق المواطنين، وصيانة حرياتهم، ليرضي الحقوقيين المغاربة بصفة عامة وهيئات الدفاع(1) بصفة خاصة، التي ظلت تطالب بسد الثغرات القانونية واصلاح القصور التشريعي والتراجع عن تعديلات سنة 1962 وما بعدها.

    وما كانت هاته النداءات لتظل دول استجابة في بلد يولي مفكروه الاهتمام الاكبر لحقوق الانسان (2) ولذا فانه، وبمجرد انشاء المجلس الاستشاري من طرف جلالته، انسكب هذا المجلس على دراسة الاجراءات الماسة بحقوق وحريات المواطنين، و كانت التوصيات الصادرة عنه سببا في صدور الظهيرين المعدلين لقانون المسطرة الجنائية في السنوات الاخيرة.

    القسم الاول: التزامات المغرب في ميدان حقوق الانسان

    ان حقوق الانسان ملك للجميع، ومن حقوق الجميع الدفاع عنها.

    ونظرا لاعتماد بلادنا الاعلان العالمي لحقوق الانسان لسنة 1948 (3) ومصادقتها على مجموعة من الاتفاقيات الدولية(4)، خاصة منه العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية(5) وكذا العهد الدولي المتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية(6) فانها تكون ملزمة بتطبيق الاحكام والمبادئ واحترام الحقوق المنصوص عليها فيها.

    فما هذه الحقوق وما هو اساسها؟

    البحث الاول: مفهوم حقوق الانسان(7)

    ان المجال لا يتسع للحديث عن الاصول التاريخية لحقوق الانسان الا انه لابد من التذكير بالصراعات المتولدة عن الازمات التي حفل بها تاريخ البشرية، هاته الصراعات كلها نشات من اجل اقرار العدل والقضاء على مظاهر العبودية والاستقلال.

    -----------------------

    1) المسطرة الجنائية ( الجزء 1) الدكتور محمد الادريسي المشيشي العلمي، ص 52 بند 71.

    دورية النقيب، يناير1994، ص 7 و16

    2) جريدة الاتحاد الاشتراكي الصادرة بتاريخ 10/03/1994 ص 10.

    3) مجلة رسالة المحاماة الصادرة من هياة المحامين بالرباط اكتوبر90 العدد 7 ص، 246 وما يليها، الاعلان العالمي لحقوق الانسان.

    4) نشرة النقيب، عدد 11-10-9 يوليوز ودسمبر93.

    المؤتمر الدولي لحقوق الانسان بفيينا.

    5) مجلة المحاكم المغربية، مارس، ابريل84، العدد 30، ص 93 وما يليها.

    ( العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية )

    6) مجلة رسالة المحاماة م.س. ص30.

    7) المجلة المغربية لحقوق الانسان، العدد الثاني، فبراير82، ص32 وما يليه.

    -----------------------

    ويعتبر الفلاسفة اليونان اول من نادى بحرية الانسان وبالديمقراطية، اذ كان الشعب في اثينا يعتبر مصدر جميع السلطات وكذلك كان الامر في روما.

    كما عرفت علاقات الافراد داخل المجتمع ومنذ القدم تنظيما في اطار القانون، وتجدر الاشارة هنا الى قانون حمورابي (1728-1686 من م) الذي عمل على تنظيم الحقوق والالتزامات بين الافراد، قانوني مانو وبوكخوريس (718 من م) المشهورين لدى الشعوب الشرقية، وقانون دراكون (621 من م) وقانون صولون(549 من م)، وقانون الالواح الاثنى عشر (541 من م)، وهي قوانين نظمت في ظل الشعوب العربية

    اما بالنسبة للمجتمع العربي، فان بعض مظاهر حقوق الانسان قد بدات ترتسم معالمها مع ظهور بعض القواعد القانونية، واهمها في هذا الميدان ضمان حق الدفاع، والاخذ بقاعدة براءة الذمة هي الاصل، وظهور قواعد ترمي الى حماية الضعيف وانصاف المظلوم.

    وجاءت الديانات السماوية التي اعترفت بحقوق الانسان وذلك بمقتضى نصوص صريحة كانت اساسا لدعوة المصلحين.

    ولم يظهر الوعي بهاته الحقوق في اوربا الا مع بداية القرن الثالث عشر الميلادي ( وذلك في بريطانيا وبعدها في فرنسا بعد الثورة الفرنسية 1789)، ولم يظهر في امريكا الا في الربع الاخير من القرن السابع عشر.

    وخلافا لذلك فان شريعتنا السمحاء قد اقرت حقوق الانسان منذ بداية القرن السابع الميلادي(1)، مع العلم بكونها سباقة لضمان جميع الحريات الاساسية للانسان(2). فالقران الكريم عمل على التنصيص على كافة الحقوق التي من حق كل كائن بشري ان يتمتع بها، معتبرا اياه مخلوقا ساميا ومتميزا عن باقي المخلوقات بعقله وقدرته على التمييز، اذ ابان له الحق سبحانه وتعالى السبل ومنح له حرية الاختيار.

    ولذا شاءت قدرته عز وجل ان تخص الانسان بالخلافة في الارض مع تحميله لمسؤولية نتائج وعواقب اعماله، الحر في اتيانها والقيام بها(3).

    وحرية الانسان في القيام بمختلف التصرفات غير مطلقة، فهي رهينة ومقيدة بحرية الغير التي يجب عدم المساس بها والاعتداء عليها.

    -----------------------

    1) المرجع السابق، من صفحة 42 الى ص44.

    2) من اجل تنمية الوعي بحقوق الانسان في الاسلام، الدكتور محمد عابد الجابري.

    جريدة الشرق الاوسط الصادرة بتاريخ 5/3/1994. - الحق في حرية الاعتقاد في المعرفة والاختلاف

    3) المرجع السابق

    -----------------------

    وكما سبق القول فان الشعوب قد ناضلت دوما وعبر عصور مختلفة من اجل تحقيق العدل والكرامة والحرية والمساواة، هاته الحقوق التي اقرتها كافة الديانات وحددت الشريعة الاسلامية الاساس الذي تبدى عليه، كما انها حسمت في عدة مبادئ لازال النقاش قائما حولها الى يومنا هذا.

    ولم يكن هذا النضال ليظل بدون تحقيق اية خطورة ايجابية، واهم ما تمخض عنه هو الاعلان العالمي لحقوق الانسان الذي اقرته الجمعية العامة للامم المتحدة في العاشر من دجنبر لسنة 1948، والذي يعترف بهذه الحقوق ويعمل على حمايتها من الانتهاك، وما المواثيق الدولية(1) والقوانين المحلية الا تعبير عن هذه الحقوق ووسيلة لتنظيمها وحمايتها.

    والحقوق المنصوص عليها هي حقوق لصيقة بكيان الانسان ونابعة من صميم طبيعته ومن تم فان اقرارها هو اعتراف للانسان بكرامته.

    البحث الثاني : اساس حقوق الانسان

    فيما لاشك ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو اعتراف من المنتظم الدولي بالكرامة والتساوي في الحقوق والحرية من اجل تحقيق العدل والسلام في العالم.

    وتشكل هذه المبادئ الثلاثة(2) الاساس الذي بنيت عليه فكرة حقوق الانسان، والذي عملت اتفاقية سنة 66 التاكيد عليها.

    مبدا الكرامة :

    قبل الاشارة الى مختلف مواد الاعلان التي عملت على تكريس هذا المبدا، فانه من الواجب الاشارة الى ان الشريعة الاسلامية قد كرمت الانسان وذلك بدليل قوله تعالي:

    { ولقد كرمنا بني آدم وجعلناهم في البر والبحر ورزقناه من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا }.

    والكرامة حق لكل انسان بريئا كان او متهما.

    وقد تضمنت المواد الاولى والخامسة والثانية والعشرين والثالثة والعشرين، من الاعلان العالمي، وكذا المادة السابعة من العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية، والتنصيص عليه صراحة.

    --------------------

    1) العهد الدولي لسنة 1966 ( المشار اليه سابقا بالهامش 3 ص) والصادر عن الجمعية العامة لهيئة الامم المتحدة في دورتها العادية المنعقدة في 16/12/66 بقرار رقم 2200 والذي صادقت عليه بلادنا بتاريخ 6/5/79 وتم تنفيذه بظهير 179-186 المؤرخ في 8/11/75. الذي تم نشره في الجريدة الرسمية، عدد 3525 بتاريخ 21/05/80.

    2) المجلة المغربية لحقوق الانسان م.س من 75 الى ص78.

    -------------------

    مبد المساواة:

    يعتبر ديننا الحنيف اول من امر بالمساواة(1) بين الناس وبعدم التفاضل بينهم ذلك بالعمل الصالح والتقوى بدليل قوله تعالى، { يايها الناس ان خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم}، وقوله عز وجل : { ولكل درجات مما عملوا} وقول الرسول ص الله عليه وسلم : " الناس سواسية كاسنان المشط" وقوله ايضا: " لا فضل لعربي على عجمي ولا لقرشي على حبشي ولا لأبيض على اسود الا بالتقوى".

    وقد عمل الاعلان على التاكيد على هاته المساواة في مواد مختلف كما عمل على ذلك العهد الدولي المشار اليه سابقا.

    وهذه المساواة، هي مساواة الكرامة والحقوق والحريات ( المادة الاولى والثانية من الاعلان)، والمادة الثانية (الفقرة 1 من العهد) والمساواة امام القانون(2) ( المادة السابعة من الاعلان والسادسة والعشرين من العهد)، ومساواة امام القضاء ( المادة العاشرة من الاعلان والرابعة عشر من العهد) ومساواة بين الرجل والمراة عند الزواج واثناءه وانحلاله ( المادة السادسة عشر(16) من الاعلان ومساواة بينهما في الاستمتاع بالحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في العهد ( المادة الثالثة (3) منه) ومساواة في تقلد الوظائف العامة المادة الاحدى والعشرون (21) فقرة -2 - من الاعلان، والمادة الخامسة والعشرون (25)- فقرة 3 من العهد)، ومساواة في الاجر عن العمل ( المادة الثالثة والعشرون (23) - فقرة - 2- من الاعلان).

    ج- مبدا الحرية :

    تضمن الشريعة الاسلامية كامل الحرية للانسان في ان يختار الطريق التي يرضاها اذ يقول عز وجل في كتابه الحكيم { وجعلنا لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقها } وقوله تعالى { ان ليس للانسان الا ما سعى}.

    واعتبر الاعلان ان الحرية مصدر الحياة، فالانسان لكي يعيش كريما لابد وان يكون حرا فحرية الانسان مقدسة كحياته، وعمل على التنصيص على هذا الحق في المادة الثانية، واكد عليه في المادة الثالثة (3) منه، كما نص عليه في المادة التاسعة من العهد المذكور.

    ---------------------

    1- جريدة الاتحاد الاشتراكي والشرق الاوسط الصادرتين ب7/3/94 من اجل تنمية الوعي في الاسلام في المساواة ومسالة التفضيل. الدكتور محمد عابد الجابري.

    2- جريدة الاتحاد الاشتراكي الصادرة بـ 9/3/94، حول الحق في العدل في الاسلام،الدكتور محمد عابد الجابري.

    -------------------

    وتتمثل هذه الحرية في التنقل ( التي نصت عليها المادة الثالثة عشرة من الاعلان، والثانية عشر من الاتفاقية) والحرية في ابرام عقد الزواج ( التي قضت بها المادة السادسة عشرة (16)، والثالثة والعشرون (23)، - فقرة 4- من العهد) والحرية في الدين والتفكير والضمير( المادة الثامنة عشر من الاعلان والاتفاقية) وحرية الراي والتعبير ( المادة التاسعة عشر(19) وحرية الاشتراك في الجمعيات والجماعات السلمية ( المادة العشرون (20) من الاعلان)، وحرية المشاركة في النقابات ( المادة الثانية والعشرون(22) من الاتفاقية).

    فالكرامة والمساواة والحرية اذن حق لكل انسان

    ويعمل الاعلان العالمي على تكريس هذه المبادئ الثلاثة ( المؤكد عليها في العهد) وعلى الدفاع عن الحقوق الاخرى المنصوص عليها فيه والتي تضمنتها باقي مواده.

    وهذه الحقوق هي اما حقوق لها صلة وثيقة بالحقوق الشخصية كحرمة الحياة الخاصة والمسكن والمرسلات (م 12 من الاعلان و17 من العهد) والحق في الحياة (1) والحرية والسلامة الشخصية ( المادة 3 من الاعلان والمادة 6 و9 من العهد) والحق في الاعتراف بالشخصية القانونية للشخص ( المادة 6 من الاعلان ) والحق في الجنسية ( المادة 15 من الاعلان ) والحق في الراحة ( المادة 24 من الاعلان).

    واما حقوق مدنية كالحق في تقلد الوظائف العامة ( المادة 21 من الاعلان و25 من العهد).

    واما حقوق سياسية كالحق في المشاركة في ادارة شؤون البلاد ( المادة 21 و25 اعلاه).

    وتضاف الى هذه الحقوق حقوق اخرى كحق التملك ( المادة 17 من الاعلان ) والحق في الضمان الاجتماعي (2) ( المادة 22 من الاعلان) والحق في العمل والانضمام الى نقابات (المادة 23 من الاعلان والمادة 22 من العهد تؤكد على الحق الاخير) والحق في تامين مستوى لائق في المعيشة والحق في الامومة والطفولة والرعاية ( المادة 25 من الاعلان وتؤكد في المادة 24 من العهد على هذا الحق الاخير) والحق في التعليم والتربية ( المادة 26 من الاعلان) وحق الاشتراك في حياة للمجتمع الثقافي وفي الاستمتاع بالفنون والمساهمة.

    ---------------------

    وبما ان عقوبة الاعدام تشكل انتهاكا صارخا للحق في الحياة فان المنظمة المغربية لحقوق الانسان تعمل على المطالبة بالغاء هذه العقوبة في اطار مراجعة الفعل الجنائي.

    جريدة الشرق الاوسط الصادرة بتاريخ 11/03/94.

    انظر مقال الدكتور محمد عابد الجابري حول الضمان الاجتماعي في الاسلام، المنشور ضمن سلسلة من اجل تنمية الوعي بحقوق الانسان في الاسلام.

    --------------------

    في التقدم العالمي والاستفادة من نتائجه ( المادة 27 من الاعلان) والحق في التمتع بنظام اجتماعي دولي تتحقق بمقتضاه الحقوق والحريات المنصوص عليها في الاعلان ( م 28).

    وتعرضت المادة الاخيرة منه الى الواجبات المترتبة على الفرد نحو مجتمعه.

    البحث الثالث: الجهود المبذولة من اجل احترام حقوق الانسان

    ان تصديق المغرب على الاعلان العالمي والاتفاقية الدولية المشار اليها يرتب عليه الالتزام باحترام وتنفيذ نصوصها.

    ويترتب على ذلك وجوب عدم تعارض نصوص تشريعنا مع المقتضيات الواردة في هاته المواثيق.

    أ‌- دور الجمعيات الحقوقية المغربية(1).

    من اجل تذكير المغرب بالتزاماته، فان الجمعيات الحقوقية ببلادنا فكرت في العمل على تكثيف جهودها حتى يتم الوفاء بهاته الالتزامات بكيفية فعلية.

    وقد اسفرت هذه الجهود على وضع مشروع ميثاق وطني متعلق بحقوق الانسان بتاريخ 8/2/90 يكون ارضية للعمل لجميع الاطراف المنظمة اليه او الموقعة عليه وذلك بعد العاشر من دجنبر1990 (2).

    واوضح هذا المشروع القصور الذي يعتري النصوص التشريعية الوطنية، وكذا الخروقات التي يحرمها القانون والتي تتعرض لها هذه الحقوق من طرف بعض السلطات.

    كما عاين المشروع عدم الالتزام بالتطبيق السليم لمحتويات المواثيق والمعاهدات الدولية وعدم السهر على مراقبة مدى تنفيذ هذا الالتزام.

    كما ندد المشروع بالتراجعات الخطيرة والماسة بالمكتسبات في ميدان الحريات العامة وبوضعية السجون المزرية والتي لا اعتبار فيها البتة لكرامة الانسان.

    كما اشار الى التعديلات السلبية (3) المدخلة على قانون المسطرة والنظام القضائي وبعد عرض المشروع للخروقات والمظالم، والاخلالات والتراجعات، والتعديلات السلبية، والاستمرار في العمل بالتشريع الذي وضعه المستعمر لقمع حقوق وحريات المواطنين أعلن عن الوسائل التي يمكن بمقتضاها ضمان حقوق الانسان.

    ----------------------

    1) جمعية هيئات المحامين بالمغرب - جمعية الحقوقيين المغاربة - العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الانسان - الجمعية المغربية لحقوق الانسان - المنظمة المغربية لحقوق الانسان.

    2) رسالة المحاماة .م.س ص 27 وما يليها ص 270 وما بعدها.

    3) مضاعفة اجال الوضع تحت الحراسة القضائية والاعتقال الاحتياطي - انشاء حكام الجماعات والمقاطعات.

    ------------------

    ومن ضمن هاته الوسائل احترام مبدا استقلالية القضاء، فالقضاء النزيه المستقل هو الضامن الوحيد لاحترام الحقوق والحريات اذ بواسطته تتحقق دولة القانون.

    وكذا احترام مبدا حقوق الدفاع وضمان استقلاله، وذلك بتعزيز الدور الذي يقوم به المحامي في المؤازرة والدفاع بحضوره اثناء البحث التمهيدي، ولدى النيابة العامة، وفي جلسات التحقيق الاعدادي.

    واخيرا تعرض المشروع الى المهام الانسانية الملقاة على عاتق الجمعيات الموقعة عليه.

    دور المجلس الاستشاري لحقوق الانسان (1):

    استجابة لمطالب هيئات المحامين وعملا بتوصياتهم المقدمة في جل المؤتمرات والندوات والمناظرات المنعقدة(2) فان المجلس الاستشاري لحقوق الانسان وفي ظل الاختصاص المنشا من اجله، الا وهو حماية حقوق الانسان، والعمل على تحقيق الاحترام الفعلي لها. قد انكب مباشرة بعد تاسيسه على اعادة النظر في التدابير المتسمة بخطورتها نظرا لمساسها بحريات الافراد وحقوقهم.

    وقد كانت المقترحات الصادرة عن المجلس الانطلاقة الاولى لتعديل نظامي الوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي التي توجت بصدور قانون 30/12/91 وبعد قانون 10 شتنبر1993(3).

    القسم الثاني: اثار الالتزام بالمواثيق الدولية على التشريع الوطني ( التعديلات )

    باعتباره احد مصادر حماية حقوق وحريات المواطنين، (4) فان التشريع الجنائي المغربي يتضمن عدة مزايا اساسية لحماية حقوق الانسان.

    -----------------------

    مجلة رسالة المحاماة م.س. ص 251 وما بعدها.

    أنشئ هذا المجلس بمقتضى ظهير شريف رقم 1-90-1 صادر في 20/4/94.

    مجلة المحامي الصادرة عن نقابة هيئة المحامين بمراكش، عدد 21 السنة 12/92، ص 12 و13.

    ق 30/12/91 المتعلق بتعديل بعض فصول ق.م .ج والفصل 2 من ظهير ( الاجراءات الانتقالية)

    انظر في هذا الصدد:

    المقتضيات الجديدة المتعلق بادخال الوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي للدكتور محمد بنيحي.

    ( مجلة الامن الوطني السنة 32 العدد 171 سنة 1993 ص 18 وما بعدها).

    رأي في القانون رقم 67/90 للاستاذ النقيب محمد بلهاشمي ص14 وما بعدها، مجلة المحامي الصادرة من نقابة المحامين بمراكش، عدد 21 السنة 12 سنة 1992.

    ------------------------

    والذي يهم بحثنا من هذا التشريع هو الجزء المتعلق بظهير المسطرة الجنائية المشار اليها- وبالخصوص الفصول التي طالتها التعديلات.

    الا انه لابد من التذكير بان اعتماد بلادنا للإعلانات والمواثيق الدولية المشار اليها انفا كان يجب ان يكون له انعكاس ايجابي على تشريعنا الوطني.

    واذا كان الامر كذلك بمقتضى التعديلات المدخلة مؤخرا على الظهير المذكور، الشيء الذي يمكن اعتباره مكسبا مهما لحقوق الفرد، فانه لا يمكن الحديث عن هذا الاثر الايجابي في ظل التعديلات السابقة باستثناء التعديل الصادر بمقتضى ظهير28 شتنبر1974 المتعلق بالاجراءات الانتقالية، حيث اصبح الفصل التاسع منه يعطل مفعول الفصل 384 والفصل 400 من ق.م.ج. ( الفقرتين 3 و4 منه) اذ لم يبق معه للمحكمة الحق في ان تصدر الحكم بايداع الظنين في السجن او بالقاء القبض عليه.

    البحث الأول: التعديلات الهادفة الى ضمان حق الحرية

    ( الفصول 68-69-82- 154-456 ق.م.ج)

    كما سبقت الاشارة (2) فان حرية الانسان مقدسة كحياته، وكل تقييد او حرمان من هذه الحرية يجب ان يتم بكيفية قانونية وهو ما تؤكد عليه المادة التاسعة(9) من الاعلان العالمي، والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية.

    الا ان هذه الاجراءات السالبة للحرية تواجه بكثير من الانتقادات بالرغم من اعتراف بعض الفقه بمزاياها(3).

    ونظرا لهذه المزايا، فان الابقاء عليها يكون ضروريا في بعض الحالات، ولذا فان المشرع تقديرا لخطورتها السلبية على الشخص الخاضع لها قد عمل على احاطتها بنظام محكم ودقيق حتى لا يحدث أي تعسف في استعمالها.

    واذا كان تحديد مدة هذا الاجراء من بين الشروط التي يجب احترامها حتى يعتبر اجراءا قانونيا، فان هذا الاجراء لم يكن من طابع التعسف، وان كان يتم في اطار الشرعية القانونية( في ظل تعديل سنة1962) اذ لم يعمل هذا التعديل الا على مضاعفة مدة الحراسة القضائية والاعتقال الاحتياطي اللذان يمسان باهم حق من حقوق الانسان الا وهو حق الحرية.

    ----------------------

    مجلة المحاكم المغربية، عدد 43، ماي، يونيه86 بحث الاستاذ محمد طبيح.

    هل لازال ممكنا لرئيس المحكمة الابتدائية ان يامر بالقاء القبض على المحكوم عليه او بايداعه في السجن تطبيقا للفصل400 ق.م.ج.

    انظر الصفحة 8.

    دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد عياط، ص 54 بند479.

    ----------------------

    الوضع تحت الحراسة (1) الفصول 68-69-82 ق.م.ج.

    يعتبر الوضع تحت الحراسة اجراء من اجراءات البحث التمهيدي الذي يقوم به رجال الضابطة القضائية. (2)

    واذا كان الاجراء، الذي ينطوي على ابقاء الشخص رهن ضابط الشرطة في مكان معين، وذلك لضرورة يتطلبها البحث، بهدف الى تسهيل عملية البحث، وضمان فعاليتها، فانه يشتمل على مساس كبير بالحرية الشخصية للافراد، وذلك لما ينطوي عليه من حرمان منها.

    فإلقاء القبض على الشخص والاحتفاظ به رهن الشرطة القضائية، يحرم هذا الشخص من حريته الامر الذي يشكل مسا بحقوقه الاساسية.

    ونظرا لوعي المشرع بخطورة هذا الاجراء وما له من تاثير على حرية وحقوق الفرد، فانه قد احاط ممارسته بتقنين محكم لا من حيث شكلياته وشروطه ولا من حيث مدته، كما رتب عقوبات على المتعسف في استعماله.

    ويقصد بالشكليات تلك الاجراءات المفروضة على ضباط الشرطة عند قيامهم بهذا التدبير الماس بحرية الاشخاص درءا لما يمكن ان يترتب عليه من تجاوزات ترتب المسؤولية على المخل بها.

    وبالاضافة الى الفقرة الاولى من الفصل69 من ق.م.ج التي توجب على ضابط الشرطة القضائية عند استجوابه للشخص الموضوع تحت الحراسة تضمين المحضر يوم وساعة اطلاق سراحه او تقديمه الى القاضي الذي يرجع اليه النظر، فان الفقرة الثانية

    ----------------------

    المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي، ص 136 بند 607.

    الجزء 1 ص 211 وما بعدها.

    المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي العملي المشيشي، الجزء 1 ص 126 وما بعدها.

    دراسة في المسطرة الجنائية المغربية م س من ص 53 الى 62.

    مجلة المحامون الصادرة من هيئة المحامين باسفي، العدد 2 السنة 2/1993 ص 47 و51.

    مجلة المحامون الصادرة من هيئة المحامين بمراكش، م . س ص 10 وما يليها.

    شرح قانون المسطرة الجنائية ( الجزء الاول) للدكتور احمد الخمليشي ص 306 وما بعدها.

    شرح قانون المسطرة الجنائية الجزء1 350 وما بعدها الدكتور محمد الخمليشي ص 314 وما بعدها.

    دراسة ف.ي المسطرة الجنائية المغربية ( الجزء 2) … الدكتور محمد عياط ص 84 وما بعدها.

    ---------------------

    المضافة بمقتضى ظهير 30/12/91 (3) قد عملت على اقرار ضمانة اخرى لصالح الخاضعين لهذا الاجراء، اذ يتعين على ضابط الشرطة القضائية اشعار عائلة المحتفظ به فور اتخاذه القرار بوضعه تحت الحراسة، كما يتعين عليه توجيه لائحة بأسماء المحتفظ بهم خلال 24 ساعة السابقة يوميا الى كل من وكيل الملك والوكيل العام، وذلك حتى تتمكن النيابة العامة من رقابة عمل ضابط الشرطة القضائية.

    ويمضي المحتفظ به في طرة المحضر او يشار الى رفضه التوقيع ( فقرة 3)

    ويجب تسجيل تضمين مماثل في كناش خاص كرم صفحاته وتمضي عليه السلطة القضائية ( فقرة4)

    وكما يلاحظ فان صيغة الفقرة الثانية من الفصل المشار اليه أعلاه، قد أتت مشوبة ببعض الغموض، اذ انها الزمت ضابط الشرطة القضائية بتوجيه لائحة بأسماء المحتفظ بهم الى كل من وكيل الملك والوكيل العام للملك.

    فهل يتعلق الامر بلائحتين فعلا ؟ ام ان المشرع اغفل اضافة عبارة " كل فيما يخصه" وفق ما تم التنصيص عليه في الفصلين 68 و82 من ق.م.ج ؟

    وهل الالتزام الملقى على عاتق ضباط الشرطة القضائية يتعلق بحالة التلبس فحسب ام انه مفروض في الحالة العادية.

    وهل يفهم من عبارة " يعين" الواردة في هذه الفقرة ان القيام بالاشعار وبتوجيه اللائحة متروك لارادة واختيار ضابط الشرطة ام يفهم منه الالزام، وبالتالي الخضوع للجزاء الذي يرتبه الفصل 245 من ق.م.ج والبطلان الذي يرتبه الفصل 765 من ق.م.ج ؟

    وتمشيا مع هدف المشرع الذي هو احاطة " الاجراءات " الماسة بحرية الافراد باكبر عدد ممكن من الضمانات والمراقبات، وذلك من اجل المحافظة على حرية الاشخاص الخاضعة، لهذه الاجراءات، فانه لا يسعنا الا القول بان الامر يتعلق بالتزام يجب على ضابط الشرطة القضائية القيام به مع ترتيب الجزاء والبطلان المشار اليهما في الفصلين اعلاه، وذلك عند اخلاله بهذا الالتزام.

    اما من حيث شروط الوضع تحت الحراسة فانه يجب ان يكون البحث متعلقا بجناية او جنحة معاقب عليها بالحبس، وان تتطلبه ضرورة البحث، ويخضع تقدير هذه الضرورة لضابط الشرطة القضائية….".

    وينص الفصل 82 من ق.م.ج على " اذا كان الامر يتعلق بجريمة او جنحة والملاحظ ان عبارة "جريمة" هي شاملة للجناية والجنحة وقصد المشرع هو الجناية او الجنحة.

    ويضاف الى الشرطين السابقين شرطان آخران متعلقان بتمديد فترة الوضع تحت الحراسة في كل من الحالة العادية وحالة التلبس وسنتعرض لهما عند التطرق لمدة هذا الاجراء.

    اما من حيث مدته(1)، فان المشرع خطا خطوة جبارة حينما عمل على تخفيض مدة هذا الاجراء الى نصف ما كانت عيه في ظل تعديل 18/09/62.

    ففي الجرائم العادية، فان مدة الوضع تحت الحراسة اصبحت محددة في 84 ساعة قابلة للتمديد باربعة وعشرين ساعة باذن كتابي يصدره وكيل الملك او الوكيل العام كل فيما يخصه.

    اما بالنسبة لجرائم الاخلال بسلامة الدولة الداخلية او الخارجية فان فترة الوضع تحت الحراسة اصبحت محددة في 86 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة باذن كتابي صادر عن النيابة العامة.

    والجدير بالذكر ان هذا التعديل عمل على حصر تحديد فترة الوضع تحت الحراسة في مرة واحدة فقط.

    وبهذا يكون المشرع قد وضع حدا للوضعية السابقة، والتي لم يكن فيها عدد المرات التمديد محددا الامر الذي يشكل مساسا خطيرا بحرية الشخص الخاضع لهذا الاجراء. (3)

    واخيرا تجدر الاشارة الى الشرطين المشار اليهما اعلاه والمتعلقان بتحديد مدة فترة الوضع تحت الحراسة.

    ففي الحالة العادية ( ف 82 ق.م.ج) فان ضابط الشرطة القضائية اذا ارتاى ضرورة تمديد مدة فترة الوضع تحت الحراسة، فانه يجب عليه قبل انتهاء مدة 48 ساعة ان يقدم المشبوه فيه الى ممثل النيابة لكي يستمع اليه ( الفقرة 1) وبعد انصات وكيل الملك الى المعني بالامر،

    ------------------

    دراسة في المسطرة الجنائية المغربية ( الجزء 2) الدكتور محمد عياط ص 55 بند 481 و482.

    شرح قانون المسطرة الجنائية المغربية ( الجزء1) الدكتور الخمليشي م.س.ص 319-307.

    التمديد يكون لنفس الفترة او لاقل منها م.س ص 307 هامش 303-302.

    كان التمديد ممكنا لعدة مرات كلما اقتضته ضرورة البحث الامر الذي اصبح معه الوضع تحت الحراسة غير مقيد بمدة، هو ما سار عليه الاجتهاد القضائي.

    المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد الادريسي العملي المشيشي م، س ص201، فقرة 272.

    دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد عياط، م، س ص 76 بند 509.

    -----------------

    فانه يجوز له تمديد الاجل بمقتضى اذن كتابي وذلك لمدة 24 ساعة اخرى ( الفقرة 3) ويمكنه بصفة استثنائية منح الاذن المذكور بموجب قرار معلل باسباب دون ان يساق الشخص الى النيابة ( فقرة 4).

    اما في حالة التلبس فان تمديد فترة الوضع تحت الحراسة من طرف النيابة العامة مشروط بوجود ادلة خطيرة ومتناسقة تؤكد التهمة ضد الشخص الموضوع تحت الحراسة ( ق 2 من الفصل 68 ق.م.ج) (1).

    واذا كان المشرع قد عمل على الحسم في مرات التمديد، وحدده في مرات واحدة فقط، اذ اصبحت مدة الحراسة تحدد في 24 ساعة في الجرائم العادية وبـ 96 ساعة او اقل منها (2) في جرائم الاخلال بسلامة الدولة الداخلية والخارجية، فان التنصيص على هذا النوع الاخير من الجرائم قد اثار العديد من التساؤلات ؟

    ولتوضيح ذلك فانه يتعين اولا معرفة الجهة التي يرجع اليها الاختصاص في جرائم امن الدولة الخارجي بصفة خاصة حتى نتمكن من معرفة القانون الواجب التطبيق.

    تطبيقا للفصل الرابع من قانون العدل العسكري، فان هذه الجرائم تخضع لاختصاص المحكمة العسكرية والتي يدخل في اختصاصها ايضا جرائم امن الدولة الداخلي والجنح المرتبطة بها عندما يكون مرتكبوها خاضعين لاختصاص المحكمة العسكرية ( الفصل1 من قانون 26/07/71) او عندما يساهم او يشارك فيها هؤلاء ( الفصل 3 من نفس القانون).

    وطبقا لمقتضيات الفصلين 68 و82 ( الفقرة الاخيرة ) فان هذه المقتضيات تشمل جرائم المس بامن الدولة الداخلي والخارجي ايضا.

    وتبعا لذلك فاننا نتواجد امام قانونين متعارضين

    فالفصل الثالث من قانون 26/07/71 يقضي بان مدة الوضع تحت الحراسة هي عشرة ايام يمكن تمديدها كلما اقتضى الحال وينص صراحة على استبعاد المقتضيات الواردة في الفصول 68 و82 (169 من ق.م.ج). (3)

    ----------------------------

    دراسة في المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد عياط ، م، ص 54 و55.

    شرح قانون المسطرة الجنائية المغربية، دكتور محمد الخمليشي، م، س، ص311 بند 266.

    المسطرة الجنائية المغربية، الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي، ص 202.

    انظر الصفحة السابقة، هامش 2.

    التمديد يتم من طرف وكيل الملك لدى المحكمة العسكرية وقاضي التحقيق في الحالة المنصوص عليها في الفصل169 من ق.م.ج

    ---------------------------

    والفصلين 68 و82 ( الفقرة الاخيرة) من ق.م.ج ينصان على ان هذه المدة 96 ساعة قابلة للتمديد مرة واحدة فقط، وينصان صراحة على تطبيق مقتضيات على جرائم المس بسلامة الدولة الداخلية والخارجية.

    ويمكننا القول استنادا الى ما سبق ان الاختصاص في الجرائم المشار اليها في الفصل ق.ع.ع والفصلين 68 و82 من ق.م.ج يبقى دائما للمحكمة العسكرية، مع خضوع مدة الوضع تحت الحراسة للمقتضيات الجديدة الواردة في الفصلين 68 و82 المذكورين عملا بالقاعدة الثانية التي تقضي بتطبيق القانون الاصلح لفائدة المتهم.

    ويثير الاستغراب موقف الدكتور محمد عياط في مؤلفه (1) والذي ذهب فيه الى اعتبار حصر تمديد فترة الوضع تحت الحراسة ( في ظل المقتضيات الجديدة لقانون المسطرة الجنائية) لا ينطبق على الجرائم الماسة بامن الدولة الداخلي المحالة على المحاكم العادية مع ابقاء جرائم الماس بسلامة الدولة الخارجية خاضعة للفصل الثالث من قانون 26/07/91 المعدل لقانون العدل العسكري.

    وخلافا لذلك فان رأي أستاذنا الدكتور محمد الخمليشي (2) قد أتى باكثر وضوحا وتلاؤما مع مفهوم حقوق الإنسان ( فيما يتعلق بضمان حق الحرية)، ذلك انه يرى بان عدم تطبيق قانون 67/90 الذي ينص صراحة على جرائم امن الدولة الداخلي والخارجي امام المحكمة العسكرية يكون إرادة لهذه الجرائم مجرد لغو وهو ما لا يتناسب ونصوص التشريع، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فان قانون 26/07/91 استعبد مقتضيات الفصلين 68 و82 ق.م.ج في صياغتهما القديمة والتي كانت فترة الحراسة في ظلهما تفوق مدتها (12 يوما ) المدة المحددة في الفصل 3 من ق.ع.ع.

    الاعتقال الاحتياطي (3) الفصل 154 من ق.م.ج:

    لقد عرف المشرع الاعتقال الاحتياطي بكونه اجراءا استثنائيا، وذلك لما يقتضيه من حرمان الشخص المتهم من حريته عن طريق وضعه في السجن ودون ان يكون هناك حكم صادر بإدانته.

    ويشكل هذا الاجراء مخالفة لما تقضي به المادة الحادية عشرة (11) من الاعلان والمادة الرابعة عشرة (14) (فقرة 2) من العهد، اللتان تعتبران كل شخص بريء الى ان تبث إدانته طبقا للقانون.

    -------------------------

    م. س، ص55.

    م، س 10 هامش4 ص 308.

    المسطرة الجنائية الدكتور محمد الادريسي العلمي لمشيشي، ص 2178 وما بعدها.

    دراسة المسطرة الجنائية الدكتور محمد عياط، م، س، ص 137.

    -------------------------

    كما انه يتعارض والقاعدة الاصولية المعروفة التي تقضي بان براءة المتهم هي الاصل. ولذا فان اللجوء اليه يجب ان لا يقع الا في الحالات التي يكون احتمال فرار المتهم فيها راجع جدا وان يكون مقيدا بمدة قصيرة.

    وقد انقسم الفقه (1) بين مؤيد ومعارض لهذا الاجراء الخطير في حين تعمل بعض التشريعات (2) على الحد من اللجوء اليه وذلك باتخاذ تدابير اخرى لا تكون فيها حرية الفرد عرضة للتقييد.

    وقد لجا المشرع المغربي بدوره الى التقليص من مدة الاعتقال الاحتياطي، وتطبيقا لذلك فان مدته تكون محددة في شهر واحد وذلك في الجنح التي لا تفوق مدة العقوبة فيها سنتين شريطة ان لا يكون المتابع قد صدر الحكم عليه من اجل جناية او جنحة عادية بعقوبة سالبة للحرية تزيد مدتها عن ثلاثة اشهر نافذة، وان يكون مقيما بالمغرب ( ف 153 من ق م ج).

    ويجدر التنبيه بان مدة الاعتقال لا يمكن تمديدها اطلاقا في هذه الحالة. واصبحت مدته بمقتضى تعديل سنة 1991 المدخل على الفصل 154 من ق م ج، شهرين وذلك بالنسبة للجنح غير تلك الخاضعة لمقتضيات الفصل المذكور اعلاه.

    ولابد من لفت الانتباه الى ان الخطوة الايجابية في هذا التعديل لا تتعلق بتخفيض مدة الاعتقال الى نصف ما كانت عليه في ظل ظهير18/09/62 ( حيث كانت هذه المدة محددة في 4 اشهر) فحسب بل ايضا في تحديد مرات التجديد الذي حصره المشرع في 5 مرات لا يمكن تجاوزها خلافا فيما كان عليه الحال في ظل الظهير السابق المشار اليه اعلاه، حيث كان التمديد يتم لنفس المدة وكلما دعت الحاجة الى ذلك (3).

    ويجب على قاضي التحقيق " اثناء هذه المدة ان يتخذ قرارا باحالة المتهم على غرفة الجنايات، والا اطلق سراحه بقوة القانون مع استمرار التحقيق.

    ---------------------

    دراسة المسطرة الجنائية، الدكتور محمد عياط، م، س ص 137 بند 607.

    دارسة المسطرة الجنائية، الدكتور محمد عياط، م، س ص 139، هامش 44.

    يذهب الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي الا ان سكوت القانون عن تمديد مرات التجديد يقتضي ان لا يتجاوز هذا التمديد مدة العقوبة المحددة للفعل المعاقب عليه في حالة الادانة الفعلية.

    المسطرة الجنائية، م، س، ص 279.

    اشار عبد العزيز توفيق في قانون المسطرة الجنائية، ص 29 الا ان الاعتقال الاحتياطي اثناء التحقيق في ظل ظهير 13/08/1913 كان قابلا للاستمرار خلال اشهر عديدة وفي خلال عدة سنوات دون ان تكون النيابة العامة ولا قاضي التحقيق ملزما باتخاذ أي تدابير لتبرير هذه الوضعية.

    ---------------------

    ويكون التساؤل هنا حول المقصود من عبارة " اثناء المدة" هل هي مدة شهرين أم مدة السنة(1)؟ يرى الدكتور محمد عياط الى ان المقصود من هذه العبارة هو مدة السنة، وهذا الموقف لا يخلو من تشديد وتقييد حرية الشخص الخاضع للاعتقال الاحتياطي.

    ولعل المشرع يقصد بهذه العبارة المدة القانونية للاعتقال والمدة القانونية هي مدة الشهرين، وكذا المدة الممددة شريطة ان يتم تمديدها وفقا للمقتضيات القانونية المنصوص عليها في هذا الفصل، والا كان الاستمرار في الاعتقال مشوبا بالتعسف، وبالتالي فان الاعتقال يكون غير قانوني.

    ج- الإفراج المؤقت (2) الفصلين 156 و406 من ظهير10/09/93

    يمكن تعريف الافراج المؤقت بانه الامر الصادر من طرف قاضي التحقيق بصفة اصلية وذلك لوضع حد الاعتقال الاحتياطي.

    والاعتقال الاحتياطي تدبير يتسم بالخطورة ( وكما سبق الاشارة الى ذلك)، ولذا فانه يجب وضع حد له كلما لم يعود له وجود وذلك بزوال الاسباب التي ادت الى الامر باجرائه.

    وقد عمل المشرع على ادخال تعديل على الفصل 156 من ق.م.ج المتعلق بالافراج المؤقت بمقتضى ظهير10/09/93.

    من له الصفة في رفع طلب الافراج المؤقت؟

    ان حق طلب الافراج المؤقت مخول لكل من المتهم بصفة شخصية او بواسطة محاميه ( الفقرة 1) ويحق له تقديم هذا الطلب في أي وقت ودون ان يخضع طلبه هذا لشكليات معينة مع عرض كفالة ان اقتضاها الحال.

    كما يحق للوكيل العام رفع طلب الافراج المؤقت الى الغرفة الجنحية ( الفقرة 6)

    من هي الجهة المختصة للبت في طلب الافراج ؟

    ان طلب الافراج المؤقت يوجه لقاضي التحقيق بصفة اصلية (الفقرة)، وكذا للغرفة الجنحية وذلك في الحالة التي لا يبث فيها قاضي التحقيق في الطلب داخل اجل

    ---------------------

    مجلة المحامي الصادرة من هيئة مراكش، ص 16.

    دراسة في المسطرة الجنائية المغربية للدكتور محمد عياط، م، س، ص 142 بند613.

    التمديد يكون بمقتضى امر معلل تعليلا خاصا يصدره قاضي التحقيق بناء على طلبات وكيل الملك المدعمة باسباب ( ف 154 من ق.م.ج) وان لا يتجاوز 5 مرات.

    دراسة المسطرة الجنائية المغربية الدكتور محمد عياط، م، س، ص137، وما يليها.

    ---------------------

    خمسة أيام من توجيه الملف الى الوكيل العام( الفقرة5) وقاضي التحقيق ملزم بتوجيه الملف حالا الى الوكيل العام قصد اصدار قراراته، وباشعار المطالب بالحق المدني بمقتضى رسالة مضمونة الوصول حتى يتمكن من تقديم ملاحظاته ( الفقرة 2).

    ما هي شكليات الامر بالافراج المؤقت:

    ان البث في طلب الإفراج يتم بمقتضى أمر قضائي معلل بأسباب داخل اجل محدد قانونا وهو5 أيام على الأكثر من توجيه الملف الى الوكيل العام ( الفقرة 3).

    ولا يحق لقاضي التحقيق إصدار هذا الامر الا بعد مرور48 ساعة بعد إعلام المطالب بالحق المدني ان وجد (الفقرة 4) حتى يتمكن هذا الأخير من تقديم ملاحظاته.

    أما في الحالة التي يرفع فيها الطلب إلى الغرفة الجنحية، فان اجل البث فيه هو خمسة عشر يوما الموالية للطلب في القضايا الجنحية وثلاثون يوما الموالية له في القضايا الجنائية، وذلك بناء على طلبات النيابة العامة المدلى بها كتابة والمعللة بأسباب ( الفقرة 5).

    هل يعلق صدور الامر بالافراج دائما على تقديم طلب به؟

    ان الفصل 156 من ق.م.ج يقضي بانه يجوز لقاضي التحقيق إصدار الامر بالافراج تلقائيا في جميع القضايا وذلك بعد استشارة وكيل الملك ( الفقرة ج1).

    كما انه توجد حالات يوجب القانون فيها إصدار هذا الامر وهذه الحالات هي:

    انتهاء مدة الاعتقال الاحتياطي المحددة في شهر واحد ( الفصل 153 ق.م.ج).

    انتهاء مدة الاعتقال الاحتياطي المحددة في شهرين ( الفصل 154 ق.م.ج).

    مع إمكانية تمديدها (1) لنفس المدة وفي حدود 5 مرات.

    إصدار قاضي التحقيق لأمره بعدم المتابعة.

    إصدار قاضي التحقيق لأمره بالإفراج عن المتهم وذلك في الحالة التي تكتسي فيها الأفعال المعروضة عليه صفة مخالفة ( الفصل 197 من ق.م.ج).

    واخيرا تجدر الاشارة الى ان اصدار بالافراج المؤقت شروط بتعهد المتهم بالحضور في جميع اجراءات للدعوى، وباخبار قاضي التحقيق بجميع تنقلاته استنادا الى المقتضيات الواردة في الفصل 155 من ق.ج.م والتي يحيل عليها الفصل 156 من ق.م.ج ( الفقرة 1 ) صراحة.

    وباستثناء التعديل الملحق بالفقرة الخامسة من الفصل 156 من ق.م.ج والذي عمل على التمييز بين القضايا الجنحية وتحديد مدة البث في طلب الافراج المقدم من طرف المتهم خلالها، وبين القضايا الجنائية وتحديد مدة البث في طلب الإفراج المقدم من طرف المتهم خلالها، فان تعديل باقي الفقرات لم يشتمل سوى على تغيير لعبارة وكيل الدولة التي تم استبدالها بعبارة الوكيل العام للملك وذلك تمشيا مع المقتضيات الجديدة التي اتى بها ظهير الاجراءات الانتقالية والتي تم نقل قضاء التحقيق فيها الى محكمة الاستئناف.

    والبث من طرف الغرفة الجنحية في خلال المدة القانونية المحددة لها في كلتا القضايا يلزمها سواء في حالة تقديم الطلب من طرف المتهم مباشرة ( وذلك عند عدم بث قاضي التحقيق خلال الاجل المحدد له من يوم توجيه الملف الى الوكيل العام للملك وفق ما سبقت الاشارة الى اليه) او من طرف الوكيل العام للملك وفق ما تقضي به الفقرة الاخيرة من هذا الفصل.

    واذا لم تقم الغرفة الجنحية بدورها بالبث خلال هذه المدة، فان الإفراج المؤقت عن المتهم يقع مباشرة ما لم يكن هناك اجراء اضافي للتحقيق.

    وبمقتضى ظهير 10/09/93 اصبحت الفقرة 4 من الفصل 406 تقضي بوجوب رفع طلب الاستئناف في اليوم الموالي لصدور الحكم ويفرج عن الظنين، عدا في قضايا الجنح التي لها مساس بمقدسات البلاد او بالنظام العام او المتعلقة بالاتجار الغير المشروع في المخدرات ( فقرة 4)، وفي هذه الحالة تصدر محكمة الاستئناف في قرارها داخل اجل 15 يوما الموالية للاستئناف والافراج عن الظنين فورا ( فقرة 5).

    البث في طلب الافراج المؤقت يتم طبقا للفصلين 157 و337 من ق.م.ج ( الفقرة 4 منه).

    واذا كان الفصل157 المشار اليه يشير الى من له الحق في تقديم طلب الافراج وفي اية مرحلة من مراحل المسطرة ؟ وكذا للجهة المختصة للبث في هذا الطلب، فان الفصل397 المذكور يقضي بانه : " ان كانت القضية غير جاهزة امرت المحكمة بارجائها لزيادة البحث فيها وان اقتضي الحال وبافراج مؤقتا عن المتهم او بغير كفالة".(1)

    ------------------

    قانون المسطرة الجنائية، عبد العزيز توفيق.

    ق.م.م.ج في ظل ظهير18/09/92 كانت غرفة الاتهام هي المختصة للبث في جميع القضايا وداخل اجل واحد وهو ثلاثون يوما.

    وقد حذفت غرفة الاتهام بمقتضى ظهير الاجراءات الانتقالية واصبحت الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف تبث في الاختصاصات التي كانت غرفة الاتهام باستثناء ما يتعلق بدراسة القضية بعد انتهاء التحقيق فيها واحالتها على محكمة الجنايات.

    ----------------

    ويفهم من صياغة هذا الفصل ان المشرع يستحسن الامر بالافراج المؤقت من طرف المحكمة سواء كان ذلك بكفالة او بغير كفالة وان كانت القضية غير جاهزة.

    وخلافا لذلك فان صياغة الفقرة 5 من الفصل156 من ق.م.ج المعدل بنفس الظهير تقضي بعكس ذلك، اذ لا يحق اصدار الامر بالافراج المؤقت من طرف الغرفة الجنحية، اذا كان هناك اجراء اضافي للتحقيق وتقضي هذه الفقرة على ان المتهم ان يرفع طلبه مباشرة الى الغرفة الجنحية …. التي تبث في ظرف … والا يقع مباشرة الافراج المؤقت عن المتهم اللهم الا اذا كان هناك اجراء اضافي في التحقيق.

    وعند تقديم طلب الاستئناف فان " الافراج عن الظنين يتم رغم استئناف النيابة العامة عدا في قضايا الجنح التي لها مساس بمقدسات البلاد او بالنظام العام او المتعلقة بالاتجار الغير المشروع في المخدرات( فقرة 4).

    وفي هذه الحالة تصدر محكمة الاستئناف قرارها داخل اجل 15 يوما الموالية للاستئناف والا فيفرج فورا عن الظنين ( الفقرة 5).

    واذا كانت الفقرة 1 من الفصل406 تقضي بان مقتضيات الفصل384 وما يليه الى غاية 389 تطبق على قضايا الجنح الضبطية، فان مقتضيات الفصل384 تتعارض مع مضمون الفصل 9 من ظهير الاجراءات الانتقالية الذي يقضي بان طلب الاستئناف له اثر واقف في جميع الاحوال، والذي ابطل مفعول كل من الفصلين 384 و400 (الفقرة 3) من ق.م.ج(1).

    وبما انه لم يعد للقاضي الحق في اصدار حكمه بايداع الظنين في السجن او بالقاء القبض عليه عند تقديم طلب الاستئناف عملا بالفصل 9 منه فان الافراج عن الظنين المعتقل عند تقديمه لطلب الاستئناف يكون واجبا من باب اولى.

    واذا كان الشق الثاني من الفقرة 4 قد اورد استثناء، واذ لا يتم بمقتضاه الافراج عن الظنين في قضايا الجنح التي لها مساس بمقدسات البلاد، او بالنظام العام او المتعلقة بالاتجار الغير المشروع في المخدرات بالرغم من تقديمه لطلب الاستئناف، فان المشرع قد عمل في الفقرة 5 على الحد من هذا الاستثناء لما فيه من مساس بحرية الظنين، وعليه فاذا لم تصدر المحكمة الاستثنائية قرارها بالافراج داخل اجل 15 يوما الموالية للاستئناف، فان الافراج عن الظنين يتم بصفة فورية.

    ---------------------

    انظر في هذا الصدد بحث الاستاذ محمد طبيح المنشور بالمرجع المشار اليه سابقا، ص12 هامش3 .

    --------------------

    البحث الثاني : التعديلات الرامية الى تكريس حق الدفاع

    ( الفصلان 76-127 من ق.م.ج والفصل 2 ظ أ ن).

    يعتبر حق الدفاع (1) مظهرا من مظاهر العدل ووسيلة من وسائل تحقيقية، واذا كان الادعاء العام يمارس بكامل الحرية، فان هاته الحرية يجب ايضا ضمانها بالنسبة لحق الدفاع.

    وتؤكد على حق الدفاع المادة الحادية عشرة (11) من الاعلان العالمي التي تقضي بوجوب تامين الضمانات الضرورية للدفاع عن الشخص المتهم.

    كما تشير المادة الرابعة عشر(14) من العهد الدولي الى منح المتهم الوقت والتسهيلات الكافية لاعداد دفاعه والاتصال بمن يختاره من المحامين ( الفقرة ب)، والى اجراء محاكمته بحضوره ليدافع عن نفسه او بواسطة مساعدة قانونية يختارها هو او تعين له مساعدة قانونية في الحالات التي تستلزمها مصلحة العدالة (الفقرة د).

    وقد عمل قانون 30/12/91 على التاكيد على هذا الحق الذي بواسطته يتم تعزيز حقوق الإنسان وتوفير الحماية الواجبة لها.

    وهيئة الدفاع لن تتمكن من القيام بدورها، الا اذا كانت متمتعة بالاستقلال التام ومتوفرة على كافة الضمانات الاساسية للقيام بواجبها المهني.

    كما ان تواجد الدفاع قد يكون من شانه درء أي نوع من انواع المعاملة الماسة بالكرامة، واي نوع من انواع الضغط، او الترهيب.

    ولذا، فان حق الدفاع يجب ان يمارس اثناء جميع مراحل الدعوى الجزائية، وقد عمل مشرع ظهير30/12/91 على تعزيز دور الدفاع لما فيه من تدعيم لضمانات الشخص المتهم، وحماية لحقوقه، وذلك بمقتضى التعديلات الملحقة بالفصول 76 و127 من ق.م.ج ومن ظهير الاجراءات الانتقالية.(2)

    فوجوب اشعار المتهم بحقه في تنصيب محام عنه حالما اصبح امرا ملزما لكل من وكيل الملك ( ف76 من ق.م.ج)، وقاضي التحقيق ( ف 127 من ق.م.ج) والوكيل العام للملك ( ف2 من ظ ا ن).

    -------------------------

    حول ماهية حق الدفاع ( صور من الاخلال بحق الدفاع) الدكتور عبد الحميد الشواربي، ص 23 وما يليها.

    مجلة الملحق القضائي، عدد 27 شتنبر93، ص 91 وما يليها.

    رتب المشرع جزاءا صارما على خرق المقتضيات التي يترتب عنه المساس بحقوق الدفاع ( الفصل 152 من ق.م.ج).

    المسطرة الجنائية .. الدكتور محمد الادريسي العلمي المشيشي …. ص 286.

    -----------------------

    وفي حالة عدم قيام المتهم بالاختيار الواجب عليه القيام به فورا، فان تعيينه يتم تلقائيا من طرف قاضي التحقيق ( ف127 من ق.م.ج)، وكذا من طرف رئيس غرفة الجنايات ( ف 2 من ظ ا ن).

    ولم يشيرالفصل76 من ق.م.ج الى هذا التعيين التلقائي، فاذا لم يقم المتهم حقه في تنصيب محام عنه فهل يتم اجراء استنطاقه في غياب الدفاع ؟

    ان حضور المحامي اصبح ضروريا اذن في مرحلة الاستنطاق الاولي، وفي حالة عدم قيام المتهم بتنصيب محام عنه، فان تعيينه يجب ان يتم بصفة تلقائية في هذه الحالة ايضا(1).

    وبتنصيب المحامي من طرف المتهم، او تعيينه تلقائيا لحضور الاستنطاق الأولي يكون البقاء على الفقرة الاولى من الفصل 129 من ق.م.ج مجرد لغو الامر الذي يجب معه تدخل المشرع لسد هذه الثغرة القانونية.

    كما ان التنازل الصريح عن حضور المحامي المنصوص عليه في الفصل 132 من نفس القانون يتعارض، والمقتضيات المنصوص عليها في الفصول المشار اليها اعلاه بصفة خاصة عند التعيين التلقائي للمحامي لما في التنازل من إنقاص من الضمانات المخولة للمتهم.

    وبتدقيق النظر في صياغة نص الفصل 127 من ق.م.ج نجد بان المشرع قد نص على " … والا فيعين له تلقائيا محاميا ان طلب ذلك في حالة عدم اختياره له".

    ومعنى التعيين التلقائي، ان هذا التعيين يتم دون الاستناد الى طلب من المتهم، ولذا فان التعارض ينتج عن اضافة عبارة "ان طلب ذلك" والتي يتعين حذفها … وقد اتى مفهوم التعيين التلقائي واضحا في الفصل2 من ظ ا. ن.

    وتاكيدا على حماية حق حرية المتهم فان الفصل 76 من م.ج، لم يلزم وكيل الملك او نائبه باصدار الامر بايداع المتهم في السجن، بل منحه امكانية تقديمه حرا للمحكمة شريطة تقديم ضمانة مالية يحددها له او ضمانة شخصية.

    وحماية لهذا الحق ايضا فان الفصل 2 من ظ ا ن، يشير صراحة الى ان مدة الاعتقال يجب ان لا تتجاوز مدة 15 يوما، ويجب احالة المتهم على اثر انتهائها الى غرفة الجنايات، هذا اذا كانت القضية غير جاهزة للحكم اما اذا كانت جاهزة، فان التحقيق يجري في شانها.

    ------------------------

    الاخلال بحق الدفاع في ضوء الفقه والقضاء ( ماهية حق الدفاع) الدكتور عبد الحميد الشواربي، ص 105.

    -----------------------

    وحماية للمتهم من التعسفات وتعذيب الشرطة القضائية، فانه يحق لكل من قاضي التحقيق ووكيل الملك سواء طلب منهما ذلك، او كان تلقائيا القيام بعرض المتهم على طبيب خبير، وذلك عند وجود اثار التعذيب على جسم المتهم ( الفصلان 76 و127 من ق.م.ج).

    وهنا يطرح التساؤل التالي الا يكون حضور المحامي اكثر ضرورة في حالة البحث التمهيدي؟

    ومن ناحية اخرى فان الفحص الطبي ضروري بمجرد وضع الشخص تحت الحراسة، وذلك لتفادي ما يمكن وقوعه من اثار سلبية على صحة بعض الاشخاص الخاضعين لهذا الاجراء والمصابين بامراض قد تؤدي احيانا الى وفاتهم بمخافر الشرطة.

    وقد الزم المشرع قاضي التحقيق بالتنصيص في المحضر على قيامه باعلام المتهم صراحة بالافعال المنسوبة اليه وباشعاره بحريته في عدم الادلاء باي تصريح.

    ويترتب على الاخلال بهذا الالزام بطلان الاجراء نفسه ويمتد هذا البطلان ليشمل الاجراءات التالية الاتية بعد ذلك بصراحة الفصل 180 ق.م.ج.

    واذا كان اعلام المتهم بالافعال المنسوبة اليه واشعاره وحريته في عدم الادلاء باي تصريح والتنصيص في المحضر الزام يقع على قاضي التحقيق بمقتضى نص الفصل 127 ق.م.ج، فان مثل هذا الالزام لا يوجد له اثر في الفصلين 76 ق.م.ج و2 ظ ا ن.

    ويمكننا القول بان المتهم يكون متوفرا على ضمانة احاطها المشرع بجزاء في حالة الاخلال بها( ف190 م ج)، وذلك عند اجراء التحقيق من طرف قاضي التحقيق وذلك خلافا لاجراء التحقيق من طرف وكيل الملك، او الوكيل العام للملك سواء كان الامر يتعلق بالتلبس بجناية او بجنحة.(1)

    خاتمة:

    بعد دراسة التعديلات الملحقة بقانون المسطرة الجنائية، وبصفة خاصة التعديلات المدخلة بمقتضى ظهير30/12/91، وظهير10/08/93، فانه يمكننا القول بان هذه التعديلات قد هدفت الى العمل على ضمان حق الحرية وتكريس حق الدفاع.

    ------------------

    قانون المسطرة الجنائية، عبد العزيز توفيق، ص31.

    ذهب في تعليقه الى مسايرة حرفية النص التي يتجلى منها بوضوح تناقض العبارات.

    ----------------

    ولا ننسى ان ننوه بجهود المحامين المتمثلة في التوصيات والطلبات الصادرة عنهم في جل مؤتمراتهم وندواتهم واجتماعاتهم، وذلك من اجل حث المشرع على التراجع على التعديلات السلبية المدخلة على ظهير1959، والتي تشكل خطورة على حقوق الافراد وحرياتهم، الامر الذي اصبحت معه نصوص قانون المسطرة الجنائية متناقضة مع التزامات بلادنا في ميدان حقوق الانسان.

    وبتدخل المشرع بمقتضى التعديلات الحديثة يكون قد خطا خطوة ايجابية في ميدان حقوق الانسان خاصة وانه هدف بمقتضى هذه التعديلات الى العمل على توفير الحماية اللازمة لحرية الفرد.

    الا ان تدخل المشرع هذا لا يعتبر كافيا اذ عليه ان يزيد من تدعيم تدخله باصدار تعديلات اخرى وذلك للعمل على سد الثغرات القانونية الناجمة عن التعارض بين النصوص المعدلة والنصوص التي تم ابقاؤها على حالها، في انتظار اصلاح جذري لقانون المسطرة الجنائية بكامله.

    وحبذا لو يعمل مشرعنا ايضا على التدقيق في صياغة العبارات وترجمتها لتفادي كل لبس او غموض حول مدلول النصوص.

    كما نامل ان يكون لهذه التعديلات اثر فوري على اجتهاد المجلس الاعلى، حتى يعمل على تغيير مساره القديم الذي لم يكن موافقا لالتزامات بلادنا في ميدان حقوق الانسان.

    المراجع

    المؤلفات:

    المسطرة الجنائية، الجزء 1 للدكتور محمد الادريسي المشيشي العلمي ( بالفرنسية )

    دراسة في المسطرة الجنائية للدكتور محمد عياط

    شرح قانون المسطرة الجنائية، الجزء 1 للدكتور محمد الخمليشي.

    حول ماهية حق الدفاع للدكتور محمد الشواربي.

    ( الاخلال بحق الدفاع في ضوء الفقه والقضاء)

    المجلات:

    مجلة المحاكم المغربية، العدد 30 مارس- ابريل1984.

    مجلة المحاكم المغربية، العدد 43 ماي- يونيه1986.

    المجلة المغربية لحقوق الانسان، العدد 2 فبراير1982.

    مجلة المحامي، العدد 21 السنة 12 فبراير1992.

    مجلة المحامون، العدد 2 السنة 2 فبراير1992.

    مجلة الملحق القضائي، العدد 27 شتنبر1993.

    رسالة المحاماة، العدد 7 اكتوبر1990.

    مجلة الامن الوطني، العدد 171 السنة 1993.

    الدوريات:

    دورية النقيب، يناير1994.

    النشرات:

    نشرة النقيب، العدد 9-10-11 يوليوز- دسمبر1993.

    الجرائد

    جريدة الاتحاد الاشتراكي

    جريدة الشرق الاوسط

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد 76، ص39.