أدخل كلمة للبحث

المسؤولية المدنية للأبناك والاجتهاد القضائي المغربي

المسؤولية المدنية للأبناك  والاجتهاد القضائي المغربي

    ذ. عبد اللطيف مبشال رئيس غرفة

    محكمة الاستئناف بالدار البيضاء

    أولا : ملامح هذه المسؤولية

    قيل ان المسؤولية في كل نظام لبيرالي، هي المقابل الضروري للحرية المهنية . فكلاهما يصبان في نفس الاتجاه، الا وهو تحسين مستوى اداء الخدمات، الامر الذي يؤدي الى المتوخي، وهي تنمية عنصر الزبائن واطراد الربح .

    هذه القولة، التي ورد في مقدمة جاك فزيان حول مسؤولية البنكي في القانون الخاص الفرنسي (1) ينبغي ان تكون واضحة في ادهاننا، ونحن نحاول معالجة هذا الموضوع، الذي لا تخفى اهميته ومعاصرته رسميا في مجتمعنا، الذي يعرف ديناميكية حقيقة، تمتد الى مختلف فعالياته.

    وفعلا، فان اي نظام ليبرالي، مثلما الذي نعيش في ظله، لا يمكنه سوى ان يستلهم من المبادئ العامة للمسؤولية المدنية، النبراس السوي، لتحسين سبل اداء مختلف المهن لمهامها في احسن الظروف، واتقانها، بل والدفع لمواكبتها العصر ورياحه المتغيرة ، ومن تم فليس هناك ادنى سبب معقول لعدم تطبيق نفس المبادئ على الابناك .

    ولا تطرح المسؤولية للابناك اية صعوبات محددة وواضحة، سوى صعوبة واحدة، ويعود مردها السببين، فمن جهة يصعب بالنسبة لهذا الميدان التمييز بين شتى فروع القانون، لافراز ما يمكن ان تخضع له تحديدا المسؤولية المدنية للابناك، ومن جهة اخرى، فمن المؤكد ان بعض القواعد العامة للمسؤولية،

    -----------------------

    *) عرض القي في الندوة الثالثة للعمل القضائي والبنكي التي عقدت بالمعهد الوطني للدراسات القضائية في يونيو1993 .

    1) مسؤولية البنكي في القانون الخاص الفرنسي : جاك فزيان، الطبعة الثانية1977 - الصفحة 9 .

    ----------------------

    تنطبق هي ايضا على البنك، لكنها مصبوغة بالخطوط العامة لمهنته، فضلا عن وجود مجموعة اخرى من القواعد التي تنتمي لأنظمة قانونية مختلفة (2) .

    ويتعرض البنك في ظل القانون الوضعي المغربي للمسؤولية، على مستويات متباينة : مدنيا - جنائيا - تأديبيا - صرفيا - ضريبيا، غير ان الذي يهمنا في هذه المداخلة بطبيعة الحال هو موضوع المسؤولية المدنية نظرا لطابعها السائد (3) .

    فالمقرر هو قيام مسؤولية البنك، وفق القواعد العادية المنصوص عليها في مدونة الالتزامات والعقود، وتكون مسؤولية تعاقدية، كلما كان هناك عقد يربط البنك بزبونه المتضرر، بمناسبة تنفيذ البنك، لاحد عقود الخدمات المصرفية، كما تكون مسؤولية تقصيرية، كلما كان المتضرر غيرا، بالنسبة للمصرف، وارتكب الاخير خطا اعتبر اخلالا منه بالالتزام، الذي يفرضه القانون على الجميع، فمسؤولية المصرف تنهض اذن على اساس الخطا والضرر معا، ولذلك يتعين على المتضرر بالنسبة للمسؤولية التعاقدية ان يبرهن علاوة على وجود الضرر، بكون البنك قد اخل باحد التزاماته، وفي حين بالنسبة للمسؤولية التقصيرية، يتعين على المدعي ان يبرهن بكون البنك قد ارتكب خطا، سواء عند اداء مهامه، او في علاقته مع الغير، وفي كليهما يتعين على المتضرر، اثبات العلاقة بين الخطا والضرر. (4)

    وبالنسبة للمسؤولية التعاقدية، يتم تحديد معيار الخطا البنكي وفق محتوى الالتزام، وعلى ضوء الخصائص العامة للمهنة البنكية، فالعناية لمطلوبة من البنكي - وكما هو عليه الشان بالنسبة للقواعد العامة، يمكن تحديدها على ضوء مدلول القانون المدني، لمدلول الاب الحنون، مع التاكيد على كيفية اداء التزاماته وفق قواعد المهنة ومعاييرها ذاتها، لدرجة ان نوعية المسؤولية ترتبط مع نوعية الخطا (5) .

    اما بالنسبة للمسؤولية التقصيرية للبنك، فتقوم اذا لم يوجد بينه وبين الزبون اي عقد، او قام عقد باطل بينهما، او تقرر بطلانه، او كان هناك عقد صحيح، بيد ان الضرر لم ينشا اذ من جراء الاخلال بالتزام ناشئ عنه،

    -------------------

    2) نفس المرجع السابق - ص 10 .

    3) المهنة البنكية بالمغرب، محمد العربي بن عثمان، ص 141 .

    4) المسؤولية المدنية للبنك في المغرب، خالد اليزيدي، طبعة 1985، ص 15 .

    5) المهنة البنكية بالمغرب، محمد العربي بن عثمان ص 145 .

    -------------------

    بل نشا بسبب الاخلال بالتزام قانوني، ومن ثم فان مجرد خطا مترتب عن الاهمال، يمكن ان يرقى الى مرتبة الخطا المهني (6) .

    ويقع تحديد الخطا على ضوء المقتضيات العامة للقانون المدني، التي تفترض في المصرفي، بذل عناية رجل متبصر، واب حنون، وايضا على ضوء السمات الخاصة للمهنة، علما بان العرف يلعب دورا متزايد الاهمية كمصدر من مصادر القانون البنكي المغربي، وهو ما من شانه، تاكيد الطابع المهني لخطا البنك، وذلك باعتبار ان النادر في العمليات البنكية تحديد التزامات كل طرف بدقة، مما يعطي للعرف قيمة اتفاق ضمني (7) .

    وما دام ان العرف يعتبر بمثابة اتفاق، فانه يتعين على الطرف الذي يتمسك به، اثبات وجوده بكافة الوسائل، غير انه يجب ان لا يخالف نصا قانونيا، يتضمن قاعدة آمرة (8) كما ينبغي ان يكون له طابع عرفي حقيقي، وبالتالي مكتسبا صبغة قارة، وصادرة عن حرفيين مهرة (9) .

    ويرفض القضاء، النظر الى مجرد اسلوب جرى عليه عمل احد الابناك، طالما ان هذا الاسلوب، هو مجرد تعبير عن ارادته وحده، ويحاول فرضها على الزبون، وهكذا رفضت محكمة جنح باريس تمسك البنك بعادة جرى عليها تتجلى في اضافة عبارة عن الكمبيالات، التي يخصمها لعملائه، دون علمهم، ودون علم المسحوب عليه الذي يكون قد قبلها قبل تقديمها للخصم (10).

    كما انه حكم بان العميل، لا يلزم بمثل الشروط التي تتضمنها مطبوعات البنك المقدمة للزبائن، سوى اذا اثبت البنك علم العميل بها بالفعل ما لم (11) تكن هذه الشروط ترديدا لعادة صرفية، تتوافر لها شروطها الملزمة، فيلتزم بها العميل بوصفها عادة لا بسبب التوقيع عليها (12) .

    --------------------

    6) نفس المرجع

    7) نفس المرجع السابق

    8) قرار محكمة النقض الفرنسية، الغرفة الجنائية 6/7/1967 مشار اليه بهامش ص 13 من فولف فزيان السابق .

    9) مرجع جاك فزيون السابق - ص 13 -

    10) قرار محكمة جنح باريز 2/04/69 مشار اليه في مرجع الاستاذ علي جمال الدين - ص 15 -

    11) استئناف بواتيي 18/09/1954 مشار اليه بهامش ص 21 من مؤلف جمال الدين عوض.

    12) م س علي جمال الدين عوض .

    --------------------

    ولكون البنك شخصا معنويا، فانه يسال مسؤولية شخصية، اذا كان الخطا قد صدر من ممثله او وكيل عنه، عملا بمبدا مسؤولية المتبوع، عن افعال تابعه، اذا كان الخطا، قد حصل اثناء تأدية الوظيفة او بسببها او مناسبتها(13)

    ورغم ان هذه المسؤولية، تقوم على عنصري الخطا والضرر، وليس على اساس الضرر وحده، فان القضاء المصري نحا الى قيام مسؤولية البنكي على اساس الضرر فقط، وقرر قيام هذه المسؤولية رغم ان البنك لم يثبت خطؤه والزمه بتعويض الزبون على الضرر اللاحق به، من جراء قيام البنك باداء قيمة شيك، ثم تزوير توقيعه على الزبون (14) .

    وقد جاء في حيثيات هذا القرار :

    حيث ان البنك المسحوب عليه، لا تبرا ذمته قبل العميل الذي عهد اليه بامواله، اذا وفي بقيمة شيك مذيل من الاصل، بتوقيع مزور عليه، اذ ان هذه الورقة المقدمة الى البنك، وقد خلت من التوقيع الحقيقي للعميل، يعوزها شرط جوهري لوجود الشيك، ولم يكن لها في اي وقت وصفه القانوني، وتقع تبعة الوفاء بموجب هذه الورقة على البنك المسحوب عليه، ايا كانت درجة إتقان التزوير، وتعتبر هذه التبعة مخاطر المهنة التي يمارسها البنك، وهي مخاطر مهما بلغت أعباؤها لا تتناسب البتة مع المزايا التي تعود على البنوك، من دعم الثقة بها وبث روح الاطمئنان لدى جمهور المتعاملين، وتحمل البنك هذه التبعة، مشروط بعدم وقوع خطا او اهمال من جانب العميل الوارد اسمه بالصك، والا تحمل العميل تبعة خطئه ….." .

    ويتجلى من هذا الحكم ان محكمة النقض المصرية اخذت بالمسؤولية الموضوعية، وعلى اساس فكرة المخاطر وتحمل التبعية، وهو موقف سابق لمحكمة النقض الفرنسية. (15)

    كما ان بعض التشريعات تسير صراحة في هذا الاتجاه كما هو عليه الامر بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية، انجلترا، النمسا، هونغاريا، سويسرا. (16)

    ----------------------

    13) عمليات البنوك - ص 139 .

    14) نقض مدني مصري 11/01/1966 مشار اليه في عقود الخدمات المصرفية - د. حسني - مطبعة 1986 - ص 325 .

    15) قرار محكمة النقض الفرنسية 20/04/39 مشار اليه بمرجع ذ. حسن حسني - ص 322 .

    16) اليزيدي ص 73 م. س .

    ---------------------

    وفي سبيل التخفيف من هذه المسؤولية، تلجا الابناك الى ابرام اتفاقيات مع الزبون، للتخفيف من مسؤوليتها العقدية، في عقود الخدمات البنكية، وهي جائزة طبعا لان مصدرها توافق الارادة، دون ان يطال ذلك الاعفاء من الفعل العمد او ما يلحق بالفعل العمد، وهو الخطا الجسيم، لكن يجوز للمدين، ان يعفي نفسه من المسؤولية عن عمل الغير، حتى لو كان هذا العمل عمدا او خطا جسيما فان عمد الغير لا ينزل منزلة الشرط الاداري المحض (17).

    ولذلك فلا يجوز للبنك ان يشترط اعفاءه من المسؤولية الناشئة عن الغش او الخطا الجسيم الصادر من مديره، او احد ممثليه القانونيين لكون المدير لا يعتبر وكيلا عن البنك بل يعتبر اداة له، فمسؤولية البنك عن فعله تعتبر مسؤولية عن فعل شخصي لا عن فعل الغير (18) من البداهة ايضا عدم امكانية البنك اشتراط اعفاءه من اية مسؤولية ناتجة عن غشه، او عن خطئه الجسيم، وذلك عملا باحكام الفصل 232 من قانون الالتزامات والعقود.

    وتبعا لذلك، فمن الجائز ان يشترط البنك على سبيل المثال، في عقد الوفاء عند الزبون، عدم مسؤوليته، عن صرف شيك مزور عليه مادام مستخدم البنك لم يخطئ عند ادائه متى ثبت ان التزوير كان متقنا، ولا يمكن اكتشافه بالعين المجردة، على انه يمكن للزبون، رغم ثبوت شرط الاعفاء، الرجوع على البنك بالتعويض، باثباته ان الضرر كان بسبب خطا البنك، وليس بالسبب الاجنبي (19)، علما بان شروط الاعفاء، لا يمكن تطبيقها سوى في مجال المسؤولية العقدية، (20) وهذا طبيعي، لعدم جواز اعفاء البنك من مسؤوليته التقصيرية، قبل تحققها من وطأتها، نظرا لصراحة الفصل 232 المذكور، ولاعتبار ان احكام المسؤولية التقصيرية من النظام العام، فلا يجوز الاتفاق على مخالفتها (21) .

    ثانيا : تقدير الاجتهاد القضائي لمسؤولية البنك.

    لا ريب في ان قدرات البنك ضخمة، ويعتبر تاجرا في مدلول القانون التجاري.

    والبنك تاجر ميسور الحال، يحظى بثقة من حوله، وهاته الثقة يحولها سلعة يقدمها للزبائن، وتلعب بالتاكيد الابناك أدوارا جد هامة، وعلى مستوى تنمية الثروات، وتوزيع الائتمان عموما،

    ----------------------

    17) الوسيط - السنهوري - مصادر الالتزام - ص 647 .

    18) الوسيط هامش 674 .

    19) مرجع حسن حسني ص 132 .

    20) اليزيدي ص 19 .

    21) الوسيط - ص 979، 980 .

    ----------------------

    حتى ان البعض ذهب، وربما عن صواب انها تملك حق الحياة او الموت، بالنسبة للمشروعات الاقتصادية (22)

    وقد ازدادت اهمية دور الابناك، الى الحد الذي ادى بالبعض الى اعتبارها مرافق عامة (23)، (24) بل وتركت هذه المناداة تاثيرا واضحا في بعض الاجتهاد القضائي الوطني عندما اعتبرت محكمة العدل الخاصة احد الابناك انه يستجيب للشروط والخصائص، التي تتيح اعتباره بمثابة مؤسسة مكلفة بمرفق عام (25) .

    وهذا الاتجاه منتقد لان الاتصال بالمصلحة العامة لا يقتضي بالضرورة القفز الى فكرة المرفق العام (26) فضلا عن وجوب عدم التوسع من مدلول المصلحة العامة، واصباغ نفس المعنى الممنوح له في نطاق المدلول الفني للقانون الاداري (27) .

    ونظرا لهذه المناداة وايضا لاعتبارات متعلقة بالبنك كاحترافي افترض فيه وجوب المحافظة على مصالح زبائنه، فان الفقه الراجح يجمع على وجوب بذله عناية اكبر، من تلك التي يمكن ان تصدر عن اب حنون (28).

    وبسبب هذا الاحتراف، فان القضاء يشدد على البنك في كيفية اداء التزاماته، وفي معيار مساءلاته، وايضا لاسباب اخرى متعددة من بينها تخصصه في مهامه، ولوفرة امكانياته المادية ولممارسته عمل له مساس واضح بالانشطة الاقتصادية العامة فضلا عن ممارسته بشكل من الاحتكار الفعلي، لمهنة البنك التي اضحى غالبية الناس في حاجة اليها (29) .

    ----------------------------

    22) فاسور ميشيل - البنكي سنة 1983 - مشار اليه بالصفحة السادسة من مؤلف محمود مختار احمد بزيري : المسؤولية التقصيرية للمعارف عند طلب فتح الاعتماد طبعة 1986 .

    23) م س بن عثمان ص 146.

    24) مرجع احمد بريري - ص 8.

    25) قرار محكمة العدل الخاصة عدد 393 بتاريخ 28/12/75 مشار اليه بمرجع ذا لوزان، احمد بلحاج - الطبعة الاولى 1988 - بالعربية ص 239 .

    26) مرجع بريري السابق، ص 34 .

    27) القانون الاداري المغربي : ادريس البصري، جاك كرانيون، ميشال روسي، احمد بلحاج - الطبعة الاولى 1988 - بالعربية ص 239 .

    28) اليزيدي - ص 18.

    29) علي جمال الدين عوض - ص 22/23.

    ------------------------------

    ويمكن ملاحظة هذا التشدد، من خلال العديد من الاحكام، الصادرة عن المحاكم المغربية، والتي تصدت لموضوع المسؤولية المدنية للابناك، ولعل هذا ما يتجلى بكيفية بارزة، من قرار حديث صادر عن محكمة الاستئناف بالبيضاء، الذي جاء فيه (30).

    من حيث انه غني عن البيان، ان البنك المستانف لا يعتبر وديعا عاديا، بل هو مؤسسة مؤطرة لقوانين معينة تسعى الى ضمان حقوق المودعين، لذلك يظهر امام العموم بصفة الحريص والحافظ الامين لودائعهم، الامر الذي يجب معه مساءلته بقوة اكثر من الوديع العادي، حسب ما هو مقرر فقها وقضاء .

    ثالثا : بعض مظاهر الاجتهاد القضائي المغربي الحديث من المسؤولية المدنية للابناك

    يمكن ان تثور مسؤولية البنك بمناسبة اداء احد عقود الخدمات المصرفية، وذلك سواء على المستوى العقدي او التقصيري، فقد يوكل الزبون لاحد المصاريف القيام باحدى الخدمات الصرفية، كالقيام بتصرفات قانونية محددة لحسابه، سواء على شكل اعمال الادارة، او على شكل تصرفات ناقلة للملكية .

    فمن خلال تنفيذ هذه العقود او غيرها، تطرح اشكالات وتثور منازعات بين اطرافها قد تعرض على القضاء.

    ونحاول جاهدين باختصار شديد، التركيز على موقف القضاء المغربي الحديث، من خلال البعض من الاحكام.

    1- المسؤولية المدنية للبنك عند القيام بعمليات التحصيل او الاداء .

    من المالوف ان يكلف الزبون مصرفه بتحصيل حقوقه لدى الغير، وهذا يهم عادة الحقوق الثابتة بمقتضى سندات او اوراق لا تحتاج الى ادنى نقاش، حول وجود الحق او مقداره، يضطلع البنك بهذه المهام بصفته وكيل زبونه.

    ان هذا يتم بواسطة اعلام بالتسديد، وتبعا لاتفاق عام، فان البنكي يلتزم بتحصيل جميع هذه الاعلامات الصادرة اليه من زبونه، ويقع تسليم هذا الاعلام من البنك بعد مرور عدد من الايام، قبل حلول اجل الاستحقاق الى البنك المكلف بالتحصيل الذي يقوم بالاجراءات اللازمة لهذا الغرض الى حين وصول السند الى غرفة المقاصة.

    --------------------------

    30) قرار استئناف البيضاء 26/05/87، ملف تجاري 1216/86 منشور بمجلة القضاء والقانون، العدد 140/141، ص 209.

    -------------------------

    ولذلك يتعين على البنكي، المكلف بالتحصيل، تقديم سند الدين، عند البنكي المكلف بالاداء ( المستوطن لديه Domiciliataire ) خلال اجل معقول وعادة ما يكون خلال بضعة ايام قبل تاريخ الاستحقاق (31).

    ويثير هذا النوع من التوكيل، عددا من النزاعات التي تمس في الصميم مسؤولية البنك.

    والمعمول عليه هذا الصدد، قيام هاته المسؤولية متى لم يقم البنكي بتحصيل الاوراق التجارية المسلمة اليه من طرف زبونه سواء أكانت كمبيالة او سندا إذنيا، وترتب عن ذلك حصول ضرر للزبون بينما يجوز للبنكي دحض هذه المسؤولية لاثبات ان مرد الضرر هو خطا الزبون كاثبات عدم التوصل بالسندات المرغوب تحصيلها، او ان اقامة المسحوب عليه بالكمبيالات غير موجودة.

    ويتعرض البنك الى هاته المسؤولية سيما في ميدان تحصيل الاوراق التجارية لارتباطها بشكليات مواعيد المطالبة وشكلها، مما يعرض الدائن للسقوط في الرجوع على الضامنين، اذا خرج البنكي عن نطاق الوكالة مثل القيام برهن الكمبيالات او منحه مهلة للوفاء للمسحوب عليه. وترتب عن ذلك حدوث ضرر للزبون (32) .

    ويتعين على البنكي في هذا المخصوص التقدم نيابة عن زبونه الى المدين للمطالبة بالوفاء، وان يتخذ كل الاجراءات القانونية للمطالبة على الوجه الصحيح، واتخاذ الاجراءات التحفظية، اللازمة لتفادي اعسار مدينه (فصل 138 من قانون الالتزامات والعقود). وعموما على البنكي مراعاة صفته، كمحترف متخصص في مهنته، وما تفرضه قواعد الوكالة بمقتضى الفصل 903 من نفس القانون التي توجب على الوكيل بدل عناية الرجل المتبصر الحي الضمير .

    واذا كان الامر يهم تحصيل ورقة تجارية، ورفض المدين الوفاء بمبلغها، فان الواجب يلزم البنك باعادتها الى الزبون لاستعمال حقوقه المخولة له قانونا دون ان يسوغ للبنك التقاضي نيابة عنه في هذه الحالة (33) .

    ----------------------------

    31) فقرة 167، م س .

    32) عقود الخدمات المصرفية، حسن حسني - ص 346 .

    33) علي جمال الدين عوض ص 723 - فقرة 739.

    ---------------------------

    وفي هذا الصدد يمكن الاشارة الى نازلة عرضت مؤخرا على القضاء تقدمت خلالها المدعية بمقال في 02/06/79 تعرض فيه ان المدعى عليه قد اخل بكيفية خطيرة بواجبه كمؤسسة بنكية عندما تاخر مدة 79 يوم عن اشعارها بان الشيك الاول بمبلغ 26.580.00 درهم المؤرخ في 08/02/77 المدفوع لها من طرف زبونه (س) قد رفض وكذلك الامر بالنسبة لباقي الشيكات المسحوبة على البنك التجاري بخريبكة التي لم تشعر المدعية برفضها، سوى بعد انصرام الاجل العادي لتنفيذ عمليات الاستخلاص، وانه لو تم اشعار المدعية في الاجل لما سلمت لساحب الشيك بضائع اخرى، والتمست الحكم على البنك باداء مبلغ 108.409,60 درهم عن الضرر مع الفائدة القانونية و1.500,00 درهم كتعويض .

    وانتهت النازلة بصدور حكم ابتدائي استجاب للطلب استنادا على الحجج المدلى بها.

    لكن محكمة الاستئناف الغت الحكم المذكور ورفضت الدعوى عندما لاحظت من جهة ان تواريخ سحب الشيكات حسبما هو مفصل بمقال الدعوى متقاربة للغاية 12/03/77، 20/03/77، 08/04/77، 19/04/77، مما يوجب تحميل المدعية مسؤولية تزويد زبونها الساحب ببضائع دون التاكد من وضعيته المالية، ومن جهة اخرى فان رجوع المدعية على مصرفها لعدم بعثة الاعلام بعدم الاداء لا يكون صحيحا سوى في استحالة الرجوع على الساحب، وانه ليس من الثابت استحالة رجوع المدعية ضد الساحب، او ان المساطر التي سلكتها ضده بارغامه على اداء مبالغ الشيكات ظلت دون جدوى وقد استندت المحكمة على مرجع اساسي في هذه المادة ومؤلف الشيك - فاسور وماريد - الجزء الثاني ص 162. (34) .

    كما عرض على القضاء المغربي مؤخرا عددا من القضايا التي تناولت مسؤولية البنكي عن اضاعته اوراقا تجارية كلف بتحصيلها واتخذ بشانها موقفا متشددا وسليما ينحو الى قيام هذه المسؤولية، واستبعد أطروحات البنكي الخاطئة القائمة على اساس وجوب سلوك الزبون لاحكام فصول37 وما يليه من قانون الشيك، والحال ان قابلية هذه النصوص للتطبيق هي عند اقتراض حصول هذا الضياع بيدي الزبون شخصيا لا بيد يدي وكيله (البنك) كما نحى الى ذلك قرار استئنافية البيضاء الصادر بتاريخ 26/05/87 في الملف التجاري 2216/87 (35) يلتقي هذا الاجتهاد مع الاجتهاد القضائي الفرنسي (36) .

    -------------------------

    34) قرار عدد 557 في الملف التجاري 541/82 منشور بمجلة المحاكم المغربية عدد 36 ص 135.

    35) قرار منشور في مجلة القضاء والقانون عدد 140/141 ص 214، مع تعليق ذ. مشبال.

    36) نقض فرنسي 21/11/67 جوريس كلاسور الدوري 1968 نبذة 15778 مشار اليه بهامش الصفحة 136 من مؤلف ذ. جاك مزيان ومشار اليه في تعليق ذ. مشبال المذكور ص 222 .

    ------------------------

    لكن هل يمكن مساءلة البنك عن رفض الانصياع لتعليمات زبونه الرامية الى التعرض على ادائه مبلغ الشيك ؟

    وفعلا فقد تقدم احد المدعين بتاريخ 16/11/88 بمقال يعرض فيه انه ضاع منه شيك مؤرخ في 09/02/87، وقد نظم تعرضا بين يدي بنكه الذي ادى له عمولة مقابل هذا التعرض، ورغم فقد فوجئ بتسديد الاخير لمبلغ هذا الشيك، الامر الذي اعتبره بمثابة خطا من طرفه، ولذلك التمس الحكم على مصرفه، باداء مبلغ الشيك ( عشرة الاف درهم) مع الفائدة البنكية ومبلغ خمسة الاف درهم كتعويض.

    يمكن القول ان محكمة الدرجة الاولى استجابت لهذا الطلب على اساس ان المدعى عليه لم يثبت وجود أية حالة من حالات عدم قبول التعرض المنصوص عليها بمقتضى الفصل 32 من ظهير 19/01/39، مما يبقى معه تسديد البنك الشيك المتعرض عليه امرا مخالفا للمقتضيات القانونية.

    وقد طعن المحكوم ضده في هذا الحكم، على اساس عدم توفر حالات قبول التعرض على الوفاء، باعتبار ان الشيك المتعرض عليه قد صدر لفائدة زوجة الساحب المتعرض، ولم يصدر على بياض كما جاء في تعرضه مما لا يمكن معه الحديث عن ضياع الشيك سواء بمعناه الضيق او الواسع.

    ونظرا لكون محكمة الدرجة الثانية المعروض عليها النازلة لم تقل بعد كلمتها في النازلة، فانه سيكون من السابق لاوانه الادلاء بادنى تعليق بهذا الصدد رغم اهمية النازلة. (37)

    كما يمكن ان تنهض مسؤولية البنكي عند رفض اداء شيك معتمد Certifié، فقد تقدمت المدعية من خلال مسطرة الامر بالاداء، بطلب تبغي من ورائه الحكم على مصرفها بادائه لها مبلغ 76.450,68 درهم ناتجا عن شيك صادر عن الساحب (أ) مؤكد رصيده من طرف البنك.

    وقد استجاب رئيس المحكمة الابتدائية للطلب. وقد تمسك البنك المحكوم عليه في معرض الاستئناف، بكونه لم يكن مدينا في اي وقت ازاء المدعية باي مبلغ، وان الاخيرة لا تتوفر على سند للدين، مما تكون معه صفتها منعدمة في النازلة، كما ان البنك لا يمكن ان يتحمل مسؤولية ساحب الشيك،الذي احتال على المدعية مما لا يمكن معه تطبيق مسطرة الامر بالاداء.

    ---------------------

    37) ملف تجاري استئناف 1272/91 المستشار المقرر الاستاذ بنونة.

    --------------------

    لكن محكمة الاستئناف خالفت وجهة نظر البنك، وايدت الامر بالاداء المستانف، بعلة ان الشيك قدم للاداء داخل الاجل القانوني المنصوص عليه بالفصل 29 من ظهير 19/01/39 المتعلق بالشيك، فيكون البنك مسؤولا عن مبلغه الذي صادق عليه خلال المدة المنصوص عليها بالفصل المذكور، وهو الاجل الذي اقره الفصل الرابع من ظهير 23/08/1955 .(38)

    ويبدو لي ان موقف محكمة الدرجة الثانية، كان سليما ومطابقا للقانون اذ لا يخفى ان من اثار اعتماد الشيك او توثيقه، التزام المصرف المسحوب عليه تحت طائلة قيام مسؤوليته بتجميد رصيد الشيك المعتمد لفائدة الساحب الى غاية انصرام اجل التقديم (39) ويمنع بالتالي على المصرف، حتى ان يؤدي من هذا الرصيد قيمة شيكات سابقة التاريخ على الشيك المعتمد (40) .

    ولا يخفى ان المجال الواسع للمنازعات البنكية تنجم عن حالات تزوير التوقيع الواردة في الاوراق التجارية، وهي قضايا يصعب البت فيها في اغلب الحالات (41) سيما وان الجميع يعلم ان توقيع الافراد يتغير مع مرور الوقت لدرجة انها لا تعود مسايرة لما كان عليه في السابق (42) .

    ويمكن القول بهذا الصدد، ان مسؤولية البنكي، تتعرض اذا كانت المقارنة بين التوقيعين ( التوقيع الوارد على الورقة التجارية والتوقيع المحفوظ في النموذج ) يتضمن ( اختلافات بارزة يمكن لاي مستخدم ان يلاحظها)(43). غير انه بدون شك فانه ليس من إمكان المصرفي عرض كل شيك على حدة على خبرة، وبالتالي فان مهنة البنكي، تقتضي اجراء فحص سريع وسطحي دون ان تكون له مؤهلات خبير في الخطوط، عند قيامه بهذا الفحص، وهو ما اكدته محكمة الاستئناف بباريز من جديد (44) .

    ----------------------

    38) قرار استئناف البيضاء بتاريخ 09/12/86 في الملف التجاري 1485/85 ( غير منشور)

    39) الشيك والتحويل : كابرياك - الطبعة الخامسة - الصفحة 115، نبذة 217.

    40) فالدا - سطوفلي - الجزء الثاني، نبذة 355.

    41) جاك بيك - وكابرياك - المجلة الفصلية للقانون التجاري، العدد الثالث - ص 594.

    42) اليزيدي - ص 72 .

    43) اليزيدي - ص 73 .

    44) مشار اليه بالمحكمة الفصلية للقانون التجاري م س - ص 453.

    -----------------------

    ويمكن الاشارة بهذا الصدد، الى قرار صادر عن محكمة الاستئناف بالبيضاء بتاريخ 22/03/88 (45) الذي قضى على احد المصارف باداء مبالغ مجموعة من الشيكات بلغت في المجموع 729.185,16 درهم، وذلك على اساس ما ورد بتقرير الخبرة المنجزة استئنافيا، والتي افادت ان التزوير اللاحق بالتوقيعات، كان سهل الاكتشاف بالعين المجردة من طرف المستخدم المكلف بالمراقبة للتوقيعات، دون ان يتطلب ذلك وقتا كبيرا، ودون حاجة الى اي تحليل، كما ان التزوير تم بواسطة النسخ المباشر ( الكالك) .

    وانه يتجلى بالاطلاع على وثائق الملف، ان المستخدم المكلف بمقارنة توقيعات الشيكات لدى المصرف، كان عليه ان يتعرف بسهولة، على التزوير، اللاحق بالشيكات محل النزاع خاصة ان من بين هذه الشيكات ما يحمل توقيع لا يدخل تماما ضمن النماذج الموضوعة لدى البنك الطاعن، كما هو الحال بالنسبة للشيك الحامل رقم 018198، ومنها ما يحتوي على تلطيخات، ناتجة عن تزوير في اسم المستفيد، اما باقي الشيكات (20 شيك)، فان التزوير اللاحق، كان سهل الاكتشاف بالعين المجردة، خاصة وان اغلب هذه الشيكات لم تستخلص بشباك البنك الذي يتطلب سرعة في الاداء، وانما دفعت في حساب المستفيدين، بحيث كان للموظف المكلف بمراقبة التوقيعات، الوقت الكافي لتفحصها، ومعرفة هل هي مطابقة للتوقيعات المودعة لدى البنك ام لا ؟

    وانه يجب على البنك وبالضرورة ان يتاكد من هوية الاطراف، ومن صحة البيانات التي تتضمنها الورقة ومن سلامتها، وذلك بالفحص العادي، للتاكد من خلوها من كل ما يبعث على الشك والريبة، خصوصا فيما يتعلق بالمطابقة الظاهرة للتوقيع، الذي يحمله النموذج، كما انه ثبت للمحكمة ذاتها عبر قيامها بفحص ظاهري للشيكات موضوع النزاع سهولة الكشف بالعين المجردة للتلطيخ اللاحق باللون الاصفر للشيكات الاربعة (الارقام 18108، 18117، 18134، 18165) (45) .

    وتجدر الاشارة الى ان هذه المبادئ مكرسة ايضا على مستوى اجتهاد المجلس الاعلى (46) .

    ------------------------

    45) قرار استئناف البيضاء بتاريخ 22/03/88 ملف تجاري 219/84 ( غير منشور).

    46) قرار عدد 434، بتاريخ 26/02/86 ملف مدني عدد 55 منشور بمجلة القضاء القانون عدد 137 - ص 166 .

    -----------------------

    وللتقليل من المخاطر الناجمة عن ضياع الشيك، او فقدانه او سرقته فقد ابتدع العرف البنكي، وسيلة فعالة في هذا الصدد، تكمن في التخطيط الشيك، الامر الذي ينتج عنه ان الوفاء بالشيك، لا يتم سوى عبر بنك المستفيد، او رئيس مكتب الحوالات البريدية او الى زبون معروف لديه عملا بالفصل 42 من ظهير 29/11/1939، والبنك المسحوب عليه، الذي يخل بهذه القواعد، يكون ملزما بتعويض الضرر (47).

    وحيث انه هكذا قضى القضاء المغربي حديثا على احد البنوك باداء مبلغ 22.365,08 درهم مبلغ الشيك و1.500,00 درهم كتعويض مع الفائدة القانونية من تاريخ الشيك، وذلك لان الثابت ان الشيك المخطط يمنع المسحوب عليه ان يؤدي مبلغه سوى الى البنك او الى رئيس مكتب الحوالات البريدية او الى زبون معروف لديه، حسبما يقتضي ذلك صراحة الفصل 41 وما يليه من ظهير 19/01/1939، اذ الغاية من تخطيط الشيك، هو التخفيف من مخاطر السرقة وان البنك بقيامه بصرف مبلغ الشيك لفائدة (السيد س)، رغم ان الشيك المذكور المخطط، وعدم تظهيره لفائدة بنك اخر، ورغم ذكر اسم المستفيد، ورغم التنصيص على انه غير قابل للتظهير، يكون البنك مسؤولا عما اصاب المدعية، من ضرر المتجلى في حرمانها من مبلغ الشيك (48) .

    ومن ابرز القضايا التي طرحت على القضاء مؤخرا ما يهم مشكل التأخيرات في تنفيذ اوامر زبائن البنك ويهم تحديدا التاخيرات اللاحقة في تنفيذ اوامر شراء العملة الاجنبية، اذ تكرر عجز البنوك المتلقية لاوامر على شكل وكالة من الزبائن، لتسديد دين خارجي عن تنفيذ هذه التعليمات في الظروف المناسبة، وذلك بسبب توقف البنك المركزي عن تسليم العملات خلال بضعة اسابيع، وقد عرض نزاع، تقدم من خلاله احد الاشخاص بدعوى يعرض فيها انه حرم خلال مدة معينة من الرصيد الذي جعله بين يدي بنكه لتسديد دينه الخارجي، وطالب الحكم عليه باداء الفائدة والتعويض، غير ان القضاء لم يستجب لمثل هذا الطلب لعدم ثبوت ارتكاب البنك لاي خطا (49) .

    ----------------------------

    47) الاوراق التجارية : ذ. علي العبيدي - طبعة 1970، صحيفة 456 .

    48) قرار 27/12/88، ملف تجاري 905/87 ( غير منشور) .

    49) مشار اليه ببحث الاستاذ الكتاني عز الدين : مسؤولية البنك في اطار الوديعة - المجلة المغربية للقانون، العدد 12، صفحة 85.

    ---------------------------

    2- المسؤولية المدنية للبنك المترتبة عن وجوب اجراء الفحص اللازم للمستندات :

    من واجبات البنك القيام بفحص لكافة التعليمات الكتابية، الواردة عليه من زبونه للتنفيذ بادئ الامر من صدورها الفعلي عن موكله، وهذا الفحص يزداد إلحاحا بمناسبة تحقيق الاعتمادات المستندية .

    وهكذا سبق لمحكمة الاستئناف الرباط ان قضت بمسؤولية البنك لعدم تيقنه من مطابقة الوثائق لمضمون رسالة الاعتماد الصادرة عن زبونه، (50) غير ان هذا لا يمكن ان يمتد الى حد التيقن من حصول هذه المطابقة مع البضاعة (51) .

    ومؤخرا تم تاكيد منحى حكم قضى على احد الابناك، باداء مبالغ مالية لزبونه، لعدم تنفيذ التزاماته الرامية الى تحويل مبلغ القرض المستند لفائدته، رغم اتصاله بالبنك عدة مرات.

    واستندت محكمة الاستئـناف بالبيضاء على انه تجلى من وثائق الملف، وسيما الامر الصادر عن قاضي المستعجلات بباريز بتاريخ 4/11/87 ان المكلفة من طرف المشترية لتلقي البضاعة الموجهة للاخيرة من طرف البائعة ( المدعية) ومراقبة مدى موافقتها للشروط المتفق عليها، لم تلاحظ عليها وجود اية شائبة جديرة بالملاحظة، الامر الذي ينفد مزاعم البنك بكون اوراق الاعتماد غير متطابقة مع شروط الاعتماد المتفق عليها (52).

    كما ان مسؤولية المصرفي تتحقق عند عدم مراقبته لمدى انتظام سلسلة التظهيرات (53) وقد اكد المجلس الاعلى هذه القاعدة، حينما اعتبر ان من حق البنك ان يتحقق من تسلسل التظهيرات للتاكد من ان المدعي هو الحامل للكمبيالة دون فحص توقيعات ولذلك فانه لم يكن من حق المدعى عليه ان ينازع الشركة الحاملة للكمبيالة ( احد الابناك) في صحة توقيع من ظهر لها الكمبيالة (54) .

    -------------------------

    50) استئناف الرباط 7/2/59 مشار اليه بكتاب ذ. اليزيدي ص 62 .

    51) نفس المرجع، الهامش عدد 128 من نفس الصفحة.

    52) قرار استئناف البيضاء بتاريخ 7/4/92، الملف التجاري 849/90.

    53) حكم محكمة ليون الابتدائية، مشار اليه في كتاب مسؤولية المصرفي في القانون الخاص الفرنسي.

    م س صحيفة 135 جاك فزيان .

    54) قرار المجلس الاعلى الصادر بتاريخ 12/10/77 تحت رقم 572 منشور بالمجلة المغربية للقانون والسياسة والاقتصاد العدد الرابع - صفحة 115.

    -------------------------

    ختاما …. هل يمكن الزام البنك بتقديم المعلومات التي يعرفها، عندما يطلب منه ذلك متى لم تكتس طابع السر المهني ؟

    بهذا الصدد يقول ديموج :

    ان احدى النتائج المترتبة عن تعاون المتعاقدين، هو التزام كل طرف منهما باعلام الطرف الاخر خلال جريان العقد بالاحداث التي له مصلحة في معرفتها عند تنفيذ العقد (55) .

    وهذه الفكرة ليست سوى صدى للمدلول المعاصر للعقد، وهي احد انعكاسات روح التضامن، التي تطبع عصرنا ضدا على روح الفردية للقرن التاسع عشر. (56)

    ودون دخول في تفصيلات لا حصر لها، فانه يمكن القول، ان البنك غير ملزم بتقديم معلومات عن شخص اخر ليغر زبونه، رغم وجود عادة في هذا السياق(57) اما اذا كان طلب المعلومات صادرا عن زبون للبنك بشان معلومات عن الغير، فعلى البنك ان يدلى له بما يعرفه في هذا الخصوص، ويسال امام زبونه مسؤولية عقدية عن الغلط (58) .

    وحول مدى حق الاعلام الممنوح للزبون، يشير الاستاذ فاسور بان : " …. ممارسة علاقات مستمرة وقديمة، بين البنكي وزبونه، والمطبوعة بروح الثقة، ومن يجعل الزبون ينتظر الكثير من بنكه وكل هذا لا يمكن ان يحول دون تقديم الاخير معلومات ونصيحة(59) .

    وبهذا الصدد، يمكن الاشارة الى قرار مهم، كرس هذه المبادئ كلها في نازلة عرضت حديثا على القضاء تقدمت خلالها المدعية بدعوى بتاريخ 18/01/85 تعرض فيها ان لها حسابا عند البنك المدعي عليه، وقد ادت مبلغا كرائيا للمالك بواسطة شيك بمبلغ 9.900,00 درهم غير انه امام انكار المستفيد تسلم الشيك واستغلال مبلغه فقد تقدم المالك بدعوى ضدها كأداء نفس الدين المؤدى بواسطة الشيك، ولذلك اضطرت لمكاتبة بنكها المسحوب عليه لموافاتها بالبيانات الكافية حول سحب الشيك المذكور، وبشان الساحب وتاريخ السحب ….. الخ دون ان يستجيب لطلبها رغم انه ملزم قانونا بذلك وفق الاعراف البنكية مما تسبب لها في ضرر فادح حددته في مبلغ 15.000,00 درهم .

    -----------------------

    55) ديموج - ر - حول تغيير العقود بارادة منفردة- المجلة الفصلية للقانون المدني 1907 - صفحة 245 وما يليها مشار اليه في اطروحة ايف بيكو : واجب الاخلاص في تنفيذ العقد - طبعة 1989 - صفحة 111.

    56) ميشيل جوكلار : واجب الاستعلام في العقود - المجلة الفصلية للقانون المدني 1945 - صفحة 1 - مشار اليه بنفس اطروحة بيكو ونفس الصفحة.

    57) مرجع جمال الدين عوض - صفحة 812 - والهامش.

    58) نفس المرجع .

    59) حول مسؤولية الابناك بصدد تقديم المعلومات، مجلة البنك، 1983، العدد الثامن، صفحة 947، مشار اليه في اطروحة بيكو، المرجع السابق .

    ------------------------

    وقد استجاب القاضي الابتدائي للطلب، وقضى على البنك المدعى عليه، باداء تعويض بمبلغ خمسة الاف درهم، وامام مرحلة الاستئناف تمسك المحكوم عليه بدفوعاته، المتمثلة في كونه زود المدعى بصورة من الشيك المذكور، وهي تحمل كل البيانات المتعلقة به، وان القاضي الابتدائي، لم يحسن قراءة محتوى هذه الوثيقة فضلا عن انه يوجه بياناته بقوة القانون الى جميع الزبائن، بصورة مستمرة، وتتمثل في الكشف الحسابي، وهذه البيانات كافية لتبرئة ساحة المدعية، من الدين الذي يطالبها به المالك، وان دور البنك ليس هو التوثيق والاشهاد على الناس، لان عملها مصرفي لا غير .

    فضلا عن انه كان على المدعية ان تطالب المالك بوصل عن المبلغ الذي سلمته للمكري وتقاعسها في ذلك هو الذي دفع بالمالك الى المطالبة بنفس الدين مرتين، وان كان هناك خطا فان العارض ليس بمسؤول عنه (60) .

    وقد ردت محكمة الاستئناف بالرباط هذه الدفوعات كلها، وايدت الحكم الابتدائي مع تعديله بتخفيض التعويض الى مبلغ ثلاثة الاف درهم استنادا على الحيثيات التالية.

    من حيث ان المستقر عليه، ان المصرفي يعتبر في مواجهة زبونه بمثابة وكيل. وهو ليس بمثابة وكيل عادي، بالنظر لجملة من المعطيات المعروفة التي تحوط كيفية ادائه مهامه. وهو ملزم تاصيلا عن ذلك كله بالقيام بتنفيذ التعليمات التي يصدرها اليه زبونه، وايضا ما تقتضيه القوانين والاعراف البنكية.

    ومن حيث انه على هذا الاساس، فان الطاعن يعتبر مقصرا في التزاماته تجاه موكله حينما امتنع دون ان يبدي له اي عذر مقبول قبل مقاضاته بشان طلبه تزويده بمعلومات معينة حول الشيك الذي قدمته له المطعون عليها قصد الاداء لفائدة السيد الناصري محمد الذي يكريها اياها محلا للسكن.

    ومن حيث انه ليس من المسوغ للطاعن التذرع بمقولة انه وجه الى المطعون عليها صورة من الشيك المشار اليه، كحجة كافية على توفره على المعلومات المتعلقة بتاريخ ادائه وهوية المستفيد طالما ان الثابت انه حتى على فرض ثبوت هذا الواقع بدليل ادلاء المدعية بهذه الوثيقة صحبة مقالها الافتتاحي، فان هذا لا يمكنه وحده ان يكون مبررا حقيقيا، وحائلا دون الجواب على المراسلات، التي تصول بها المصرف المستانف من زبونته.

    ---------------------------

    60) قرار استئناف الرباط 21/05/90 في الملف التجاري 8545/89 .

    ---------------------------

    ومن حيث ان موقف المصرف يكون بالتالي مشوبا بسوء تنفيذ للمهام المنوطة به قانونا، وهذا من شانه ان يرتب تعويضا للمستانف عليها جبرا للضرر اللاحق بها من هذا الموقف، والمتجسم على وجه الخصوص في عدم تمكنها من الدفاع عن مصالحها بالكيفية الملائمة امام القضاء لدفع الدعوى التي وجهها ضدها مالك العين المؤجرة الموما اليه لاستخلاص قدر من الواجبات الكرائية، ثم اداء جزء مهم منها بمقتضى الشيك محل النزاع".

    *

    * *

    خلاصة الامر ان القانون البنكي المغربي يعرف تطورا ملموسا وايجابيا، وان هناك المزيد من الالمام بجوانب المسؤولية المدنية للابناك من طرف المحاكم التي تكرس منذ مدة لا يستهان بها مبادئ وقواعد واجتهادات قضائية غنية فعلا تثرى هذا العمل ومن شانه ان يكون حافزا حقيقيا، لإتقان افضل للممارسات البنكية السائدة، وفق ما ورد في مقدمة هذا البحث.

    ولا يمكن لي في الختام سوى ان التمس من القارئ المعذرة لعدم التمكن من التطرق الى باقي جوانب المسؤولية المثارة لتشعب الموضوع وتنوع عدد القضايا التي تهم هذا الجانب، فضلا عن ضيق الوقت وفضلا عن الاخطاء التي قد تشوب العرض باعتبار سمة الخطا البشرية.

    لكن المؤكد فعلا ان الاجتهاد القضائي المغربي في مادة المسؤولية المدنية للابناك يزداد تطورا ويزداد الماما بجوانب هذا الموضوع، ويتلقى مع افضل الاتجاهات القضائية الاجنبية التي تناولت هذه الاشكالات.

    * مجلة المحاكم المغربية، عدد 71، ص 7.