أدخل كلمة للبحث

هل هناك قانون للإضراب في المغرب

هل هناك قانون للإضراب في المغرب

    د.أحمد العواني

    أستاذ القانون الاجتماعي بكلية الحقوق

    جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء.

    كثر النقاش في موضوع قانون الشغل وفعاليته أو مطابقته مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي للمغرب، وكل من تتبع باهتمام مستمر وواكب هذا النقاش لاستخلص العبر التالية:

    في الحقيقة كثيرا ما سلطت الأضواء على النصوص فقط علما أن دراسة هذه النصوص تهيمن فيها الدراسة الوصفية على تحليل مناخها الاجتماعي والاقتصادي أو التاريخي، ودون استحضار الظروف التاريخية التي أنشأتها وكرست بفعل السذاجة القانونية فكرة فعالية القوانين في ميدا قانون الشغل دون التمعن أو التدقيق في مفهوم الفعالية والتطابق.

    هل يعنيان ملاءمة الواقع المجتمعي للقانون؟ فإن هذه الإشكالية تتطلب حتما فهم واستيعاب المشاكل الاجتماعية والاقتصادية لبلادنا. والمؤسسة خلية اقتصادية وكأنها لازالت كيانا مجردا عند بعض قانوني الشغل.

    لابد أن نعترف أن قانون الشغل وليد ظروف معينة تبناه المشرع المغربي برمته.

    هذا التشريع لن يحمل في طياته تأثيرا ولو رمزيا لديناميكية محلية معاشة بمفهوم الوجدانية، فهو عبارة عن نصوص مبعثرة متلاشية يصعب على الباحث أن يقف من خلالها على نية المشرع، إن كانت هناك نية أو منطق للمشرع، ويستحيل كذلك ولو بالدراسة الشمولية أن نجزم أن في تركيبها أو سياقها مشروعا للمؤسسة من زاوية الشغل والتشغيل.

    هناك في القانون المغربي مفهوم للمؤسسة في القانون الجنائي، والقانون الجبائي، والقانون الجنائي، ولا غرابة إذا دونت هذه القوانين في هذه المواد في أحسن أن هناك غموض وضبابية عندما يتعلق الأمر بقانون الشغل، فعوض أن يكون امتدادا لهذه المواد القانونية بحثا عن إدماج الإنسان في المؤسسة وانسجامه في الخلية الاقتصادية، فإن ما يميزه حاليا هو التناقض المثير وعدم التمازج بين القانون المدني والاجتماعي ثم القانون الإداري والاجتماعي، هناك بالفعل مقاومة هذه المواد لبلورة قانون الشغل أكثر حماية أو أكثر إنصافا للشغيلة المغربية.

    إن من السهل جدا طرح عدم فعالية التشريع في ميدان الشغل كاستفهام أو نقد للقانون الوضعي في مجال الشغل، ولكن تفسيره ومعالجته تفرض التوقف ولم لا التوغل عند الضرورة في التاريخ الاجتماعي واقتصاد العمل، لأن هذه العلوم كعلوم قائمة بذاتها لا يمكن الاستغناء عنها أو تجاوزها إن أردنا الإحاطة فعلا بهذه الإشكالية، لا يمكن أن ندرس القانون بمعزل عن هذه الأشياء كلها.

    غريب وجديد في آن واحد أن يكون التشريع برمته سابقا في نشأته لميلاد المؤسسة المغربية وسابقا لبروز طبقة عاملة مغربية. كأن الأشياء انقلبت وأصبحت القوانين هي التي تمهد للمجتمع، لا المجتمع هو الذي يخلق ويقنن لحاجياته، ففي هذا الإشكال التاريخي، إشكال سيرورة تكوين القانون، يوجد موطن عدم الفعالية وعدم التطابق بين قانون الشغل والواقع المعاش في المؤسسات.

    والآن يجب أن نعي كل الوعي أن المغرب يعيش ويجتاز منعطفا اجتماعيا واقتصاديا كيفيا لم يعشه أبدا في الماضي، وندوتكم هذه خير دليل على هذا، حيث تطرحون فيها إشكالية قانون الشغل والتنمية الاقتصادية، كأنكم تريدون من خلال هذه المبادرة العلمية أن توظفوا القانون كأداة للتنمية بإعطائكم للمؤسسة حضورا أكبر ومن تمة تحريرها من التجريد المحاط بها من زاوية قانون الشغل.

    ومما يميز كذلك هذا المنعطف الذي يعيشه المغرب هو تواجد ممثلي أرباب العمل وبعض النقابات.

    هناك شيء جديد ألا وهو الإدارة المتواجدة عند جميع الأطراف في النقاش وتبادل الآراء حول المؤسسة وإشكالية التشغيل، ومما لاشك فيه أن كل شيء محكوم عليه بالتغيير والإصلاح على ضوء رهانات جديدة، رهانات اليوم، هذا ينطبق في رأينا على قانون الإضراب الذي يتأرجح بين استراتيجيات الأمس واستراتيجيات اليوم رغم أن رهانات الأمس ليست هي رهانات اليوم.

    وبين الأمس ورهانات اليوم هل هناك قانون للإضراب بالمغرب؟

    كلنا نعلم أن الإضراب أصبح ظاهرة عادية في الحياة اليومية المغربية، ما يميزها: كثافتها، طولها في بعض الأحيان ثم العنف الذي يرافقها أحيانا أخرى.

    كثر الجدال في نوعيتها وأهدافها وخلفياتها، فالإضراب تضامني تارة، سياسي تارة أخرى، ثم اقتصادي، فمهني. كثرت الفتاوى وتضاربت الآراء حول مشروعيته، أو عدم مشروعيته، ولكل في هذا المجال مشروعيته النسبية أو منطقه في هذا الإضراب أو ذاك.

    ومن البديهي أن تثير هذه المواقف اندهاشا أو صدمة عند كل من يهتم بعلم القانون، لأن مفهوم المشروعية لا يمكن أن يعرف به أو ينطق به بمعزل عن التشريع من جهة ودور القاضي والقضاء خاصة، من جهة أخرى، وانطلاقا من هنا، هناك سؤال يطرح نفسه: ما هو المرجع القانوني أو القانون الأساسي لهذه الآراء أو التحاليل أو لهذه التأويلات؟

    الجواب على هذه الإشكالية القانونية يمكن أن ينحصر في جرد النصوص ودراستها الوصفية. هذا المنهج لا يمكن أن يفيدنا كثيرا، ومما لاشك فيه أننا إذا سلكناه سوف لا محالة نغفل الأهم.

    ولتفادي ذلك سأقترح عليكم منهجا مبنيا على الفرضية التالية:

    طغيان الإضراب السياسي على الإضراب المهني (الذي يهم قانون الشغل والمؤسسة) إرث تاريخي يجب مراجعته، تحليله وتقنينه على ضوء الرهان المطروح حاليا ببلادنا.

    التنمية الاقتصادية وخلق فرص الشغل، لأن استراتيجيات الأمس ليست استراتيجيات اليوم.

    وإن كانت هذه الفرضية لا تجهل إشكالية صعوبة التمييز بين ما هو اقتصادي وسياسي ومهني فإنها تطرح ضرورة تجاوز مفهوم الإضراب كحق في الإطلاق دون ضوابط قانونية، لأن المؤسسة كيان اقتصادي ومهني أولا وقبل كل شيء.

    من خلال تحليل هذه الفرضية سيتضح أن الدراسة الوصفية للنصوص بمفردها لا تكفي لدراسة وفهم الإضراب كمعطى قانوني في علاقته مع التنمية الاقتصادية والمؤسسة من جهة، واحترام وتقنين الإضراب المشروع كحق للعمال من جهة أخرى:

    لذا سنعتمد منهجا يستحضر المباحث الأربعة التالية:

    المبحث الأول: المعيار التاريخي.

    الذي بدونه يصعب اليوم فهم علاقة النقابة بالحزب السياسي ويستحيل كذلك الفرز والتمييز بين الإضراب السياسي، الإضراب العام، الإضراب التضامني، أو الإضراب المهني. كمفاهيم مختلفة بعضها عن بعض.

    المبحث الثاني: المعيار القانوني.

    هذا المعيار يرفض جرد النصوص فقط ويحتم دراسة وتحليل الظروف التي أنشأتها، ثم الوقوف عند مراحل تكوين هذا القانون.

    بمعنى آخر، الرجوع إلى نظرية المصادر القانونية (إن كانت هناك نظرية) لفهم وبسط التناقضات التي يطرحها قانون الإضراب حالا بالمغرب.

    فالمساطير مثلا الإدارية وغيرها لا تساير المبادئ الدستورية.

    المبحث الثالث: المعيار الاقتصادي.

    أي علاقة الإضراب بالتنمية الاقتصادية: هذه الإشكالية التي تطرحونها عن حق، في ندوتكم تفرض نفسها بإلحاح على المشرع وعلى من يعنيهم الأمر، تقنين الإضراب في علاقته بالمؤسسة ككيان قانوني.

    فالمؤسسة قننت ونظمت فيها علاقات الشغل بكيفية غير متوازنة (العلاقات الفردية والعلاقات الجماعية) فما المبرر إذن حتى لا يخضع فيها الإضراب للقانون؟

    المبحث الرابع: المعيار السوسيولوجي.

    الإضراب في هذا المبحث يجب دراسته كوسيلة تعبير، للعمال من جهة وإخبار من جهة أخرى، ثم يجب الإجابة عن بعض التساؤلات: الديموقراطية العمالية وعلاقتها باتخاذ القرار؟ من يقرر في شأن الإضراب وكيف يتخذ هذا القرار؟

    المبحث الأول: تاريخ الإضراب.

    إن تاريخ الإضراب له علاقة وطيدة بتاريخ النقابات، وبالتالي فإن له علاقة بتاريخ قانون الشغل أو تاريخ العمل، لأن هذه المادة تدرس في الجامعات الأوربية. باختصار يمكن أن نحصر المسيرة القانونية للإضراب في تجربة وممارسة الدول الصناعية في أربعة مراحل:

    ـ مرحلة عدم الاعتراف: لأن النقابات لم يعترف بها بعد. وحتى عندما يعترف بها فإن نشاطها يبقى منحصرا في المصالح الفردية دون الجماعية للعمال لأن يعترف بهذه الأخيرة إلا تدريجيا حسب موازين القوى والظروف السياسية.

    ـ مرحلة الاعتراف النسبي: لم يعترف بالإضراب قانونا ولكنه أصبح ظاهرة معاشة واردة تنتظر فقط أن يدرجها المشرع في مشاريعه القانونية ذات الأولوية.

    ـ مرحلة الاعتراف الدستوري: هي مرحلة حافلة وغنية بالنسبة للإبداع القانوني في هذا المجال، تميزت باحتكاك الآراء وبسط النظريات القانونية.

    فالأشغال والدراسات التحضيرية أمام البرلمان الفرنسي والإيطالي مثلا هي بمثابة صراع بين مدارس قانونية مرموقة طرحت للنقاش منذ البداية أهداف الإضراب، ثم علاقته بالمقاولة، فعلاقته بالوظيفة العمومية، بالاقتصاد، بالنظام العام الاجتماعي والسياسي، بحقوق الإنسان بقانون الشغل إلخ...

    وقد استحضرت كل هذه النقاشات، الممارسات السابقة بما فيها التراكم المهم للمواقف القضائية في هذا المجال إلخ.

    ثم المرحلة الأخيرة: مرحلة طرح الإضراب أمام القضاء لمراقبة مشروعيته، لأن الإضراب كحق دستوري مكتسب، وعلى غرار باقي الحقوق الدستورية الأخرى، ليس حقا مطلقا، الشيء الذي يمكن معه أن يتعرض للتجاوزات والخروقات من طرف الإدارة والمقاولات بل ومن النقابات نفسها، مما يجعل دور القضاء في هذا المجال امتدادا أو تتمة لتقنين الإضراب وتنظيمه بل الحرص على مشروعيته

    إن عرض هذه المراحل لا يعني أننا في المغرب يجب أن نخضع ميكانيكيا لضرورة المرور بهذه المراحل الأربعة في تسلسلها فنحن بفعل الاستعمار تبنينا هذه الفلسفة القانونية نفسها، فإذا كانت خصوصيتها التاريخية لا تفرض المرور بهذه المراحل فلا يجب أن يكون مبررا ولتقادي الإشكالية القانونية المركزية، التنظيم واحترام المشروعية للجميع. يجب أن تكون هناك ضوابط قانونية مشروعة.

    لقد اعترف بالنقابات في المغرب سنة 1936، ولكن التشريع الذي وضع آنذاك في هذا المجال لا ينطبق على المغاربة، حيث أباح ونظم الميز بين العمال الفرنسيين والعمال المغاربة، فظهير 1936 يشير إلى ذلك بوضوح. فالمستعمر لا يريد أن يتمرن العامل المغربي على الإضراب ولا يريد أن يكتشف فعاليته التي ترمز إلى سلاح برهن عن فعاليته في فرنسا.

    وعندما يمنع العمال المغاربة من اللجوء إلى الإضراب فالمشرع يبرر هذا المنع بضرورة احترام الأعراف المحلية.

    فظهير 1938 الآنف الذكر، ثم ظهير 1955 المتعلق بممثلي العمال في المؤسسات، وأخيرا ظهير 30 يناير 1946، المنظم للنزاعات الجماعية، كل هذه القوانين لازالت تحمل بصمات هذا الميز.

    وعلى أي، فإن العمال المغاربة اكتشفوا الإضراب كسلاح فعال إبان الاستعمار ووظفوه تدريجيا لتحقيق الاستقلال. وإن كانوا في مرحلة أولية قد مارسوا الإضراب بجوار الشغيلة الفرنسية، كانت استراتيجيتهم ومطالبهم تختلف عن مطالب العمال الأوربيين. أهدافهم سياسية أكثر مما هي مهنية، وقد أشار الأستاذ عبد اللطيف المنوني في دراسته بما فيه الكفاية إلى هذه الاستراتيجية. فهذا الظرف التاريخي مهم جدا لأن هذه الاستراتيجية لم تنته مع الاستقلال.

    والاستعانة بالتاريخ ضروري لفهم واستيعاب المواقف الآنية للنقابات، لأن الحركة النقابية بالمغرب مقيدة بكيفية أو بأخرى بالتاريخ، وكل من يستبعد هذه الفكرة، أي حضور التاريخ فكأنه ينكر أن التاريخ علم قائم بذاته.

    فهذا الظرف التاريخي هو الذي أوحى لنا بالفرضية التي اقترحناها في بداية هذه الدراسة: أي طغيان الإضراب السياسي على المهني في استراتيجيات المركزيات النقابية بالمغرب. وإن لم يكن هذا هو التفسير الوحيد لهذه الظاهرة.

    يمكن أن نلخص فحوى هذه الاستراتيجية في المثال التالي: ما هي الاستراتيجية الأكثر نجاعة أو الصائبة آنذاك؟

    هل هي توظيف الإضراب كسلاح ضد المؤاجر المستعمر لإرغامه على تلبية المطالب المهنية ؟

    أم أنها استعمال الإضراب ضد المؤاجر المستعمر لتحرير البلاد أولا من قبضة المستعمرين وترك الشؤون المهنية والاقتصادية لما بعد الاستقلال؟

    فإن كانت هذه الاستراتيجية هي الصائبة آنذاك، وإن أفلحت، والتاريخ يعترف للحركة النقابية المغربية بذلك دون منازع، فإنها من جهة أخرى كرست طغيان الخطاب السياسي الضيق الذي لا يوظف القانون اليوم، خطاب لا يميز بين ما هو مهنيي وما هو سياسي واقتصادي.

    كلنا نعرف أن هناك جدلية قائمة بين السياسي والمهني والاقتصادي ولكن هناك لتسييس ما هو مهني دون الوقوف عند خصوصيات المقاولة ومناخها الاقتصادي وضرورة التموضع الجديد الضروري للنقابات ودورها الجديد على ضوء رهانات اليوم.

    كم من مركزية نقابية أدرجت اليوم لأطرها في التكوين النقابي علم التدبير وعلم الاقتصاد حتى يتأتى الإلمام بالمشاكل الاقتصادية والصناعية للمقاولة المغربية؟

    غريب أن تكون الشعبوية هي المحرك الأساسي لخطابات المركزيات النقابية. فمغرب اليوم ليس مغرب الأمس، وحتما فاستراتيجيات الأمس محكوم عليها بالتغيير والتطور.

    ولعل هذا هو ما عبر عنه أحد القانونيين الفرنسيين حيث قال عن نقابات العالم الثالث أنها ولدت في حالة نضج أي في حالة البلوغ، ويعني بهذا النضج المفارقة بين السياسي والقصور الاجتماعي القانوني (ونحن نعرف اليوم أن النقابة في المغرب لم تمثل بعد أمام القضاء ولن تفعل شيئا للمطالبة باستعمال حق الدعوة، مثلها مثل الأشخاص الذين لا يعترف لهم القانون بذلك).

    وعلى أي، يجب ألا ننسى أن الولادة في حالة نضج هي حالة غير عادية في منظورها البيولوجي. ولعل هذا هو ما أشر إليه كذلك الأستاذ عبد الله إبراهيم سنة 1967 حيث قال:" لقد حققنا ثورتنا السياسية لنحقق الآن ثورتنا الاجتماعية".

    فرهانات اليوم تفرض على النقابات مواجهة المواقف، خاصة بإدماج المقاولة كمعطى قانوني واقتصادي، لأن المقاولة هي الخلية الأساسية في اقتصاد البلاد وفي خلق فرص الشغل ثم أن سوق العمل كذلك اليوم معقدا جدا، ركب يفرض الإبداع والخيال والاجتهاد والإلمام بالشؤون الاقتصادية.

    من المؤسف أن لا يتوفر القانونيون على دراسات تاريخية وسوسيولوجية للإضراب. إن الدراسات والمقاولات التي كتبت في هذا المجال تخضع هي نفسها لهيمنة المنهجية السياسية لا القانونية السوسيولوجية.

    وحتى ظهورها في أعمدة الصحافة الحزبية من حين لآخر هو حدث تمليه الظرفية السياسية لا إرادة علمية قانونية محضة. إن أي ملاحظ دؤوب الملاحظة والإلمام بقضايا الشغل وشموليتها يعرف أن تكدس المقالات والدراسات في هذا المجال يخضع أكثر للمواعد التي ضربت من فاتح ماي إلى فاتح ماي كان الحدث هو الذي يفرض لك، لا إرادة البحث العلمي القانوني.

    على أي، يمكن أن نصنف الإضرابات التي عرفها المغرب على النحو التالي، وبديهي أن هذا التصنيف قابل للنقاش والدرس.

    1)الإضرابات الاستعمارية (في عهد الحماية) 38 ـ 1936:

    هي امتداد الإضرابات 1936 بفرنسا إبان الجبهة الوطنية، كان إضراب (كوزيمار) بمثابة الإضراب الأول، اكتسى صبغة فريدة بالنسبة للمغرب حيث رافقه احتلال المؤسسة، ثم هناك إضراب آخر في قطاع الفوسفاط الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الاستعمارية وكان لها صدى ضخم في الإعلام الاستعماري بالمغرب وفرنسا كذلك (انظر دراسة الأستاذ المنوني).

    2)الإضرابات التحريرية لما بعد الحرب الثانية:

    هذه الإضرابات هي التي أحدثت الفصل بين الجهاز النقابي الفرنسي والنقابيين المناضلين المغاربة ومهدت للاستقلال النقابي المغربي عن الأجهزة النقابية الفرنسية.

    ففي هذا الظرف بالذات صدر ظهير 1938 الذي يمنع العمال المغاربة من الانخراط في النقابات ويعاقب كل رب عمل فرنسيا كان أم مغربيا سمح أو شجع عاملا على الانخراط في أية نقابة مهنية كانت، وفي هذه الآونة كذلك صدر حكم بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء (1937 ـ 4 ـ 12) يقول:

    الإضراب يضع حدا للعقد وبالتالي لا يمكن للعامل المضرب أن يطالب بتعويض كيفما كان نوعه بمجرد أنه انقطع فجأة عن العمل...).

    3)الإضرابات السياسية:

    هذه الإضرابات كانت موجهة إلى قلب الجهاز النقابي الفرنسي ( )ثم ضد الإدارة الفرنسية مثلا، فالعمال المغاربة رفضوا الاستجابة والمشاركة في الإضرابات التي تدعو إليها الكونفدرالية العامة.

    والإضراب السياسي الأول بالمغرب هو الإضراب التضامني مع الحركة النقابية التونسية إثر اعتقال الزعيم التونسي فرحات حشاد سنة 1952.

    هذا الإضراب العام الذي ساندته الحركة الوطنية هو الذي دشن القطيعة مع الإطار النقابي الفرنسي. وقد ألقي القبض إثره على النقابيين البارزين المغاربة: الطيب بوعزة، المحجوب بن الصديق، المرحوم التباري.

    4)الإضرابات المهنية لما بعد الاستقلال:

    في هذه الآونة يجب أن نستحضر دور الدولة في الاقتصاد ودور المؤسسة العمومية، في هذه المرحلة يصعب الفرز بين الإضراب السياسي والإضراب المهني لأن الدولة أصبحت المشغل الأول. فعندما توجه مطالب للدولة أو يشن إضراب ضدها إلا واكتسب صبغة سياسية والجدير بالذكر أن السنوات الأولى للاستقلال عرفت تقلص الإضرابات لأن الحكومة الأولى تتميز بحضور مهم للنقابيين.

    ثم كان هناك إجماع وطني، فالسنوات الأولى للاستقلال كانت بمثابة (العهد الذهبي) للاتفاقية الجماعية، وعندما تسود الاتفاقية الجماعية، أي الحوار، يحدث تراجع مهم في اللجوء إلى الإضراب حيث يتقلص العنف الاجتماعي، وهذا منطق معروف.

    ولكن هذا المنطق لن يدوم طويلا حيث أن الحركة العمالية أو النقابية ستدخل مرحلة جديدة مهمة جدا لها عواقب وخيمة بالنسبة لقانون الشغل:

    مثلا: فالتعددية النقابية وإن كانت إيجابية كانت لها سلبيات أخرى:

    والسلبية الأولى: اضمحلال وتراجع الاتفاقية الجماعية، ثم إن الانشقاقات النقابية رافقتها حسابات سياسية ضيقة همشت القانون وأبعدت مركز الصراع عن المشاكل المهنية اليومية التي يعيشها العمال. ثم إن التعددية لن ينظمها القانون (النقابة الأكثر تمثيلية) كيف تحدد المعايير القانونية في هذا المجال؟

    المبحث القانوني: ما هو الإطار القانوني للإضراب حالا بالمغرب؟

    للجواب على هذا التساؤل يجب الوقوف عند بعض التوضيحات:

    1)هناك نصوص تعالج الإضراب قانونيا بكيفية غير مباشرة (ظهير 30 ـ 01 ـ 1946 المنظم للنزاعات الجماعية).

    ثم هناك الفصل 14 من دستور 1972 الذي يعترف بكيفية واضحة بمشروعية الإضراب لكن، هل هذان النصان يحددان في الحقيقة الإطار القانوني للإضراب؟

    يصعب جدا أن ندرج مشروعية أو عدم مشروعية الإضراب انطلاقا من القانونين الواردين أعلاه.

    لماذا؟ ن فلسفة النص الأول الذي يعالج الإضراب بكيفية غير مباشرة يهدف في الحقيقة إلى تجنب الإضراب. ففلسفته وقائية ورثناها من القانون الفرنسي الذي استوردها بدوره من القانون الألماني.

    جوهر هذه الفلسفة هو أن هناك اقتناع نفعي في ألمانيا بأن الإضراب تعبير عنيف يستحسن تجنبه لأنه يسيء إلى جميع الأطراف: العمال، رب العمل، والمقاولة ثم بكيفية عامة الاقتصاد القومي.

    فالإضراب إذن شر لا يمكن الالتجاء إليه إلا إذا استنفدت جميع الأساليب السلمية، أي التفاوض والتحكيم.

    هذه إذن هي الفلسفة القانونية التي يقوم عليها ظهير 30/1/1946.

    وهذا نص تشريعي يسكت عن المناخ الاقتصادي والاجتماعي اللذان تمخض عنهما الإضراب في ألمانيا التي تتميز فيها علاقة الشغل بكونها علاقة عضوية بين المقاولة والنقابات أو ممثلي العمال.

    ففي الواقع الاقتصادي والسياسي بالمغرب يصعب تطبيق هذا القانون لأن النص مجرد من مناخه واكتسى صبغة شبه إدارية محضة. أي تجنب الإضراب فقط بسلوك مسطرة أو مساطر طويلة تهدف أكثر إلى الحيلولة دون نشوب إضراب ما، والتماطل في هذا الباب له دون شك من الناحية السوسيولوجية وقع على اتخاذ القرار في الإضراب.

    2)ثم من جهة أخرى هل توجد فعليا في المغرب قواعد للتحكيم في النزاعات الجماعية حيث أن الخصوصيات الاقتصادية للبلاد سيما دور الدولة، المشغل الأول لليد العاملة لا تسمح بذلك؟

    هل يمكن للدولة، المشغل الأول، أن يكون في آن واحد طرفا في النزاع وحكما يشرف على التحكيم ويزكيه؟

    لا داعي هنا لجرد هذا النص، فالكل يعرفه بما فيه الكفاية.

    في الحقيقة جوهر هذا النص لا يكمن في دراسته التشريعية أي الوصفية.

    فالجوهر حسب اعتقادنا يوجد في إشكالات قانونية غير واردة حتى الآن. أي الإشكاليات لم يتم الاعتناء بها.

    هناك تناقض واضح بين المساطر التي يضعها ظهير 30/1/1946 الذي يهدف قانونيا إلى اجتناب الإضراب والفصل 14 من الدستور لذي يعترف بحق اللجوء إلى الإضراب، فمن ثمة يطرح اليوم مشكل دستورية أو عدم دستورية هذا التشريع، بكيفية أخرى هل سيبقى حق الإضراب مقيدا باحترام ظهير 1946 أم لا؟

    ب ـ هذا التناقض القائم يجب أن يطرح على ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تعرفها بلادنا.

    والمشكل المطروح هنا بإلحاح هو الممارسات الآتية، حيث أن جل الإضرابات في جميع القطاعات تجهل اللجوء إلى التحكيم. فواقعها المعاش أي بعدها السوسيولوجي يتنافى والإطار القانوني المنظم لها، وكل منا يعرف هذا، والمسؤولون برمتهم حكوميين كانوا أم نقابيين أم مقاولين يعرفون هذا جيدا كذلك.

    هذه هي بعض التناقضات التي يوحي بها تعايش نصوص لا يمكن أن تتعايش طويلا دون أن تؤدي إلى السلبيات التي يعيش المغرب من جرائها من حين لآخر مآسي اجتماعية كمأساة البيضاء في يونيو 1981 وفاس وطنجة 1991.

    هذه الأحداث كانت بمثابة كوارث وطنية مرت دون الوقوف عند أبعادها القانونية كالفيضانات التي يولي فيها الإنسان أمره لجبروت الطبيعة. فطويلا ما عانى المغرب من فيضانات سيما في الستينات حيث أدت إلى سلبيات كثيرة: ضياع ثروات من المياه حيث تصب في البحار وانجراف التربة وخسائر مادية باهضة.

    إن هذا المثال لا يبعدنا عن الموضوع الذي نحن بصدد دراسته، لأن إصلاح قانون الإضراب وتقنينه وتنظيمه أمر يتطلب تقنيات قانونية وضوابط قانونية.

    ذلك أن القاعدة القانونية ليست غاية في حد ذاتها ولكن وسيلة للوصول إلى أهداف معينة تخدم مصالح المواطن المغربي واقتصاد بلاده في إطار المشروعية دولة القانون وحقوق الإنسان بما فيها قانون الإضراب.

    ج ـ ومهما يكن من أمر يجب أن نستحضر أنه من غير المعقول أن ننطق بمصطلح المشروعية ونحن نهمش دور القاضي والقضاء في اتخاذ الموقف من المشروعية أو عدم المشروعية عندما يتعلق الأمر بالإضراب.

    في رأينا وحسب معرفتنا في هذا الباب، لم يتأت بعد للقاضي أن يبث أو ينطق بالقانون في نازلة من النوازل المتعلقة بالإضراب.

    وحتى يمكن أن يتأتى له ذلك يجب حتما إصلاح قانون المسطرة المدنية وسيما فصله العشرون الذي يبقى حاجزا أمام الدعاوي ذات الصبغة الجماعية.

    في هذه النقطة بالذات ليس هناك جديد في مشروع مدونة قانون الشغل. وفي الحقيقة فإن هذا الإشكال القانوني له أبعاد أخرى بالنسبة للمجتمع المدني ودولة القانون. هل المصالح الجماعية للمواطن ستبقى إلى ما لا نهاية خاضعة للمساطر الإدارية دون رقابة مشروعيتها؟ أو أن القانون يجب أن يسود في دولة القانون وتحت رعاية ومراقبة القضاء؟

    والإضراب هنا مثال ينطق بنفسه:

    لأن التعريف الكوني للإضراب يحث على بعده الجماعي، فالإضراب إما أن يكون جماعيا أو لا يكون، ليس هناك إضراب بمفهوم فردي.

    وقد يعتقد البعض أن قضايا الإضراب عرضت على القضاء، وقد يدلي هؤلاء ببعض الاجتهادات القضائية في هذا المضمار.

    إن هذا الاعتقاد مبني في الحقيقة على لبس يجب رفعه. ففي هذه النوازل يحلل الإضراب كفعل فردي يحكم فيها على المضربين فرادى كأن المشكل القانوني الذي هو في تعريفه جماعي، يحول إلى ثلة من المشاكل القانونية الفردية. هذا منطق عرفته الاجتهادات القضائية الأوربية حين كان ينظر إلى الإضراب في الماضي كجنحة يعاقب عليها المضرب. وهذا عهد ولى حين اعترفت الدساتير بحق الإضراب.

    4)لهذه الأسباب كلها، نلح على ضرورة إصلاح وتنظيم الإضراب في بلادنا لأن الظرف يكاد أن يكون خطيرا، ومن السهل التنبؤ والجزم بمستقبلها القريب إذا استحضرنا بعض المؤشرات الموضوعية التي تؤكد ذلك، والتي يمكن سردها بإيجاز على النحو الآتي:

    1)فعالية الإضراب التاريخية لازالت حية في ذاكرة المغاربة: دوره الإيجابي في استقلال المغرب.

    2)فإذا كانت للإضراب أسس تاريخية، فعكس ذلك يلاحظ في انعدام ثقافة أو رصيد تاريخي أو تقاليد قائمة للحوار أو التحاور الاجتماعي.

    فالإضراب له جذور في التاريخ ولكن ليست هناك أسس أو مراجع للحوار.

    3)انقراض الاتفاقية الجماعية، على الصعيد الوطني أو المهني أو المؤسساتي.

    4) هناك مؤشر آخر وليس بالهين لازلنا لم نستوعب اجتماعيا عواقبه في المستقبل القريب، إن دور الدولة في الاقتصاد.

    إن دورها الجديد يتميز بالانسحاب، ومجالها يتقلص شيئا فشيئا. وبصدد هذا الانكماش فإن مفهوم الصالح العام سوف يعاد فيه النظر من الناحية الاجتماعية، فاليوم ستطغى المصالح الفردية أو الخاصة. ومما لاشك فيه أن المواقف سوف تتميز بالصلابة والتعصب واندلاع الإضرابات القطاعية أو العامة التي يلوح بها من حين لآخر، ومن المؤسف جدا أن تعاني المقاولة المغربية الفتية اقتصاديا من هذه المواقف.

    5)المؤشر الأخير هو القناعة الغائبة عند قادة المركزيات النقابية في نزاهة القضاء، وهشاشة دور القانون في معالجة النزاعات الجماعية.

    لقد أدلى هؤلاء القادة(بعضهم) بتصريحات خطيرة في هذا المجال، لا أظن أنهم استوعبوا خطورتها وسلبياتها على العمال، إنهم بهذه المواقف يبررون قانون الغاب، ويزرعون فكرة "أنا الحق وأنا العدل والعدالة".

    3)المبحث الاقتصادي:

    هناك اعتقاد عند بعض المسؤولين الاقتصاديين كرسته بعض النظريات الاقتصادية التقليدية (الكلاسيكية) ترجع لحق الإضراب مسؤولية مباشرة في تأخير عجلة مسيرة النمو الاقتصادي، إنهم يقدمونه كحاجز أو عامل يعوق التراكم الكافي لرأس المال الذي بدونه ليس هناك نمو اقتصادي ولا خلق لفرص الشغل، لا ريب أن لهذه النظريات صداها في بلادنا، والمسؤولون يعترفون اليوم في المغرب أن هذه السياسة لا تنصف الشغيلة المغربية التي تحملت بمفردها ثقلا كبيرا في مسيرة النماء.

    وفي هذا الإطار انقلبت الموازين وأصبح الخبراء ينظرون إلى النماء بمنظور جديد فهم يحبذون النماء الكيفي لا الكمي، النماء الذي يتخذ الإنسان غاية لا وسيلة.

    والإضراب الذي نحن بصدد دراسته لا يجب أن ينظر إليه كسلبية في حد ذاته. وفي هذا المجال أقيمت دراسات معمقة أكدت عكس ما يظنه بعض أرباب العمل بالمغرب. إن هناك علاقة سببية أو جدلية بين المطالبة بحقوق جديدة وكيفية وبين النمو الاقتصادي. وفي الحقيقة لا يطالب بحق الإضراب والحريات النقابية وحقوق الإنسان إلا المجتمعات التي لها رصيد ثقافي، اقتصادي وتاريخي مجيد.

    فالإضراب من الناحية الاقتصادية ليس عائقا للنمو، والمقاولة شأنها في ذلك شأن المجتمعات لا تتقدم إلا بنشوب الأزمات وتفاقمها أحيانا.

    في اعتقادنا يمكن أن يكون الإضراب المحكم، المشروع، وسيلة من الوسائل الأخرى التي تمهد للنمو الاقتصادي. لماذا؟ لأن عقلية بعض أرباب العمل وفلسفتهم الاجتماعية وتدبيرهم للمؤسسات لا تدمج العامل الإنساني ولا توفر قابلية للحوار في ميدان الشغل.

    والعمال وممثلوهم لا يمكنهم أن يتنازلوا عن حقهم في الإضراب، وإذا فعلوا ذلك فكأنهم يشجعون هذه العقلية. فالسلطة الاقتصادية لرب العمل يجب أن تقابلها سلطة عكسية مضادة ومحكمة تقود إلى التفاوض أو تجبر المقاول على الجلوس إلى طاولة الحوار والتفاوض في ظل القانون والمشروعية.

    4)المحور السوسيولوجي:

    إن له أهمية كبرى، وإن كنت لا أدعي أنني أملك خبرة في علم الاجتماع فإني أعي كل الوعي مزايا الاستعانة به. إن الإضراب تعبير، والتعبير له علاقة وطيدة بالخلق والإبداع العمالي، ثم إن له دور في الإخبار، إخبار الجمهور الواسع، كأن العمال المضربين يهدفون إلى توسيع مجال النزاع بإخراجه من الإطار الضيق أي المؤسسة، إلى إطار أوسع أي المجتمع. هذا الجانب من الجوانب السوسيولوجية.

    ثم إن هناك جانب آخر، يتعلق باتخاذ القرار، هذا يطرح أشكال الديموقراطية العمالية. هل هناك دور للقاعدة في اتخاذ القرار؟ هل القيادة هي التي تتصرف لوحدها؟ هل الأحزاب السياسية التي يمكن أن تكون النقابة بمثابة 1يل بالنسبة لها هي التي تقرر؟

    إنني لا أدعي أنني أملك الجواب على هذه التساؤلات كلها، ولكنني مقتنع ومتشبع بأن كل إنسان ديموقراطي يجب أن يطرح هذه التساؤلات.

    هل للنقابات استراتيجيات مستقلة عن استراتيجيات الأحزاب السياسية؟

    قد يتضح الآن بدون شك أن هناك صعوبة للإحاطة بالإشكالية القانونية التي يطرحها الإضراب.

    وقد يتضح الآن كذلك أن دراسة النصوص التشريعية لا يمكن أن تكون البداية والنهاية لفهم وتحليل مسألة قانونية حساسة ومتشبعة في أسلوبها وأبعادها وأهدافها.

    ويجب أن نعترف كذلك أن الاعتناء بالإضراب أو معالجته احتكره إلى حد الآن الخطاب السياسي ولم تتم بعد الإحاطة به من وجهة العلوم القانونية أو الاقتصادية. إن الخطاب السياسي وحده لا يمكن أن يتصف بالموضوعية والحياد العلمي الكافيين. وقد تتحمل كليات الحقوق في بلادنا قسطا وافرا من المسؤولية في هذا المجال. لقد طغت فيها الدراسة الوصفية للنصوص، وبكيفية أدق، فالمحاضرات التي تلقى في قانون الشغل هي في أغلب الأحيان دراسات تشريعية لا دراسات قانونية بمفهوم التحليل القانوني الذي يتماشى والمناخ الاقتصادي للمقاولة، والتحولات التي يعرفها سوق العمل ببلادنا في تركيباته وخصوصياته. فانتقاد تهميش أو عدم توظيف القانون من لدن النقابات والدولة ما هو إلا انعكاس لما يروج حول المناهج التدريسية. لقد كان قانون الإضراب في الماضي الغير البعيد من الدروس الجامعية التي لن يتوقف عندها الباحثون، إنها من المحرمات.

    والآن فبلادنا تعرف قفزة نوعية لا يستهان بها في النمو الاقتصادي، والرغبة والطموح في غد أفضل، تؤدي إلى ضرورة مراجعة المواقف والاستراتيجيات لتكون المقاولة بجميع مكوناتها وامتداداتها الإنسانية محط عنايات متعددة لا السياسية فقط، بل المهنية والاقتصادية أولا، علما أن المؤسسة أو المقاولة تحوم في فضاء اقتصادي وسياسي.

    لهذا فأنا أقترح، وهذا مجرد اقتراح ولكل منا واسع النظر والرأي في هذا المجال أن نعيد النظر في علاقة النقابات وأرباب العمل بمفهوم الإضراب، وأن تكون المقاولة في مأمن من الإضرابات السياسية بالتمييز الشرعي والقانوني بين الإضراب السياسي والإضراب المهني حتى لا نكون البلد الوحيد الذي يعترف فيه بحق الإضراب في الإطلاق دون ضوابط قانونية محكمة ومشروعة.

    ومما لاشك فيه أن القانون المقارن والدراسة المقارنة لقانون الإضراب سوف لا محالة تفيدنا في هذا السياق.

    5)الإصلاح على ضوء القانون المقارن للإضراب:

    هناك من يقول أنه يجب أن نقارن ما هو مقارن.

    وقد يستشف من هذا أن المغرب لا يجب أن نقارنه بالدول الأوربية، وهذا غلط في رأينا لسببين إثنين على الأقل:

    1)يجب أن نقارن ممارستنا للقانون بالدول التي سبقتنا في هذا المجال، وحتما لن تكون هذه الدول إلا الدول التي لها رصيد وممارسات ديموقراطية والتي عبر أزماتها وتجاربها العديدة فرضت احترام قانون الإضراب وأدمجته ووظفته لمقتضيات وحاجيات النمو الاقتصادي.

    إن هذه الدول نجحت في التنسيق والإدماج بين احترام حق ومشروعية الإضراب وإبراز المؤسسة كخلية اقتصادية متكاملة ورائدة في الخلق التكنولوجي والنمو الاقتصادي، بيد أن هناك في الدول العربية تنافرا سائدا بين حق الإضراب إن كان هناك حق، ومقتضيات الاقتصاد والمقاولة. وأي دولة إفريقية سلكت هذا السبيل؟ وأي دولة عربية تألقت في هذا الميدان؟

    إن هذه الدول لازالت في الحقبة الأولى من هذه المسيرة، الحقبة البدائية أي المطالبة بالحريات الفردية، ونحن الآن بصدد دراسته كحق جماعي لا يمكن احترامه إلا إذا توفرت جميع الحريات الفردية.

    إن الحريات الجماعية والاعتراف بها من طرف القانون، أي التشريع والقضاء، هي حريات تحوم في كتلة من الحريات الفردية.

    2)ثم إن المقارنة بالدول الأوربية وخاصة فرنسا تفرضه العلاقة العضوية التي تحملها التشريعات المغربية نفسها إلى درجة أنه أحيانا يصعب على رجل القانون أن يميز بين ما هو تشريع فرنسي وما هو تشريع مغربي في القانون الوضعي للشغل، وفي الحقيقة فالمناخ السياسي والاقتصادي والظروف التي أنشأت هذه التشريعات هي التي تختلف، وفعالية أو عدم فعالية القانون لها صلة وطيدة بالمصادر القانونية والتاريخ ومسلسل مسيرة تكوين هذه القوانين والظروف التي خلقتها.

    وانطلاقا من هذه التوضيحات فظهير 16/7/1957 الذي ينظم القانون النقابي بالمغرب ما هو إلا القانون الفرنسي 12/3/1920 نفس النص، نفس المدلول، ونفس المحتوى.

    وظهير 30/1/1946 الذي ينظم النزاعات الجماعية ما هو إلا القانون الفرنسي لسنة 1936.

    وقد ذكرنا سابقا أن هذا النص ينظم بكيفية غير مباشرة قانون الإضراب، أي بكيفية وقائية، كأن الإضراب علة اجتماعية. وعندما أدرج الاعتراف بقانون الإضراب في ديباجة الدستور الفرنسي في سنة 1946 ألغى فورا قانون 1936، بل ذهب المشرع الفرنسي إلى أبعد من ذلك، وألغى هذا النص الذي أدمجه في مدونة الشغل لدول ما وراء البحار التي كانت مستعمرات لفرنسا، لأن مقتضيات ديباجة دستور 1946 للجمهورية الخامسة الفرنسية أي الاعتراف بقانون الإضراب، لا يمكن أن يتعايش مع مقتضيات قانون 1936.

    فالنصان لا يتعايشان لأن منطق كل منهما يختلف، وحتى الاجتهاد القضائي عرف من جراء الفلسفة الجديدة تحولا جذريا، من مفهوم الإضراب كجنحة، إلى مفهوم الإضراب كحق دستوري.

    وجوهر المقارنة بين القانون الفرنسي للإضراب والقانون المغربي يكمن في مدى تعايش هذين المنطقين، وحتى القانونيين المغاربة دجنوا هذا التناقض في حين أنه لا يعقل أن يعترف بحق الإضراب في الدستور المغربي الذي تبنى مرة أخرى نفس التعبير الذي أتى به القانون الفرنسي في دستور1946، في حين أن الإضراب أي النزاعات الجماعية لازالت تخضع لمنطق ظهير 30/1/1946، وإن لم يعر المشرع أهمية لفحوى هذا التناقض فإن الأحداث التي عرفها المغرب من حين لآخر والواقع المعاش، تجاوزت إطار ظهير 1946 حيث أن مصادر الصلح والتحكيم قد دست بحكم الاعتراف الدستوري.

    والآن وقد اعترف دستوريا بقانون الإضراب، وأصبح حقا مكتسبا لا رجعة فيه، فمن الواجب تنظيمه وتسخيره للنماء الاقتصادي الكيفي. نعم لحق الإضراب، ولكن للإضراب المشروع. والمشروعية لا يمكن أن تحدد أو تعرف بمعزل عن دور القاضي ورقابة الجهاز القضائي. ثم لابد أن يكون هناك تراضي مسبق في تحديد إطار الإضراب.

    ففي ألمانيا مثلا تمنع مبدئيا الإضرابات التضامنية، وفي إنجلترا هناك تمييز بين الإضرابات المنصفة والغير المنصفة.

    ثم إن الإضرابات لسياسية في فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا غير مشروعة، وعدم مشروعيتها هاته لم يتم التصريح بها بقرار إداري بل تستند إلى اجتهادات قضائية.

    وهذه الاجتهادات تنكب دائما على حل مشكل أساسي ألا وهو الفرز بين الإضراب المهني المشروع للنقابات العمالية والإضرابات السياسية التي تتجاوز البعد المهني.

    وفي كل هذه البلدان م طرح إشكالية صعوبة الفرز بين السياسي و المهني، والقاضي هو الذي يقرر، لأنه في بعض الأحيان يقر مشروعية إضراب يمكن أن يكون أسلوبه وتعبيره سياسيا ولكن أبعاده مهنية.

    وقد يصعب جدا في المغرب أن تقبل النقابات هذا التنظيم المشروع للإضراب.

    فعندما تقدم مثل هذه الاقتراحات ينعت المرء كأنه مشكوك فيه ولربما تدفعه أيادي خفية، شيطانية. وعني هذا في الحقيقة أن حق الإضراب حق تحتكره النقابات، حق في الإطلاق غير قابل لمراقبة مشروعيته.

    وهل يحق أن ننفرد لوحدنا بهذا الموقف؟ هل الدول الآنفة الذكر والتي يميز قضاءها بين الإضراب السياسي والمهني دول لا يحترم فيها حق الإضراب؟

    إنها دول ديموقراطية تحترم فيها حقوق الإنسان وحقوق العمال.

    إن دولة القانون التي نطالب بها لا تنحصر على الدولة فقط بل على الجميع، ولا يمكن حسب اعتقادنا أن يكون هناك حق في الإطلاق، فالتمييز ضروري يفرضه إدماج البعد الاقتصادي.

    وإذا كنا نتشبث بالإضراب السياسي فلننظمه أيضا على مستوى الإضراب السياسي، وهذه فكرة روج لها الفقه القانوني الأوربي، أي التنظيم السياسي المحكم في الدستور ولكن بمعزل عن المؤسسة التي لا يعنيها الإضراب السياسي.