أدخل كلمة للبحث

المؤهلات الضرورية لموظفي السجون

المؤهلات الضرورية لموظفي السجون

    ذ . طيب محمد عمر

    محام بهيئة الدار البيضاء

    بمناسبة دخول القانون رقم 23.98 المتعلق بتنظيم وتسيير المؤسسات السجنية، الصادر بشان تنفيذه الظهير الشريف رقم 1.99.200 المؤرخ في 13 من جمادى الاولى 1420 (25 غشت 1999) حيز التطبيق ، اثر صدور المرسوم رقم 2.00.485 الصادر في شعبان 1421 (3 نوفمبر2000) بتحديد كيفية تطبيق هذا القانون، بادر مركز التوثيق والتكوين والاعلام في مجال حقوق الانسان، بتعاون مع ادارة السجون و اعادة التاهيل، الى تنظيم دورة تكوينية لفائدة اطر هذه الادارة بمقر معهد الدراسات القضائية بالرباط ايام 22 الى 24 يناير‏2001 .

    ولما كان موضوع تلك الدورة هو "القانون المغربي الجديد للسجون ، والمعايير الدولية لمعاملة السجناء"، فان المداخلة الحالية ينبغي لها ان تتخذ كمرجعين ذلك القانون و تلك المعايير، وان كان الاول قد نهل من الثانية، وسعى سعيا حميدا الى التقرب منها والتوافق معها، فكان بذلك قفزة نوعية في مجاله من حيث التنظيم والتسيير، وقفزة مثلها من حيث فرض احترام حقوق الانسان كما هي متعارف عليها عالميا.

    واذا كان التشريع في بعض البلدان، التي لازلنا منها واليها، كلما قفز وسما، اذا كان بالامكان ان تشكل بان عن الواقع ونأى، فان وجوده يصبح كعدمه،

    --------------------------

    1) عنوان المداخلة كما حددتها اللجنة المنظمة للدورة التكوينية هو" المؤهلات الضرورية لموظفي السجون في نجاح السياسة العقابية" وارجو ان لا يتغير المعنى ان استبدلت حرف "في" بحرف "اللام".

    --------------------------

    ومن هذه المفارقة بين النصوص القانونية التي تتوخى ما ينبغي ان يكون، وبين الواقع الذي يجسد ما هوكائن، ياتي وجه اشكالية الموضوع.

    ذلك ان "نجاح السياسة العقابية" هوغاية ما تصبو اليه التشريعات والمعايير الدولية لمعاملة السجناء، الا ان من بين وسائل تحقيق هذه الغاية توجد اليات مصدرها الواقع، وهي "المؤهلات الضرورية لموظفي السجون" أي ما هو بمقدورنا من امكانات بشرية ومادية.

    فاذا كان القانون لا يجب ان ينحط ليساير الواقع، والا وضعت سياستنا العقابية، وتعاملنا مع حقوق الانسان موضع السخرية والامتعاض، وكان الواقع لا يستطيع ان يسير بذات السرعة والقوة التي تحرك نصوص القانون، فان مناقشة المؤهلات الضرورية لموظفي السجون لنجاح السياسة العقابية ستبقى من قبيل التنظير والكلام ان لم ينفع اليوم، فليمهد لغد نتمنى ان يكون قريبا.

    وهكذا فان قراءة سريعة للقانون رقم 1.99.200، وللمرسوم الصادر بشان تطبيقه، تساعد على استخراج ما ينبغي ان يتاهل به موظف السجون، اذا اريد للسياسة العقابية النجاح ، واريد للسجن ان لا يبقى مجرد دهاليز يراكم فيها البشر الى حين.

    1) ان المواد 29-30-31-41-74 من القانون والمادة 22 من المرسوم تؤدى الى خلاصة مفادها ان على موظف السجن ان يكون عالما بالقواعد الاساسية التي تساعده على التمييز بين المعتقل احتياطيا، والمكره بدنيا، وبين المدان، وتساعده على ان يصنف المدانين مراعاة لشخصهم ، وللنظام السجني الذي يجب ان يخضعوا له، مع الحرص على تحسين علاقة السجين بوسطه الاجتماعي ، والكل من اجل اعادة ادماجه بعد الافراج عنه.

    فالمقتضيات المشار اليها تفترض في الموظف ان يكون ملما على الاقل بمبادئ اولية في علم الاجرام، وعلم الاجتماع وعلم النفس.

    2) كما ان قراءة المواد من 13 الى 21 والمادتين 26 و 27 من القانون، تفرض على موظف السجن ان يكون ملما بقواعد الضبط القضائي والاداري عند مسكه لسجل الاعتقال المنظم تنظيما خاصا، والمحتوي على بيانات بالغة الاهمية، وان يكون ملما بقواعد قانون المسطرة الجنائية اذ تفرض عليه المادة 17 مثلا ان يتاكد من سند الاعتقال، ومن كونه مستوف للشروط المتطلبة في ذلك القانون، بصرف النظر عن مواجهته لحالات خاصة تتعلق بادماج العقوبات او ضمها، فهو المسؤول عن قانونية الاعتقال، وعن تنفيذ الاوامر والقرارات الصادرة عن السلطة القضائية، كما تفترض فيه علما بقواعد العفو والافراج المقيد، وكيفية تقديم التظلمات والشكايات.

    3) كما ان مقتضيات المادتين 26 و27 من القانون تفترض فيه علمه بمقتضيات القانون رقم 1.99.200 والمرسوم والضوابط الصادرة بشان تطبيقه، وان يكون قادرا على تبليغها الى كل معتقل لاخباره بما له من حقوق وما عليه من واجبات.

    4) كما ان المام موظف السجن بالانشطة الرياضية والبدنية، والترفيهية والثقافية والتربوية، والمهنية، واهتمامه بالعناية الروحية والفكرية للمعتقلين امر تؤدي اليه قراءة المواد 33-37-38-105-115-116-117-120-121-122 من القانون، والمواد 23-24 و 105 و 107 و 110 الى 122، و 131 و 147 و 150 من المرسوم.

    ذلك ان المقتضيات القانونية المشار اليها تستهدف تمكين المعتقل من عمل تربوي موجه لابراز وتنمية مداركه وكفاءاته، والكل تحت اشراف مربين، وبطرق بيداغوجية حديثة، كما تستهدف تحسيس المراة المعتقلة برسالتها داخل الاسرة ، وبدورها في التنمية الاجتماعية، وتستهدف مساعدة المعتقلين على محو الامية وتلقي تربية اساسية، وتعليم من يواصل تعليمه الابتدائي والثانوي والجامعي، بواسطة اطر مؤهلة تابعة لادارة ا لسجون واعادة الادماج، وتستهدف ايضا تنظيم برامج للتكوين المهني، وايلاء اهتمام مكثف للتربية وملء اوقات الفراغ.

    ويلاحظ ان المادة 24 من المرسوم تنص على عدم امكانية احداث أي نوع من الانشطة المهنية او البدنية او الرياضية، وكذا الدراسة والتكوين والانشطة الثقافية، او الترفيهية ، الا بترخيص مسبق من طرف مدير ادارة السجون بوازرة العدل، وهو المركزة الذي كان من المستحسن تلافيها في نص قانوني تنظيمي .

    5) كما ان القانون والمرسوم الصادر بشان تطبيقه يفرضان على موظف السجن ان يكون متشبعا بابسط قواعد حقوق الانسان، فلا ينبغي له ان يميز في المعاملة بين المعتقلين بسبب العرق او اللون او الجنس او الجنسية، او الدين او الراي او المركز الاجتماعي (المادة 51 من القانون و 4 من المرسوم) وان لا يستعمل العنف ضد المعتقلين، ولا يخاطبهم بالفاظ مهينة او بذئية (المادة 3 من المرسوم) .

    6) وبالرجوع الى احكام المواد من 53 الى 62 من القانون يلفى انه يفترض في موظف السجن ان يكون قاضيا تأديبيا داخل المؤسسة، يبت في افعال ذات طابع زجري، واخرى من صميم قواعد السلوك، و يصدر في شانها كلها عقوبات تأديبية، بعد تفريدها وبعد اخذ شخصية الجاني بعين الاعتبار.

    7) اما الجانب الامني، فقد افرد له القانون المواد من 63 الى 70 من القانون، والمواد من 27 الى 50 و 53 من المرسوم.

    والمقتضيات القانونية المشار اليها تفرض على الموظف التزامات جسيمة فيما يتعلق بامن المؤسسات السجنية، وامن المعتقلين، الامر الذي يقتضي تكوينا بدنيا خاصا، وثقافيا لتحمل تلك الالتزامات.

    8) كما ان المادتين 72 و 73 من القانون تتوقعان ان يكون موظف السجن ضابط شرطة قضائية يحرر محاضر عما يقع امامه من جرائم، وان يكون ضابط حالة مدنية، له ما لهذا الاخير من اختصاصات كاملة، سواء فيما يتعلق بالولادة او الوفاة او غيرها.

    9) وتفرض المواد من 101 الى 112 من القانون والمواد من 71 الى 75 من المرسوم، على موظف السجن ان يكون بنكيا وامينا على اموال المعتقلين وحاجياتهم، وان يضبط ذلك طيلة فترة الاعتقال.

    10) وتقضي المواد 89-103-104 من المرسوم ان يكون من بين موظفي السجون مساعدون صحيون، كما تقضي المواد من 132 الى 141 من ذات المرسوم ان يكون من بينهم مساعدون اجتماعيون يعملون على وضع برنامج علاج صحي، نفسي اجتماعي لكل سجين على حدة.

    فالخلاصة ان القانون والمرسوم يشترطان في موظف السجن ان يكون ملما بما يمكنه من التمييز بين المعتقلين وتصنيفهم، وان يكون ملما بقواعد الضبط القضائي والاداري، وان يكون ملما بحقوق السجين وواجباته، وان يعلمه بها، وان يكون في الوقت نفسه على المام بالانشطة الرياضية والبدنية، والترفيهية والثقافية والتربوية، والمهنية، وان يهتم بالعناية الروحية والفكرية للمعتقل، وان يكون متشبعا بقواعد حقوق الانسان، وان يكون في الوقت نفسه حارس امن، وضابط شرطة قضائية، وقاضيا تاديبيا، وبنكيا، ومساعدا صحيا واجتماعيا، وان يكون اجره الشهري هو 1600 درهم، ويعمل في ظروف سيئة جدا.

    لذلك فان تفعيل القانون يقتضي اولا وقبل كل شيء امكانات مادية وبشرية من شانها ان تجعل نصوص ذلك القانون تتحرك من جمودها، اضافة الى المجهود الاعلامي والتحسيسي باهمية الموضوع.

    وهكذا فان اول ما ينبغي القيام به هو:

    - تحسيس المجتمع المدني بكافة مكوناته، ولاسيما الهيئات الحقوقية والمنظمات النشطة في كل مجالات حقوق الانسان، وجميع المهتمين بالمجالات التربوية والاجتماعية والاقتصادية بالدور الذي يقوم به موظفو السجون، ومن خلالهم ذلك الذي تلعبه المؤسسات التي يعملون بها، في مجال انجاح السياسة العقابية، وان يتعاون الجميع لتحقيق ذلك النجاح.

    - الاعتناء بوضع معايير موضوعية دقيقة لاختيار وتصنيف موظفي السجون، مع البحث عن صيغة عملية تجعل ذلك الاختيار من اختصاص عدة لجن مشكلة تشكيلا خاصا.

    - العمل بكافة الوسائل على رصد الميزانية اللازمة لتوظيف من جعلهم القانون والمرسوم مؤهلين فعلا ليكونوا موظفي السجون، ومنحهم اجورا وامتيازات محترمة.

    - في اطار العمل على تغيير العقلية عند التعامل مع السجين، وذلك بصرف النظر قليلا عن ماضيه، وسبب وجوده في السجن، والاهتمام بافاق مستقبله، وجعله قابلا لان يندمج في المجتمع، وقادرا على ذلك، ينبغي تحسيس موظف السجن بان المعتقل مهما قصر او طال امد حبسه، فانه سيعود الى المجتمع، وانه لا ينبغي له ان يرجع الى السجن وبان ذلك الموظف او اقرب الناس اليه، قد يكونون غذا بالصدفة من بين ضحاياه، ان لم تلتئم جراحه النفسية، ولم يطمئن الى ثقته في نفسه، وثقة الناس فيه.

    - تحسيس موظفي السجون، وترسيخ القناعة لديهم، بان وظيفتهم هي وظيفة ذات طبيعة خاصة، فليسوا هم الجنود بزي المعركة، وليست اليات تحاورهم هي المصفد والعصا، وليس اسلوب خطابهم هو التحقير والاهانة، بل انهم موظفون مدنيون اولا وقبل كل شيء يقدمون خدمة اجتماعية ذات اهمية قصوى، وهم في الوقت ذاته حراس الامن والنظام داخل المؤسسة وحاملوا سلاح.

    ومن هذا التنوع، ومن ذلك الذي فرضه القانون والمرسوم، تاتي الطبيعة الخاصة لوظيفتهم المتخصصة والمرهقة، ويكون من العار ان لا يعاد النظر في وضعيتهم، ليكونوا مؤهلين حقا لانجاح السياسة العقابية.

    مجلة المحاكم المغربية عدد 87 ، ص45