أدخل كلمة للبحث

الدعوى المباشرة ضد المؤمن !

الدعوى المباشرة ضد المؤمن  !

    السيد نور الدين لبريس- الرباط

    تدخل المشرع المغربي بمقتضى ظهير 20 اكتوبر1969، واقرا اجبارية التامين على العربات والناقلات المستعملة للطرق .. كما الزم المتضررين عند مطالبتهم بالتعويض امام المحاكم، بوجوب ادخال المؤمن واشراكه في الدعوى الموجهة ضد المؤمن عليه المسؤول عن الضرر، وذلك ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل الثاني من ظهير8 يوليوز1937 المعدلة بظهير23 ماي 1942، حتى يحكم على المؤمن باداء التعويضات المستحقة بسبب الفعل الضار، تنفيذا لعقد التامين، وتحقيقا للغاية المقصودة منه ومن اجبارية التامين على العربات المستعملة للطرق البرية.

    ورغم العدد الكبير من القضايا المطروحة على المحاكم في موضوع التعويض عن الحوادث الناتجة عن حركة الناقلات والسيارات بالطرق العمومية …. وما يثور بصددها من منازعات حول عقد التامين واثاره… فان الدعوى المباشرة المرفوعة من طرف المتضرر ضد المؤمن لم تنل حظا من الاهتمام والبحث عنه في عمق المقتضيات التشريعية بالمغرب.. كما ظل القضاء بدوره بعيدا شيئا ما عن ابداء راي قار وواضح بشانها، باستثناء القرار الصادر عن المجلس الاعلى والذي سأتناوله ضمن فقرات هذا الحديث، والذي لا اعلم ما اذا كان هو الوحيد الذي تناول هذه الدعوى… واذا كنت خلال السنوات الاخيرة من عقد السبعينات- اثناء عملي بالمحكمة الابتدائية بالرباط - اصدرت بعضا من الاحكام تقضي على شركات التامين مباشرة باداء مبالغ التعويض لفائدة المصاب او المتضررين، فان هذه الاحكام تعلقت كلها بالحالة التي يكون فيها المؤمن عليه المسؤول عن الضرر متوفى- كما انه لم تحظ بتتبع مني لمعرفة مصيرها لدى محكمة الدرجة الثانية.

    واعتقد ان الانطلاق في هذا الموضوع من تقرير امكانية تقديم هذه الدعوى المباشرة مطلقا، او منعها مطلقا، هو امر سابق لاوانه، اذ هناك حالات تتجلى في استحالة قانونية في رفع دعوى التعويض ضد المسؤول عن الضرر، وهو ما يفرض عند تناول هذا الموضوع من خلال ما تسمح به طبيعة عقد التامين، ضرورة معالجته ايضا برؤية مستوحاة من قواعد المسطرة، كما ان بحث الجوانب المسطرية في هذا الامر، يقتضي ايضا المقارنة بين رفع دعوى التعويض امام المحكمة المدنية او تقديمها امام المحكمة الزجرية، كدعوى مدنية تابعة، ينظم احكامها ويحدد اطرافها قانون المسطرة الجنائية.

    وهكذا نتناول هذا البحث من خلال الفقرات التالية:

    الفقرة الاولى : عقد التامين الاجباري وطبيعته واثاره.

    الفقرة الثانية : الدعوى المباشرة ضد المؤمن في حالة وفاة المؤمن له.

    الفقرة الثالثة : الدعوى المباشرة ضد المؤمن امام القضاء الزجري.

    الفقرة الاولى :

    عقد التامين الاجباري … طبيعته واثاره

    ان قراءة لمقتضيات ظهير 20 اكتوبر1969 تسمح لنا بالوقوف على الغاية من عقد التامين على الناقلات المستعملة للطرق البرية، وهي ضمان المسؤولية المدنية للمؤمن له.

    فقد اوجب الفصل الاول من هذا الظهير على كل شخص ذاتي، او معنوي، ان يبرم مع شركة تامين … عقد تامين يضمن مسؤوليته المدنية بخصوص الاضرار البدنية والمادية اللاحقة بالغير، بسبب سير ناقلة او بسبب حادث او حريق او انفجار تسببت فيه الناقلة نفسها، او نتج عن الاجهزة والادوات والمنتوجات المستعملة فيها…

    فغاية عقد التامين هذا، اذن هي ضمان ما يترتب في ذمة المؤمن له - او المؤمن عليه - من التزام بتعويض المتضرر عن الضرر اللاحق به، بسبب سير الناقلة او بسبب المواد والاجهزة التي تحملها. وهذا ما يؤكده الفصل الرابع من نفس الظهير باشارته الى التعويض عن الاضرار المشار لها في الفصل الاول.

    لقد اتجه بعض الفقه في بيان الاساس الذي يقوم عليه عقد التامين على الناقلات البرية الى اعتناق نظرية الاشتراط لمصلحة الغير او التعاقد لمصلحة الغير وبذل جهدا في محاولة لتفسير ذلك. كما ان القضاء في بعض الدول العربية سار بدوره على هذا النهج، واخذ بفكرة التعاقد لمصلحة الغير اساسا لعقد التامين ولتبرير قبول الدعوى المباشرة المقدمة من المتضرر ضد المؤمن اعتمادا على ان المقصود من عقد التامين هو مصلحة الغير المتضرر وضمان استيفائه لما يستحقه من تعويض عن الضرر.

    واذا كانت فكرة التعاقد لمصلحة الغير تبدوا اساسا صالحا ومقبولا بالنسبة لبعض انواع التامين، كالتامين عن الوفاة مثلا… فانها ليست كذلك بخصوص التامين عن المسؤولية المدنية…. وليست اطارا قانونيا لاستيعاب هذا النوع من التامينات، ويبرر بالتالي دعوى المتضرر المباشرة ضد المؤمن.

    قد يتضمن عقد التامين اشتراطا او تعاقدا لمصلحة الغير ويظهر هذا واضحا في التامين عن الوفاة. حيث يقوم المؤمن له باداء اقساط التامين مقابل التزام المؤمن باداء مبلغ مالي معين لفائدة شخص او اشخاص معينين ايضا باسمائهم او صفاتهم وذلك عند وفاة المؤمن له… وهذا العنصر يختفي مطلقا ولا يتحقق في عقد التامين عن المسؤولية المدنية. اذ المؤمن له عند ابرامه لهذا العقد لا يبحث عن تحقيق مصلحة للغير. وانما لفائدته ولتحقيق مصلحته هو… لان القصد الوحيد من هذا العقد هو ان يحل المؤمن محله في التزامه بصرف التعويض المستحق لمن قد يتضرر من استعمال الناقلة المؤمن عليها. وهذا هو ما قصده المشرع بوضوح وصراحة من تقرير اجبارية التامين البري حين اوجب في الفصل الاول من ظهير 20 اكتوبر1969 على كل شخص ذاتي او معنوي …. ان يبرم مع شركة التامين … عقد تامين، يضمن مسؤوليته المدنية بخصوص الاضرار المادية والبدنية اللاحقة بالغير.

    ان مصلحة هذا الغير - وهو المتضرر الاحتمالي غير المعين بذاته- لم يكن له في الواقع أي اعتبار لدى الطرفين، عند ابرام هذا العقد، الذي لو لم يبرم، لكان المتسبب في الضرر والمسؤول عنه ملزما بصرف التعويض من ذمته المالية لفائدة المتضرر. الا انه بابرامه لعقد التامين يضمن تحقيق النتائج التي رتبها القانون مسبقا وهي عدم اجباره على صرف هذا التعويض من امواله، بل يكون المؤمن هو المتحمل قانونا بادائه.

    ان عقد التامين عن المسؤولية المدنية، لا يتضمن- عادة- بنودا اتفاقية تنص على حلول شركة التامين محل المؤمن له في اداء هذا التعويض، فهذا الحلول مقرر بحكم القانون، ويكون ابرام المؤمن له، لعقد التامين، فقط، سببا يحقق له الاستفادة من هذا الحلول القانوني … ولا يهدف قطعا الى تحقيق مصلحة للغير.

    وهكذا وفي اطار هذا العقد نجد فكرة الاشتراط لمصلحة الغير او التعاقد لمصلحة الغير باهتة او منعدمة، ولا تساعد في تحديد طبيعته واثاره ولا يمكن بالتالي الاستناد اليه في تبرير دعوى المتضرر- المباشرة ضد المؤمن- بينما تبدو فكرة الحلول اساسا قانونيا سليما لتحديد طبيعة هذا العقد، الذي بمقتضاه يحل المؤمن محل المؤمن له في الوفاء بالتعويض المستحق للمتضرر.. كما تبقى فكرة الحلول هذه ايضا اساسا جيدا ومبررا لقبول الدعوى المباشرة ضد المؤمن، عند غياب نصوص تشريعية تنظم هذه الدعوى. وما يتعين التاكيد عليه انه حين يتدخل المشرع، ويقرر - في حالة وجود عقد تامين - قيام الضامن حتما مقام المضمون، في اداء التعويضات - فان اساس هذه الدعوى المباشرة يكون هو القانون - بصرف النظر عن كون القاعدة القانونية المقررة بهذا الحكم تستند الى فكرة الحلول المشار اليه انفا.

    والمشرع المغربي ليس بعيدا عن تقرير حق المتضرر في مقاضاة المؤمن مباشرة، حين نص في الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937 المعدل بظهير 27 يناير 1941 المتعلق باداء المصاريف والتعويضات بسبب حوادث السيارات على انه اذا كان هناك عقد ضمان، فيقوم الضامن حتما مقام المضمون، ضمن حدود الكفالة المستدركة في العقد في شان اداء التعويضات او المرتبات…

    فالقول بكون الضامن- وهو المؤمن - يقوم مقام المضمون - وهو المؤمن له، هو اقرار لفكرة الحلول التي اشترت اليها… واذا كان المؤمن، هو الذي يتحمل- بحكم القانون- بالتزام اداء التعويضات والمرتبات والمصروفات لفائدة المتضرر، بدل المؤمن له- المسؤول عن الفعل الضار- فانه لا معنى للقول بوجوب تقديم طلب التعويض ضد هذا الاخير، والحال انه ليس مطالبا بصرف هذه التعويضات من ماله.

    اننا اذا نظرنا - بقدر الامعان - الى الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز37 - كما وقع تعديله- امكننا بسير ان نستخلص منه اقرار المشرع لحق المتضرر في مقاضاة المؤمن مباشرة ومطالبته هو باداء التعويض المستحق بسبب الفعل الضار الذي ارتكبه المؤمن له وهذا هو الغاية، او المعنى المستفاد من قيام الضامن - حتما- مقام المضمون… في اداء التعويضات…

    واذا استطعنا التوصل الى هذه القناعة، فان الدعوى المباشرة ضد المؤمن، يكون اساسها- في هذه الحالة - هو القانون، اذ مع ورود نص قانوني ينظم هذه الدعوى، لن نكون مطالبين بالبحث عن اساس لتبريرها بعيدا عن القاعدة القانونية.

    وفي رايي، ان تقرير جواز اقامة الدعوى المباشرة ضد المؤمن، ليس امرا مطلقا، فاشراك المؤمن له في هذه الدعوى، يكون حتميا اذا اثار المؤمن دفعا بانعدام التامين. ويبقى ادخال المؤمن له في الدعوى اجراء يباشره اما المدعي المتضرر او المؤمن الذي يريد ان يتحلل من الاثار القانونية لعقد التامين.

    ولا شك ان توجيه دعوى التعويض مباشرة ضد المؤمن. وفي غياب المؤمن له، لا يمنع المحكمة واطراف الدعوى من مناقشة موضوع المسؤولية المدنية عن الفعل الضار، وتحديد المسؤول عنه.. اذ ان بحث عناصر الفعل الضار، كواقعة مادية، انما هو سبب لبحث استحقاق المدعي، المتضرر، لمبلغ التعويض الذي سيحكم على المؤمن بادائه، فيكون له كامل المصلحة لمناقشته، ما دامت هذه المسؤولية، وما رتب عنها القانون من اثار، ستنقلب عليه في النهاية في صورة تعويض مالي يؤديه للمتضرر.

    والقضاء المغربي، لم يكن دائما بعيدا عن هذا الموضوع فقد سبق لمحكمة الاستئناف بطنجة ان اصدرت يوم 22 يونيه1965، قرارا قضى مباشرة على شركة ا لتامين باداء التعويض لفائدة المتضرر، وبعد الطعن بالنقض في هذا القرار من طرف شركة التامين ناعية عليه حكمه على المؤمن مباشرة بالاداء دون المؤمن له، وانه كان يتعين الحكم على هذا الاخير باعتباره مسؤولا مدنيا ثم احلال المؤمن محله في الاداء .. رد المجلس الاعلى هذا الطعن بقوله: ( … انه بناء على الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1973، فان المؤمن يتعين لزوما طلب ادخاله في الدعوى من طرف طالب التعويض او في غيابه من طرف المؤمن عليه. وان الحكم الذي يمنح تعويضا او جراية، يتعين ان ينص على حلول المؤمن محل المؤمن عليه في حدود الضمان المنصوص عليه في عقد التامين، وانه بالحكم على شركة التامين فيما طلب في مقال افتتاح الدعوى بان تؤدي لهذا الاخير محل مؤمنها مبلغ التعويض عن الضرر، فان محكمة الاستئناف التي لم تكن ملزمة بالحكم على المؤمن له، لم تخرق المقتضيات المذكورة. وانه من جهة اخرى، ليس لشركة التامين من مصلحة في الاستظهار بعدم الحكم على مؤمنها، لان هذا الحكم لا يمكنها باي حال من الاحوال ان تتحلل من التزاماتها التعاقدية).

    قرار عدد 169 بتاريخ 12-4-1969

    ( منشور بمجلة القضاء و القانون عدد 104 صفحة 176)

    ومن استقراء مضامين هذا القرار نستخلص ملاحظتين اثنتين:

    أولهما : ان المجلس الاعلى اقر جواز الحكم على المؤمن مباشرة باداء التعويض لفائدة المصاب او المتضرر، واستبعد لزوم الحكم على المسؤول المدني المؤمن له ثم التصريح باحلال مؤمنه محله في الاداء.

    وثانيهما: ان المجلس لم يعتمد في ذلك على فكرة التعاقد لمصلحة الغير، واكتفى في تبرير جواز الحكم مباشرة على المؤمن بالاعتماد على التزاماته التعاقدية واذا نحن بحثنا عن ماهية هذه الالتزامات التعاقدية، نجدها تلك الناشئة عن عقد التامين الذي رتب القانون على ابرامه، حلول المؤمن حكما، محل المؤمن له في اداء التعويض المستحق، وهو بذلك استبعد فكرة التعاقد لمصلحة الغير كاساس لقبول الدعوى المباشرة ضد المؤمن.

    الفقرة الثانية

    الدعوى المباشرة ضد المؤمن في حالة وفاة المؤمن له

    لاشك ان الدعوى المباشرة ضد المؤمن، تجد مجالها الواسع في طلب التعويض عن الاضرار المترتبة عن حوادث السير- وفي نطاق هذه الحوادث، او خارجه قد يحدث ان يتوفى المؤمن عليه، المسؤول عن الضرر واذا كانت اصول المحاكمة ومبادئ قانون المسطرة لا تجيز رفع دعوى التعويض في مواجهة ورثته طالبين الحكم عليهم باداء التعويض عن الضرر اللاحق بهم وباحلال شركة التامين - التي تؤمن مورثهم- محلهم في الاداء.

    والمؤسف ان المحاكم تسايرهم في هذا المنحى، فتقضى على الورثة باداء التعويض، وباحلال شركة التامين محلهم في الاداء.. غير ان هذا الاتجاه في العمل القضائي يقتضي وقفة لابداء الملاحظات التالية:

    الملاحظة الاولى: ان الورثة ليسو مسؤولين مدنيا عن الضرر اللاحق بالضحية ومسؤولية مورثهم عن الفعل الضار لا تنتقل اليهم بموته، ولا يمكن - مبدئيا- مطالبتهم بالتعويض الا في حدود التركة التي الت اليهم، اذا لم يكن موروثهم مستفيدا من عقد تامين يرتب التزام المؤمن باداء التعويض عن الضرر الناشئ عن استعمال الناقلة المؤمن عليها. فاذا كان مورثهم قد ابرم عقد التامين، فان المؤمن يكون هو المدين- قانونا- باداء هذا التعويض- ذلك انه اذا كان الفعل الضار يرتب في ذمة المسؤول عنه التزاما بالتعويض عنه لفائدة المتضرر، فان من اثار عقد التامين ان ينتقل هذا الالتزام من ذمة المسؤول المؤمن له الى ذمة المؤمن، بمعنى ان الذمة المالية للمؤمن له، في هذه الحالة، ليست مدنية باي التزام حتى ينتقل الى تركته بعد موته.

    الملاحظة الثانية: اذا كان عقد التامين يرتب- قانونا- في ذمة المؤمن التزاما باداء التعويض لفائدة المتضرر، عملا بالحلول القانوني المقرر بمقتضى الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937، فان وفاة المؤمن له، ليس من شانها ان تؤثر في شروط عقد التامين واثاره- وذلك طبعا فيما يتعلق بالافعال الضارة التي يسال عنها- وهو ما يقتضي مقاضاة المؤمن مباشرة ومطالبته باداء التعويض لفائدة المتضرر.

    الملاحظة الثالثة: ان ورثة المسؤول عن الضرر ليسو مؤمنا لهم فلا محل اذن للحكم باحلال شركة التامين محلهم في اداء التعويض المحكوم به، بل انه لا معنى لادخالهم في الدعوى ما دام عقد التامين قائما منتجا لاثاره.. وما داموا هم لا شان لهم بالمسؤولية المدنية عن الفعل الضار ولا بمسالة التعويض عنه. وكل ذلك طبعا ما دام مورثهم مستفيدا من عقد تامين.

    الفقرة الثالثة

    اقامة الدعوى المباشرة امام القضاء الزجري

    لا شك ان الحديث عن امكانية الادعاء المباشر ضد المؤمن امام المحكمة الزجرية لا محل له، الا بعد تقرير امكانية مقاضاته الى جانب المؤمن له. اذ ما دامت هذه الحالة الاخيرة متعذرة، فانه يكون متعذرا بالاولى والاحرى مقاضاة المؤمن وحده من خلال الدعوى الموجهة ضده مباشرة.

    حين تناول قانون المسطرة الجنائية تنظيم الدعوى المدنية التابعة، اشار في فصله السابع الى ان هذه الدعوى تقام من اجل المطالبة بتعويض الضرر الناجم عن الجريمة من طرف كل من لحقه شخصيا ضرر ذاتي مادي او معنوي تسببت فيه الجريمة… كما نص في فصله الثامن على ان هذه الدعوى تقام على مرتكب الجريمة وشركائه الاصليين او المساعدين، وعلى ورثتهم، وعلى الاشخاص المسؤولين عن الحقوق المدنية.

    والواضح في هذه المقتضيات انه لا تشير الى المؤمن، ضمن الاطراف الذين تقام الدعوى المدنية ضدهم امام المحكمة الزجرية. فيما يبدو معه متعذرا استدعاء المؤمن امام المحكمة الزجرية من اجل الحكم باحلاله محل المؤمن له المسؤول عن الفعل الجرمي، وذلك لسببين:

    أولهما، ان المؤمن لم يرد عليه الذكر ضمن الفصل الثامن من ق. م. ج

    وثانيهما، لان موضوع الدعوى المدنية التابعة، يحدد في طلب التعويض عن الضرر الناتج عن الجريمة، بينما النظر في عقد التامين والبحث في اثاره وسريانها او توقفها، هو امر لا صلة له بالفعل الجرمي المعروض على المحكمة في اطار الدعوى العمومية. وساحاول تناول كل واحد من هذين السببين على حدة.

    أولا: قد يرى البعض ان احضار المؤمن امام المحكمة الزجرية في اطار الدعوى المدنية التابعة، لسماع الحكم باحلاله محل المؤمن له في اداء التعويض لفائدة المصاب، هو امر يفتقد الاساس القانوني، استنادا للفصل الثامن، من ق. م. ج

    ولا شك ان هذا الراي مرجوع ومردود، اذ ان المحكمة الزجرية، لا يمكنها ان تهمل مقتضى الفقرة الثانية من الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937 كما وقع تعديلها بظهير 23 ماي 1942 والتي اوجبت، اذا عرضت دعوى التعويض امام محكمة مدنية او جنحية ادخال المؤمن في الدعوى، وبذلك يكون احضار المؤمن امام المحكمة الزجرية الى جانب المؤمن له، ليس امرا جائزا او ممكنا فقط، وانما الزاميا وحتميا.

    واضافة لذلك فاننا حتى لو افتقدنا هذه الدعامة القانونية التي نص عليها ظهير 8 يوليوز1937، لا ينعدم لدينا اساس نستند اليه في مقاضاه المؤمن امام القضاء الزجري. فالقول بخلاف ذلك، يقتضي توجيه الدعوى- في غياب المؤمن- ضد المسؤول المدني المؤمن له وحده، وان يصدر الحكم في مواجهة هذا الاخير وحده ايضا، غير ان هذا يمنع من اعمال الحلول القانوني الذي اقرته الفقرة الاولى من الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937، التي جاء فيها : ( اذا كان هناك عقد ضمان فيقوم الضامن حتما مقام المضمون…. في اداء التعويضات…).

    وايضا يهدر الغاية التي قصدها المشرع من اقراره لاجبارية عقد التامين على السيارات والناقلات البرية، وهي مواجهة اثار الاضرار الناتجة عن حركة هذه الناقلات بالطرق العمومية، بما يضمن حصول المتضررين على التعويضات الكفيلة باصلاح الضرر اللاحق بهم.

    وهكذا ا ذا ثبت من ذلك، وجوب محاكمة المؤمن في اطار الدعوى المدنية التابعة الى جانب المؤمن له، او على الاقل اذا انتفى المانع من هذه المحاكمة خارج التشريع المغربي، خلصنا الى القول بان هذه الدعوى المدنية التابعة، يمكن توجيهها مباشرة امام القضاء المدني، أي لا فرق في هذا الادعاء المباشر ضد المؤمن عليها. وهذا هو ما قصده المشرع بوضوح وصراحة.

    ثانيا: لقد حدد الفصل السابع - مسطرة جنائية- هدف الدعوى المقامة امام المحكمة الزجرية، في المطالبة بتعويض الضرر الناجم عن الجريمة من طرف كل من لحقه شخصيا ضرر مادي او معنوي تسببت فيه الجريمة

    الا ان مقاضاة المؤمن امام القضاء الزجري - في اطار الدعوى المدنية- تحمل معها في كثير من الاحيان منازعات تتعلق بعقد التامين واثاره والوقائع والطوارئ المؤثرة في سريانه، وتحتم على المحكمة الزجرية مناقشة كل هذه المسائل التي تخرج بطبيعتها عن نطاق الفعل الجرمي المعروض عليها. وتبتعد عن موضوع الدعوى المدنية التابعة كما حدده الفصل السابع من ق. م. ج. و هو ما يمنع اختصاص هذه المحكمة بالنظر في هذه المنازعات موضع التساؤل.

    ولا شك في ان الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937 في فقرته الثانية المعدلة بظهير 23 ماي 1942 لا يترك فرصة لاي تساؤل ويرفع كل ريبة قد تبدو شائبة لهذا الاختصاص، فما دام اشراك المؤمن في الدعوى المدنية التابعة، امرا لازما، فان هذا يخول للمحكمة الزجرية- قانونيا- صلاحية النظر في المنازعات القائمة في شان عقد التامين توصلا الى القول بسريانه او توقف اثاره بخصوص الوقائع المعروضة عليها.

    واضافة الى ما امكن استخلاصه من الفقرة الثانية من الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937، فانه اذا كان البث في التعويض عن الضرر، اذا كان المسؤول عنه مستفيدا من عقد ضمان يخضع لاحكام القواعد العامة للقانون المدني وكذا الى التشريع المنظم لعقد التامين واجباريته، وما يرتبه من حلول المؤمن - قانونا وحكما - محل المؤمن له، حسبما تنص عليه الفقرة الاولى من الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937 المعدلة بظهير 27 يناير 1941. فان ذلك يشكل بدوره اساسا قانونيا، يمكن المحكمة الزجرية من بسط يدها لمراقبة سريان عقد التامين ويجعلها بالتالي مختصة بالنظر فيه، باعتبار ان الحكم بالتعويض عن الضرر الناتج عن الوقائع المعروضة عليها، لا يمكن ان يتم دون مراعاة احكام الفقرة الاولى من الفصل الثاني من ظهير 8 يوليوز1937 التي تقرر الحلول القانوني للمؤمن محل المؤمن له المسؤول عن الضرر.

    وتصريح المحكمة بهذا الحلول، او بانتفائه، عند قيام منازعة في شان عقد التامين، لا يتم الا بعد بحث هذه المنازعة وما اثير بصددها من دفوع، والقول بعدم اختصاص المحكمة للنظر في ذلك يترتب عنه بالضرورة اهمال للمقتضيات القانونية المشار اليها وما تقرره من حلول المؤمن له في تحمل اداء التعويض لفائدة المتضرر.

    * مجلة المحاكم المغربية عدد 88 ، ص 13.