أدخل كلمة للبحث

من اغلاط القضــاء

من اغلاط القضــاء

    من اغلاط القضــاء

    للأستاذ إبراهيم السملالي

    ان كثيرا من المعاملات وتعدد انواعها، وتجدد المشاكل وتعددها في عصر تلعب فيه الالة دورها المادي، في سباق مسؤول مع الزمن لاخراج امة من مرحلة اجتماعية معينة الى مرحلة اخرى اكثر نموا قد تكون اسبابا وقتية ملازمة في تكييف القاضي عقلا ومزاجا .

    اعني مما تقدم هذه الاعداد الهائلة من قضايا الناس التي تبسط يوميا بين ايدي عدد قليل من القضاة اللذين يجدون انفسهم في كثير من الحالات غير مجهزين بموسوعة تشريعية تتضمن جميع الحلول لمختلف المشاكل المطروحة، كما ان الاطر القضائية المتوفرة على خبرة قانونية واسعة والمؤهلة لدرجة التحاك مع القضاة الاخرين لتبادل الخبرات واعطاء الاستشارات غالبا ما تغادر مهنة القضاة ببلادنا اما لتقاعد نسبي واما للعمل بميدان اخر تاركين فراغا مهولا قد لا يعوض في غالبية الاحيان .

    ومن جهة اخرى فان اغلب المساعدين التقنيين كالخبراء والمهندسين والاطباء قد لا يقومون بدورهم في الوقت المناسب، واذا قاموا به فانهم غالبا ما يقدمون خبرتهم حجة غير مدروسة علميا .

    هذه الاسباب كلها منفردة او متكاملة قد تساهم في خلق صعوبات فنية تنتج عنها اغلاط قضائية قد تكون خطيرة خاصة اذا كانت نهائية .

    ونتج عن هذه الاغلاط اضطراب في الحق وبلبلة في الاجتهاد في ظهوره وعدم التطور في اقتصاد البلاد وتخلخل الامن بها .

    ومن اغلاط القضاء ما يكون واقعيا منبثقا عن عدم فهم وقائع الدعوى، ومنها ما يكون فنيا ناتجا عن غلط في خبرة خبير وقد تكون اخيرا ناتجة عن عدم تطبيق القانون .

    والقرار المعروض على القراء الكرام هو من القرارات التي نتج عنها غلط في القانون .

    ادرسوا معنا القرار لنتبين جميعا ما ورد به من اغلاط قانونية ..

    القرار الاستعجالي رقم 8664/463 الصادر بتاريخ 9/10/76 عن السيد رئيس المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء .

    -------------------------------------------------------------------------------------------------------

    باسم جلالة الملك

    بتاريخ 14 شوال 1390 الموافق 9 اكتوبر 76 ف 1 -

    صدر القرار الاتي نصه من طرف السيد … بصفته قاضيا للامور المستعجلة وبمساعدة السيد … كاتب الضبط

    بين السيدة الحاجة فاطنة بنت محمد

    الجاعلة محل المخابرة معها بمكتب الاستاذ محامي بالدار البيضــاء

    المدعية من جهــــة

    وبين السيد محمد بن ميلود الكائن بزنقة الاتحاد رقم 9 بالمدينة القديمة بالدار البيضاء

    المدعى عليه من جهة اخــرى

    الوقــــائـــــــع

    حيث ان المدعية المذكورة بوساطة محاميها الاستاذ . . .

    تعرض ان مقالها المسجل بكتابة الضبط لهذه المحكمة بتاريخ 28/3/1976 المؤدى عنه بمقتضاه واجب الرسوم القضائية وقدرها 20.00 درهم حسب الوصل رقم 15704 -

    انها تملك المحل الكائن بعنوان المدعى عليه اعلاه وانها تلقت الامر الصريح من عمالة مدينة البيضاء التي الزمتها بهدم المحل واعادة بنائه مخافة السقوط والانهيار لكونه اصبح يشكل خطرا على ساكنه وان المدعى عليه امتنع عن افراغ المحل رغم جميع الوسائل الحبية والرسائل الانذارية .

    لذا التمس افراغ المدعى عليه هو ومن يقوم مقامه من المحل المطلوب افراغه مع غرامة تهديدية وكذا التنفيذ المؤقت والصائر .

    استدعى الطرفان لجلسة 29/9/1976 بمحضر نائب المدعية واكد مقاله ولم يحضر المدعى عليه رغم توصله بالاستدعاء .

    وتقرر اعادة الاستدعاء اليه مرة ثانية لجلسة 10/11/1976 .

    ونظرا لكون القضية تكتسي اهمية قصوى تقرر العدول عن تاريخ 10/11/1976 وادراج القضية في جلسة 9/10/1976 .

    وبالجلسة المنعقدة بتاريخ 9/11/1976 حضر نائب المدعية واكد مرة ثانية ما جاء في المقال ولم يحضر المدعى عليه رغم توصله .

    المحكمــــــــــة

    حيث ان المدعية ارتكزت في مقالها الرامي الى افراغ المكتري المدعى عليه من المحل الكائن بزنقة الاتحاد رقم 9 المدينة القديمة بالدار البيضاء .

    نظرا لقدم بنائه وحالته التي ينشا عنها خطر كبير .

    وحيث اكدت المدعية طلبها بقرار بلدي والمعاينة التي قامت بها مصالح الهندسة التابعة لعمالة الدار البيضاء .

    وحيث ان المدعى عليه لم يحضر لينازع في صحة طلب المدعية رغم توصله بالاستدعاء .

    وحيث ان المدعية تلقت الامر الصريح من عمالة الدار البيضاء لهدم المحل مخافة السقوط والانهيار لكونه اصبح يشكل خطرا على ساكنه .

    وحيث ان المحل الذي يخشى خطر سقوطه، الشيء الذي قد يترتب عليه تعريض حياة الناس لما لا تحمد عقباه- يوجب اخلاءه عاجلا من سكانه .

    وحيث قد ثبت ان حالة المحل الذي يشغله المكتري المدعى عليه سيتم هدمه واعادة البناء وهو متداع للسقوط حسب ما جاء في القرار البلدي المذكور اعلاه .

    وحيث ان هذه الظروف تبرر افراغ المدعى عليه الذي لا يتوفر له ان يمنع المالكة من هدم المحل واعادة بنائه.

    لهذه الاسباب

    وبناء على مقتضيات ظهير 5 ماي 1928 -

    نحن قاضي المستعجلات -

    اذ نبت ابتدائيا وعلنيا

    نصرح بقبول الطلب شكلا .

    وموضوعا نأمر بافراغ المدعى عليه السيد محمد بن ميلود هو ومن يقوم مقامه من المحل الذي يسكن به على وجه الكراء الكائن بزنقة الاتحاد رقم 9 المدينة القديمة بالدار البيضاء .

    وذلك تحت غرامة تهديدية قدرها 10 دراهم عن كل يوم تاخير ابتداء من تاريخ القرار ولمدة 30 يوما يعاد النظر فيها بعدها للمحكمة.

    وبجعل الصائر على عاتق المدعى عليه

    بهذا صدر القرار في اليوم والشهر والسنة اعلاه بقاعة الجلسات العادية بالمحكمة الابتدائية بالدار البيضاء .

    كاتب الضبط

    من دراسة القرار يتبين ان المالكة للمحل قدمت بواسطة محاميها مقالا مستعجلا يتضمن طلب افراغ المحل من اجل هدمه واعادة بنائه نظرا لتداعيه للسقوط ونظرا لتوفرها على امر صريح من عمالة البيضاء يقضي بذلك .

    وقد استدعى الطرفان لجلسة 29/9/76 فحضر نائب المدعية ولم يحضر المدعى عليه رغم توصله بالاستدعاء الا ان المحكمة قررت اعادة الاستدعاء اليه مرة ثانية لجلسة 10/11/76 ثم عادت بعد ذلك فعدلت عن استدعائه لجلسة 10/11/76 واستدعته لجلسة 9/10/76 الا ان المحكمة اصدرت قرارها بافراغ المحل لجلسة 9/11/76 كما هو واضح من القرار وذلك ضد السيد محمد بن ميلود هو ومن يقوم مقامه من المحل الذي يسكن به على وجه الكراء وذلك تحت غرامة تهديدية 10 دراهم يوميا عن كل يوم تاخير ابتداء من تاريخ القرار لمدة ثلاثين يوما الى اخر القرار .

    ان مطالب المدعية مرتكزة في افراغ محل السكنى قصد الهدم واعادة البناء .

    وبعد تفحص الملف من طرف القضاء واستدعاء الاطراف لجلسة 10/11/76 ثم العدول عنها واعادة الاستدعاء لجلسة 9/10/76 ثم تبديل الجلسة الاخيرة بجلسة 9/11/76 وهي الجلسة التي صدر فيها القرار كل ذلك قد خلق ارتباكا في هذه القضية وتسبب في عدة اغلاط قانونية منها .

    ان توجيه عدة استدعاءات متفاوتة ومتناقضة من حيث الزمن قد يسبب للمتقاضين ارتباكا في الوقت اللازم للحضور خاصة اذا كان هناك ترجرجا بين وقتين متقاربين .

    والغلط المسطري في هذه القضية هو كون القاضي الذي عدل عن جلسة 10/11/76 لم ينص بالقرار على لزوم استدعاء المدعى عليه للجلسة الاقرب كما هو منصوص عليه في الفقرة الاولى من الفصل 36 والفقرة السادسة من الفصل 39 من قانون الاجراءات المدنية .

    وعدم استدعائه هنا للجلسة الاقرب قد فوت عليه فرصة الادلاء بدفوعه وان عدم الادلاء بالدفوع قد نتج عنه ارتكاب اغلاط قانونية اخرى لابد من بيانها .

    ان القرار قد انبنى على وقائع غامضة، ذلك ان المحل المطلوب افراغه هو محل تجاري وليس محلا للسكنى كما هو وارد بالقرار .

    ولنفترض ان المحل المطلوب افراغه هو محل للسكنى وليس محلا تجاريا فهل يعتبر هذا القرار المؤسس على طلب افراغ محل للسكنى من اجل هدمه واعادة بنائه قرارا مبنيا حقا على اسس قانونية ؟

    بل هل يعتبر تطبيق ظهير 5 / ماي / 28 في هذه النازلة تطبيقا صحيحا ؟

    وجوابا على السؤالين المطروحين فاننا نؤكد ان الفصل الثاني من ظهير 5 ماي 28 ينص على : " ان المكتري لعقار او لقسم من عقار باثاثه او في غير اثاث معد للسكنى او لتعاطي تجارة او صناعة او حرفة مستقلة سواء كانت عقدة الكراء بالقول او بالكتابة يمكنه ان يطلب اما التنقيص من كل مبلغ زيد في قيمة الكراء واسقاط الزيادة بتمامها واما ان يصرح بعدم قبول التنبيه المتعلق بافراغ المحل ولو كان التنبيه المذكور موجها في الوقت اللازم، اذا لم تثبت ظروف الحال بكونه صوابيا وكل شرط مخالف لذلك يعد باطلا لا يعمل به قانونا" .

    ومن خلال القرار فاننا لا نلاحظ توجيه انذار بالافراغ في مفهوم ظهير 5/5/28 كما اننا لا نلمس ما يشير الى توصل المحكوم عليه بالافراغ بالانذار الذي يقتضيه ظهير 5/5/28 مما يستتبع معه عدم ملاحظتنا اي سكوت للمحكوم عليه عن ذلك الانذار او رفضه." راجع موضوع عقود اكرية المساكن في ظهير 28 للاستاذ احمد افزاز بالعددين 16 و17 من مجلة المحاكم المغربية ."

    ذلك لان قاضي ظهير 5/ ماي 28 مقيد فقط بالنظر الى صحة او عدم صحة تنبيه بالافراغ قد وجه فعلا .

    وصحة التنبيه بالافراغ تقتضي جدية الاسباب وصوابيتها، الشيء الذي لاوجود له بالقرار الحالي حتى من التصميم الهندسي الذي يشكل سببا جديا في هذا الموضوع .

    محكمة الاستئناف بالرباط 6 فبراير مجلة المحاكم المغربية 23/6/53 ، ص 120 " .

    ان ضرورة توفر تنبيه بالافراغ في النازلة يكمن في كون السيد قاضي ظهير 1928 وليس القاضي العادي للامور الاستعجالية ولكن المشرع اسند اليه الاختصاص في مادة معينة قصد القيام باجراء معين يتلخص في معاينة صحة او عدم صحة السبب الذي بني عليه التنبيه بالافراغ من طرف المالك الى المكتري لمحل السكنى . "محكمة الاستئناف بالرباط قرار بتاريخ 7 دجنبر 1951 منشور في المجلة المغربية للحقوق 1/6/52 ص 279".

    الا ان النازلة هنا تتعلق بمحل تجاري لا تخضع مسطرة افراغه لظهير 5 ماي 28 وانما تخضع لمقتضيات ظهير 24 ماي 55 اذ خلافا للقانون العادي فان عقود الاكرية لا تنتهي الا عن طريق انذار موجه من طرف المؤجر الى المكتري خلال 6 اشهر تبدا من تاريخ تسلم الانذار ويكون ذلك تطبيقا لمقتضيات الفصل 27 منه اذ ان هذا الظهير هو الذي ينظم العلاقات بين المكريين والمكترين للمحلات التجارية كما انه يشكل حماية تابتة للمستاجرين .

    ومن تصفح القرار لا نجد اي اثر لتطبيق نصوص هذا الظهير وكان على المحكمة ان تتأكد من هوية المحل التجاري لتسلك طريق المنطق ولتبني قرارها على القانون اي ظ 24 ماي 55 الذي يعتبر بحق ركيزة واقية لحقوق الافراد عامة واقتصاد البلاد خاصة .

    ويتجلى من التحليل السابق ان السيد قاضي ظهير 28 الذي اصدر القرار بالافراغ غير مختص في النازلة وكان قمين به ان يصدر قراره بعدم الاختصاص لفائدة قاضي ظهير 24 ماي 55 .

    * مجلة المحاكم المغربية، العدد 18، ص: 49 .