أدخل كلمة للبحث

حرمة الجسم البشري وتهافت القانون الوضعي

حرمة الجسم البشري وتهافت القانون الوضعي

    بقلم الاستاذ احمد باكو

    اطلعت على حكمين يلتقيان معا، على اختلافهما، وتباعد مصدرها على حرمة الجسم البشري وحصانته، ويستندان الى ذلك في تعليل ما قضيا به فاتلف لي منهما، موضوع قانوني اجتماعي ، جدير بالمعالجة والبحث.

    الا ان طليعة الموضوع ومقتضيات احوالنا، لاسيما في هذه الايام فرضت الاقتصاد في تناول التحليل القانوني للحكمين، الاسهاب في الجوانب الاجتماعية للوقائع وان كانت فرعية، لان الغرض بالذات هو بيان تهافت القانون الوضعي في معالجته للأخلاق.

    وهذا هو السبب في ان الكلام انصرف في الاكثر الى الجوانب الاخلاقية للقضية، والى العرض بالذات وقيمته والمقارنة بين القانون الوضعي والشريعة الاسلامية في اعتباره وحمايته وفروع اخرى اقتضاها المقام.

    وأول الحكمين أجنبي، صدر عن القضاء الفرنسي ويتعلق باستئجار الارحام للاستيلاء والثاني وطني محلي، صدر عن القضاء المغربي، ومن محكمة الاستئناف بالبيضاء بالذات، ويتعلق بدعوى تعويض عن استغلال صورة شخص بدون إذنه.

    وبالنسبة للحكم الاول، فانه يجب الاشارة اولا الى اني لم اطلع على نسخته الرسمية، ولم اعلم به،الا عن طريق خبر نشرته احدى الصحف، جاء فيه ان القضاء الفرنسي، قرر منع المعاملة المتعلقة باستئجار الارحام للاستيلاء، وابطل التعاقد الوارد على ذلك. الا ان الجريدة، لم تغفل الاشارة الى التعليل، الذي استند اليه الحكم، ، فيما قضى به وهو حرمة الجسم البشري بذلك حصل ما يكفي، للحديث عنه بهذا التعليق(1) . بيانا للمقصود نذكر ان العلماء توصلوا أخيرا، الى ان وسيلة جديدة للإستيلاد باستتئجار، او استعارة رحم امراة ثانية لتحمل نطفة ملقحة من رجل وامرأة، نيابة عنهما، ولفائدتهما، ليكون المولود منسوبا اليهما بعد ان تضعه صاحبة الرحيم المستعار.

    وسرعان ما اصبح بعض الناس، في أوربا وامريكا يستعملون هذه الوسيلة ويستأجرون نساء لحمل الأجنة، على النحو المذكور، ونشأت من ذلك نزاعات متعددة عرضت على القضاء.

    واسلاميا فان معيار الحلال والحرام، الذي يضبط النسب بدقة شديدة لا يدع أي مجال للشك، في ان كل تلاعب بالنسب من هذا النوع، ممنوع وباطل، باعتبار انه ضرب من السفاح المضاد للزواج، لا يشفع له أي دافع، ولو كان يقصد حسن لان النسب حق للولد المتوقع، أي احد، لا يحق لوالديه ان يخرجاه الى الوجود الا بالزواج شرعي، تحمل فيه الزوجة جنينها، لينبت في رحمها الذي خرجت منه بذرته.

    وبالنسبة للقانون الوضعي فان المعضلة، مازالت محل اختلاف واضطراب في الاجتهاد من حيث جواز المعاملة في ذلك، ومن حيث نسب المولود، ومن الأحق من المرأتين بان تكون امه.

    ومما نشرته الصحف من ذلك، ان القضاء الفرنسي، نطق أخيرا برأيه في المشكلة فقرر بصراحة منع المعاملة، وبطلان العقود الواردة على استعمال رحم امرأة بديلة لتحمل نيابة عن غيرها، سواء كان ذلك باجرة تاخذها او بالتطوع والتبرع استنادا الى ان هذا يسيء الى حرمة الجسم البشري، وحصانة حالته، وهذا هو الحكم الذي نحن بصدده.

    واستناد القضاء الفرنسي الى حرمة الجسم البشري، على هذا النحو جدير بالانتباه والاعتبار، في عمرنا الحاضر، لان الاهتمام بحرمة الجسم البشري، من هذا الجانب المتعلق برحم المرأة بالذات، فيه اهتمام بالعرض واعتبار احترامه معيارا للمنع والاباحة، وهو اتجاه غير مألوف لان المعمول به في القوانين الوضعية اليوم، هو عدم اعتبار العرض وضرورة حمايته، معيار الضبط معاملات الناس بل ان احترام حرية الأفراد، وامضاء كل ما يتراضون عليه هو المعتبر، ولو كان فيه انتهاك صريح لأعراضهم ، كما هو مشاهد فيما تبيحه القوانين في الغرب، وما يجيزه القضاء من أنواع الفنون التي تعتبر بالمعيار الأخلاقي والديني، وهو الحق، دعارة صريحة

    ولتوضيح المقصود والمغزى، يجب الانتباه الى ان حرمة الجسم البشري في الجانب المتعلق برحم المرأة هي التي راعتها الأديان السماوية، والإسلام بالخصوص، حين قيد حرية

    ----------------

    (1) الدورية القانونية ع.3/4 أكتوبر نوفمبر 92 ص. 12.

    -----------------

    الأفراد، فيما يرجع للعرض والأسرة، وحرم الزنى وكل ما يؤدي اليه، ولم يعترف الا بالزواج، الذي حماه بزواجر جنائية تجعل الخيانة فيه، شبيهة بخيانة الوطن أي الخيانة العظمى، على عكس القوانين الوضعية التي أباحته بين العزاب أولا، ثم سرعان ما اخذت تبيحه حتى بين المتزوجين، كما هو مشاهد، من اتجاه السلطات التشريعية في الغرب، الى إلغاء جريمة الخيانة الزوجية، على اساس ان احترام الحرية الشخصية للأفراد، اولى بالاعتبار.

    ولمزيد التوضيح فان يجب الانتباه الى ان الزنى، ليس الا نوعا من استئجار الارحام، او استعارضها، وان استئجارها هنا اقبح واضر بالنسبة للذي منعه القضاء الفرنسي، لان هذا يكون بغاية النيابة في حمل الجنين، لفائدة صاحبي النطفة، لسبب لا يخلو من قصد حسن، لا سيما انه لا يؤدي الى حرمان المولود المتوقع، من الانتماء الىابوين، يرعيانه ماديا على الأقل.

    واما استئجار الأرحام للزنى، فلا يخفى انه كل شر، من البداية الى النهاية لان الدافع إليه، هو إرضاء النزوات الشخصية ويقترن بالجناية على الزواج، حين يقع من الزوجين، ثم الجناية على اللقطاء المتولدين منه، بإحيائهم ليعيشوا بدون ابوين يلتزمان برعايتهم، وهو احياء خير منه الإعدام، وقبل هذا وبعده هنا الامراض الكثيرة التي تنشا منه وتنتشر به، وعصرنا الحاضر، شاهد على تحقق هذه المفاسد كلها.

    وعلى الرغم من كل هذا، فان القوانين الوضعية في البلاد الغربية، مجمعة الان او تكاد على إباحة الزنى، حتى بمعناه الضيق الذي حصرته فيه الحضارة الغربية، وهو الذي يقع من الزوجين، ضدا من احدهما على الاخر.

    وزاد المنظرون لذلك في الأغراب والشذوذ، حين برروا هذه الإباحة، باحترام الحرية الشخصية للافراد، وهو عذر اقبح من الزلة، لان من المسلم به بداهة ان للحرية الشخصية حدودا أهمها وأعظمها تلك التي يلزم بها الفرد نفسه، برضاه واختياره، وهي العهود التي يعطيها والعقود التي يبرمها، ولهذا كان الوفاء بالعهود والعقود، من الأخلاق الفطرية الأزلية، التي نشا عليها الناس، ونظموا بها حياتهم، في جميع الأطوار، التي مرت بها الإنسانية وكانت المعيار الذي يقاس به مدى تحضر الامم ورقيها.

    ولا ينبغي ان يكون هناك جدال ونزاع، في ان عقد الزواج، هو أعضم العقود التي يبرمها الإنسان، واعظم العهود التي يعطيها وأولاها بالوفاء والإنجاز، فكيف يجئ فكر الحضارة الأوربية اليوم، ليبيح للناس نقضه، من غير جزاء زاجر؟ انه خرق صريح لقاعدة قانونية ازلية تعرفها الحضارة الاوربية حق المعرفة، وبها نظمت معاملاتها خير تنظيم، حتى اذا وصلت الى اكبر عقد يبرمه الإنسان نحته جانبا بعذر اقبح من الزلة.

    وهذا يطلعنا على مدى إخفاق الوضعية، في حماية العرض والأسرة، ومدى الخطأ القاتل الذي تردت فيه، حين جعلت الحرية الشخصية للأفراد، اولى بالاعتبار من اعراضهم، واباحت لهم التراضي على الفسق وخيانة اعظم عقد يبرمه الإنسان.

    * * *

    فما هي الاسباب والدوافع، التي أوصلت الأوروبيين، وقانونهم الوضعي، الى حالهم مع العرض اليوم؟ قد يبدو لاول وهلة ان الغربيين ولدوا كلهم فاقدين لحاسة العرض، جاهلين قيمته، وضرورة حفظه وصيانته، ولكن الحقيقة غير ذلك، لان الواقع ان الاهتمام بالعرض، من الأخلاق الفطرية التي يولد بها كل انسان سوى.

    ولذلك فانه ليس من المبالغة ان نقول، ان معرفة الغربيين للعرض والتخلي به، كامن في نفوسهم، ولكن واقعهم المريض حملهم على ان يكبتوا هذا الخلق، ولا ينكشف الا في بعض المناسبات، حيث نجده يعبر عن نفسه تلقائيا، على نحو ما نراه، في بعض دعاوي القذف، التي تمتلئ بها المحاكم هناك، وعلى نحو ما نراه، في مواسم الانتخابات، حيث نجد سوابق المرشحين الشائنة في الاخلاق، من اكبر ما يجرح الإنسان ويؤخره ويسقطه.‍‍!

    والدليل على الإنسان يولد متخلفا بالاحساس بالعرض موجود بوضوح، لدى اطفال الغربيين، الذين نجد لديهم غيرة معدودة عند الكبار، الذين لاشك انهم ولدوا بها، ثم فقدوها بالتدريج، في واقعهم وما فيه.

    وفي أخبار الجرائم كثيرا ما نجد اطفالا، يقتلون غيرة وانتقاما لشرف الأسرة، كأن يعمد طفل الى قتل خليلة والده او خليل والدته، وهي حوادث لا يخلو منها عالم الإجرام في الغرب، وكان المفروض ان يكون هذا الدافع، بعيدا عن نفسية الاطفال.

    وفي ادب الغربيين الروائي المسجل والمحلل لواقعهم ونفسياتهم، اثار تعتبر دلائل لا يستهان بها، على ما نقول، ففي رواية للكاتب النمساوي ستيفان زفايج، يقدم لنا نموذجا لذلك، من خلال عرضه لقصة امرأة تسافر صحبة طفلها في رحلة استجمام بعيدا عن الزوج، وتجيئها الفرصة للخيانة، بمناسبة تعرفها على شخص، تبادل معها الأعجب والاستلطاف، ولكن طفلها يحس في نفسه بشيء ما، جعله يكره الصديق، فظل يتربص بهما، ويفسد عليهما كل خلوة يدبرانها، لارتكاب الجريمة، الى ان أيأسهما من ذلك، فرجعت الزوجة الى بيتها وزوجها، دون ان ترتكب الخيانة، بعد ان همت بها، ودبرت لها وكان الفضل في ذلك لطفلها، او لغيرته الفطرية على الأصح.

    وما أظن الكاتب ابتكر هنا، واقعة غير موجودة، او تخيل شيئا بعيدا عن الحقيقة، لان ما رواه يصدقه الواقع.

    ولكن لماذا لم يظهر اثر هذا الخلق الكبير، في حياة الغربيين، وفي قوانينهم الوضعية، على الرغم من التقدم العلمي، والرقي الحضاري، والأنظمة المثالية، التي وصلوا إليها في تدبير الحياة، في مختلف مناهجها. ولماذا نبذوه واهملوه، حتى صاروا الى ما هم عليه الآن من تفكك وانحلال في الاسرة.

    السبب في ذلك، انهم لم يسلكوا السبل الضرورية لضبط الأخلاق وقمع الفواحش، المؤدية الى الإخلال بحرمة العرض، ولم يستعملوا الوسائل التي لابد منها لذلك.

    فاذا كانوا قد حرموا بعض الفواحش، وخصوصا الخيانة في عقد الزواج، ووضعوا لها عقوبات، وصلت بالتطور الى ان أصبحت رمزية تقريبا، فانهم لم يفطنوا الى ان جرائم العرض، لها طابع خاص، يوجب ان يقترن بتحريمها، تحريم كل ما يؤدي إليها، وبدون هذا يجد الناس أنفسهم يحرمون ما لا يستطيعون اجتنابه.

    وهذا ما وقع للغربيين مع قانونهم الوضعي، حيث وجدوا انفسهم، لا يستطيعون ان يطبقوا النصوص القانونية التي أرادوا بها، صيانة العرض، وحماية عقد الزواج بالذات، فعمدوا الى تعديل العقوبات، المتعلقة بالخيانة الزوجية بالتخفيف، وتقييد المتابعة فيها، بتلك الشروط المعروفة، الى ان انتهى بهم الأمر أخيرا، الى الغاء الجريمة كليا.

    وهذا يعني انهم عالجوا العرض بقتله، على النحو الذي يرتضيه بعضهم للمريض الميؤوس من شفائه.

    وقد كان من سوء التدبير هذا، أي عدم الاهتمام، بتحريم أنواع السلوك، المسيئة للعرض، والمؤدية الى انتهاكه، ان نشأت اعراف اجتماعية، وعادات في السلوك، لابد مع وجودها، من وقوع المحذور.

    من ذلك مثلا، عادة المراقصة في الحفلات التي يستحسنها عرفهم، ويرون فيها نوعا من السلوك المهذب، من غير ان ينتبهوا الى عواقبها الخطرة.

    وقد أراد بعضهم ان يمدح هذه العادة، ويبررها بكونها تؤدى وظيفة اجتماعية مهمة لان بها يتم الزواج، حيث ينشا من تلك الوقفة العاطفية تعرف وتوادد، يتحول الى زواج وليس هذا الا نوعا من السفسطة التي طالما سمعنا بعضها، لتبرير مناكر الحضارة الاوروبية، لان المراقصة اذا كانت تؤدى الى الزواج احيانا، فانها تؤدى في أحيان اكثر الى نقضه بالطلاق والخيانة، لانها لا تقع بين العزاب وحدهم، ولان بها ينجر الزوج او الزوجة الى استلطاف شخصي اخر، فيكون ما لابد منه.

    والحق الذي يؤيده الواقع، أنها من الابواب الكبيرة التي تدخل منها الخيانة الى بيت الزوجية، وهذا ما يعترف به الغربيين أنفسهم حين يقولون الحق، في بعض الاحيان.

    ونعود مرة اخرى الى الاستشهاد في هذا الموضوع بأدب الغربيين الروائي، وما يصوره من واقعهم المريض، بأمانة وعلم.

    اعتقد ان اعظم اثر أدبي، عالج موضوع الخيانة الزوجية في المجتمع الفرنسي، هو رواية " مدام بوفاري" للكاتب الفرنسي جوسفان فلوبير التي صور فيها ببراعة، كيف تسقط المرأة في هذه الرذيلة، والاسباب، البيئية والنفسية التي تستدرجها لذلك، من خلال سيرة البطلة التي انتهت الى ذلك المصير المؤلم الذي يعرفه من قرأ الرواية والشاهد فيها، هو الواقعة التي ساقها المؤلف، حين أراد ان يكشف لنا مدخل بطلته الى السقوط: انها لم تكن، سوى وقفة للرقص، في حفلة عامة، جمعتها مع ذلك الشخص الذي أغواها اوغوته، فانست فيه ما لم تجده في زوجها، او هكذا صور لها خيالها في تلك اللحظة، فسقطت معه، وكررت الفعل مع غيره، بعد ان زهد فيها، كما يقع عادة.

    هنا أيضا نقول، ان الكاتب لم يبتدع شيئا من خياله، بل عبر عن حقيقة يصدقها الواقع، لأنه ما كان ليخلص لفنه ويصدق فيه، لو اختار لنا مدخلا اخر، غير هذه المراقصة التي يمكن ان نقول ان البطلة وشريكها، كانا معا ضحية لها.

    * * *

    ومن الجوانب التي عسرت على الغربيين، الوفاء للعرض، انهم استبعدوا المعيار الأخلاقي في ضبط الفنون، فادخلوا فيها، كثيرا من الفجور والمجون حتى انحصرت وظيفتها اليوم، في قتل الحياء وقامت بذلك " شر قيام" وأتاح هذا للمنحرفين من الفنانين، ان يفسدوا الأذواق، ويمجنوا الحياة، ويفرغوا الضمائر، من الوازع الأخلاقي، كما يريدون، بأهوائهم المريضة من خلال الأفكار التي يتبنوها، عبر طريق التمثيل في المسرح والسينما، ففي كل جلسة فنية اليوم، لا يخرج الانسان، من خلال ما يراه بعينيه، ويستقر في ذهنه لا من أفكار، الا بما يزهده في بيت الزوجية.

    وعندما حصل اليأس، من الحفاظ على العرض، والالتزام بالأخلاق الفطرية، بسبب هذه البيئة، التي لا تساعد على ذلك، اخذ الغربيون، يخططون لان يعيشوا بدون عرض، وكان لابد من نظريات جديدة، تحل محل الضوابط الأخلاقية الأزلية، الحافظة للاسرة التي اصلها الدين، ورسخها في النفوس، مثل الحياء والغيرة والعفة. وهنا جاءت تلك المذاهب المادية، التي اعتبرت الدين نفسه خرافة، واعتبرت الزواج والأسرة مجرد عادات ناشئة عن أسباب اقتصادية وقتية،لابد ان تزول بزوالها.

    وفي ميدان الفنون والآداب، ولأجل تبرير مفاسدها طور الغربيون، مذهب " الفن لفن" الذي كان نظرية منبوذة، تدعو الى تجريد الأعمال الفنية، من الالتزامات الاخلاقية، ليصبح مذهبا اصليا قارا، فصارت الفنون والاداب، متخصصة في هدم الاخلاق، واقتلاع وازعها من النفوس، ومسخ الفطرة البشرية.

    كما انهم انحرفوا بمفهوم الحرية الى معنى واسع، غير منطقي، وذلك بإلغاء الحد الأخلاقي للحرية الذي يوجب العقل ان يتقيد به كل انسان.

    وهذا كله سهل على القانون الوضعي ان يتدخل لهدم أركان الأسرة، وقتل العرض رسميا، بتلك التشريعات الكثيرة الخطرة التي تجيزها البرلمانات الأوربية، من حين لحين، لإلغاء كثير من المسلمات الأخلاقية، الضرورية لحفظ الأسرة، على نحو ما تراه بالخصوص في الدول الاسكندنافية والانجلوساكوفية، حتى صار كل ممنوع مباحا، وطغى الحرام على الحلال، وصار بعض ما يجري في بيوت الدعارة، يجري مثله في بيت الأسرة من غير حرج !

    * * *

    ولأجل ان يتضح هذا الانحراف الخطر، الذي انجرف اليه القانون الوضعي، في علاج قضية العرض والأسرة، لابد من مقارنة مع الشريعة الاسلامية، في المنهج السليم، الذي سلكته، في هذا المجال، فتوصلت به الى ذلك الغايات السامية، التي سادت الى ان نحاها وطردها، القانون الوضعي، الذي جاء مع موجبات التغريب التي عمت بلادنا الإسلامية.

    تلتزم الشريعة الاسلامية، وتسلك في ميدان التحريم والتجريم، منهاجا جليل النفع، وهو أنها اذا حرمت شيئا، حرمت معه، كل ما يؤدي اليه، ومن هنا جاءت القاعدة المقررة في هذا الباب، وهي كل ما يؤدي الى الحرام فهو حرام.

    وقد اخذ الاسلام بهذه القاعدة، بنوع من التوسع في المحرمات المتعلقة بالعرض بالنظر لقيمته وأهميته لقيام الاسرة، وبالنظر لان الناس يضعفون كثيرا إزاء هذا النوع من المحرمات، حتى انه يمكن ان يقال ان الجاني والمجني عليه، يكونان معا ضحية فيها.

    وبالنسبة لكبرى هذه المحرمات وهي السفاح او الزنى، فان الإسلام لم يكتف بتحريم الفعل، بل حرم كل ما يؤدي إليه، من الوسائل والوسائط.

    وهكذا نجده يبدأ في ذلك بتحريم النظرة، أي استعمال حاسة البصر للتأمل الشهوائي، ونجد النص القرآني المتناول لهذا مصوغا بعبارة هي حقا من الكلام المعجز، في قوله تعالى { ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وساء سبيلا(2) ليكون النهي متعلقا بالاقتراب، قبل الفعل، ويكون الفعل منهيا عنه بالأولى والت أكيد، ويكون اجتناب الوسائط واقيا من اقتراف الفعل المقصود بالتحريم بالذات.

    وجاء الوحي الثاني أي السنة النبوية التي نطق بها الرسول، عليه ازكى السلام فزاد هذا المعنى بيانا، والبلاغة القرآنية جمالا، فقال صريحة( فيها أيضا بلاغة كثيرة لمطابقتها لمقتضى الحال) : ان العين تزنى.

    وما بين هذه النظرة والفعل، نجد كثيرا من المحرمات الاخرى التي تشتد تصاعديا، كلما كانت قريبة من الفعل، حتى لا يكاد الإنسان، يجد الوسيلة اليه، وقد يصور لنا خيالنا المتشبع بالحضارة الغربية، التي تبيح كل شيء ان الإسلام يلقى على الناس عنتا وإرهاقا شديدين بهذه المحرمات الكثيرة، ولكن الواقع يعكس ذلك، لان كل هذه المحرمات، ليست إلا اساليب علاجية، لتهذيب الطبيعة البشرية، ومساعدة الإنسان على ضبط غرائزه والا وسائل وقائية تساعد المسلم على ان يلتزم ، ويفي لتعاليم الاسلام، وفي هذا الجانب الخطير، حتى يتعود ذلك ويصير وازعا قويا في نفسه، يتحرر به من سلطان الشهوات.

    وقد يصور لنا ذوقنا العصري أيضا ان نتيجة هذه المحرمات الكثيرة، هي حرمان الرجال من النساء والعكس، وليس الامر كذلك هنا أيضا، لان كل ما هو محرم هناك مباح هنا، بشرط ان يأتيه الإنسان، من بابه المشروع وهو الزواج.

    والمقصود من هذه الضوابط كلها، هو صيانة الفطرة بتهذيب الطبائع والغرائز، لتصير خادمة للأخلاق، لا خارقة لها، والمقصود أيضا، هو تحويل الناس من الفوضى الى النظام، لحملهم على ان يلجوا باب الزواج، حتى لا يلتقي رجل وامرأة الا في بيت الزوجية، ولا يولد مولود، الا على فراشها.

    بالمقارن ة بين هذين المقدمات ونتائجها، نجد ان القانون الوضعي، ينشئ بيئة تستحيل فيها العفة او تكاد، لان كل ما فيها، يدعوا الى الحرام ويسهله، حتى صار الإنسان يقع فيه، من غير ان يطلبه، ويسعى اليه، ونجد الإسلام ينشئ بعكس ذلك، بيئة يستحيل فيها الانحراف او يكاد، حتى يضطر الإنسان الى الاستقامة ولو دعته نفسه الى العكس، ويكون لعقد الزواج، حرمته المطلوبة، وسيادته المطلقة من غير ان تزاحمه وتنافسه، مقاولات الدعارة حتى تطرده، كما هو واقع اليوم؟

    اذا عدنا الى الحكم بعد هذا، تأكد لنا مدى إخفاق الحضارة الغربية، وقانونها الوضعي، في معالجة قضية العرض نظريا وعمليا.

    -------------------

    (2) سورة الإسراء الاية 32.

    --------------------

    لا ريب انها مفارقة غريبة مضحكة، ان يراعي القضاء الفرنسي، حرمة الجسم البشري في هذا الجانب المتعلق باستئجار الأرحام للاستيلاد، ويبيح هذا الاستئجار في السفاح، الذي هو اخطر واقبح وأولى بالمنع .

    ولا ريب انه سيظهر من ينتبه لهذه المفارقة، فيتحدى بها المحاكم في النوازل اللاحقة. ولن نعجب اذا رأينا هذا الاجتهاد يزول مستقبلا، ليحل محله آخر، يبيح هذا الاستئجار، مسايرة للإباحة المطلقة، المطردة في هذه الأمور كلها.

    * * *

    واما الحكم الثاني، فانه صدر من محكمة الاستئناف بالبيضاء، في نازلة مخالفة ولكن يجمع بينها وبين سابقتها، ان المنطوق والحيثيات، في الحكمين معا، يستندان الى حرمة الجسم البشري وعدم جواز العبث به، باي وجه.

    تتلخص وقائع هذا الحكم في ان شخصا وجد وجهه مصورا في بطاقة بريدية، معروضة للبيع من انتاج شريكة تتجر في ذلك، فبادر الى رفع الدعوى، لطلب التعويض، على اساس انه لم يأذن المنتجة بهذا، وان استغلالها لصورته الشخصية تجاريا، يعطيه الحق في التعويض المادي (3).

    وعلى الرغم من ذلك ان المدعى اقام دعواه، على اساس مادي وجرت الدعوى على اساس انه يستحق نصيبه في الريع، الذي استفادته الشركة من استعمال صورته كما توحي بذلك وقائع الدعوى، وحيثيات الحكم، فان التعليل في القضيتين معا، ينتهي في الاخير الى حرمة الجسم البشري، وعدم جواز العبث به على أي وجه.

    وقد وجدت في هذا الحكم كسابقة مناسبة للتطرق الى بحوث فرعية، ان كانت ادخل في الجانب الاجتماعي، فإنها مما لا يحسن السكوت عنه ذكرتني وقائع هذا الحكم بعبث اخر طالما ارتكبها مصور التلفزة عندنا، حتى أدمنوا عليه، حيث نجدهم في الحفلات الغنائية المنقولة، يحرصون على اصطياد الوجوه ( النسوية طبعا)، بانتقاء ظاهر مقصود، ليؤلفوا منها مناظر، ينقلونها الى الشاشة، في إخراج يرمي الى توضيح ما يردده المغني من غزل ومن الواضح ان هذا يعتبر ايضا اعتداء على حرمة الآنيان، ماديا ومعنويا، لانه ليس من المقبول، ان تفاجأ امرأة، بمناسبة حضورها حفلة غنائية، بوجهها مستعملا لهذا الغرض الذي لا يمكن ان يكون بريئا والذي فيه على كل حال، استغلال مادي، من النوع الذي استند اليه المدعى في نازلتنا لطلب التعويض؟

    ----------------

    (3) مجلة المحاكم المغربية ع. 64/65 ص.117.

    ----------------

    وهناك جانب اخر من هذا العبث، يتجلى فيه الطيش والتعسف اكثر من سابقه، نراه كلما جرى استجواب مع شخصية نسوية في بعض البرامج الأدبية او الفنية ـ فنجد صاحب الكاميرا او المخرج يجتهد في التلاعب بالتصوير، حتى يستخرج من الجلسة، مناظر لا تخلو من وقاحة أحيانا.

    ذات مرة في برنامج أدبي جيئ بأدبية محترمة لحوار ثقافي فاذا بالسيد المصور يجتهد

    في التقريب، بينها وبين محاورها حتى وصل من ذلك الى منظر من النوع الذي يتفنن مخرجو السينما في "ابداعه" حين يجمعون بين بطل الفلم وبطلته.

    أتذكر بالمناسبة اقتراحا مهما لأحد القراء لاحظ في رسالة له لإحدى الجرائد ان بعض المطربين، في الحفلات العامة المتلفزة، لا يصعدون الى خشبة المسرح، الا بعد ان يفقدوا وعيهم، ليؤدوا أغانيهم في هيئات وحركات، لا تخلو من بداءة.

    واقترح علاجا لذلك، ان يحرص المسؤولون على الا يصعد أيحد للغناء الا بعد الفحص، على نحو ما يقع مع الرياضيين، بعد انتهاء المسابقات.

    تذكرت هذا الاقتراح الناجع، لأني أرى انه يجب تمديده الى السادة المصورين والمخرجين، فلا يؤذن لأي منهم بمباشرة عمله، الا بعد التأكد من سلامته تلافيا لما وقع وتكرر.

    فليس من المقبول ان تكتشف هذه الأدبية او غيرها، ان السيد المخرج ظل يتفنن، حتى حول جلستها الى منظر يكاد يشبه بعض لقطات السينما الخليعة دون ان تأخذ على ذلك تعويضا ماديا على الأقل على اساس ان التمثيل يكون بثمن، ولا يكون بالمجان، وليس من المقبول ان تعود البنت او الزوجة الى البيت، من حفلة حضرتها لتجد من يخبرها بان وجهها كان بجوار المطرب وهو يغني رغم أنها كانت بين الجمهور بعيدة عنه بفواصل متعددة.

    * * *

    على كل فان من الواجب ان نشير الى ان الجرأة على جسد المرأة على هذا النحو واسوأ منه، شاع في كل مكان، وفي هذا العمر، حتى اصبح " تقليدا عالميا".

    حدث في مبارة نسوية لكرة القدم بإحدى الدول الأوربية، ان قفزت لاعبة لضرب الكرة، فإذا ببعض ملابسها السفلية، يسقط عنها، فظهرت على ما يكره الإنسان ان يظهر عليه فإذا بكاميرات المصورين، تتزاحم وتتراكم عليها، متسابقة لالتقاط المنظر، قبل ان يزول ويفوت.

    لقد دارت هذه الصورة، على الكرة الارضية، كما تدور الأقمار الصناعية الان، وتزاحمت الصحف على نشرها، كما تزاحم عليها المصورون من قبل، حتى ان مجلة أدبية لم تتورع عن نشرها، " لإتحاف" قرائها بها، على الرغم من ان المنظر، يتعلق بسقطة وزلة قدم، لا بعرض راقص في بار، وكانت صاحبة الصورة، في وضع الضحية المحتاجة الى الإسعاف، ومن الإسعاف ان نبادر الى سترها لا الى فضحها.

    وفي الألعاب الرياضية ومناسباتها، يجد المصورون فرصتهم المفضلة، لإشباع عبثهم بأجساد النساء والارتزاق من ذلك بالتفنن في اصطياد الصور المفرطة في الخلاعة، الغالية الثمن المروجة لصحفهم اكثر. وهذا واضح فيما يقع، في مهرجانات العاب القوى، حيث يتهافت المصورون، على أجساد الرياضيات، كما تتهافت الغربان على الحيف، لالتقاط اقبح الحركات. ولا يختارون للنشر منها، الا ما كان ابعد عن الرياضة، وادخل في الخلاعة ولم يحدث ان رأينا صحيفة رياضية، تتوزع عن نشر هذه المناظر المناكر، التي يجتهد المصورون، في التقاطها وانتقائها.

    الا ان هذا كله، على شدة قباحته، يبدو هينا، إذا قارناه، بما يفعله مخرجو السينما الذين يصنعون بأجساد النساء، نفس ما يصنعه تجار الدعارة، من غير فرق وزادنا الفكر المعاصر، فقدم لإباحة هذا والرضى به، عذرا هو اقبح من الزلة حين برره بحرية الفنان، في التعبير وتصوير الواقع وان كل هذا يجب ان يحترم ويستحسن، لانه من " الفنون الجميلة".

    فإذا قرانا ما يردده المثقفون اليوم، فيما يكتبونه في عصرنا، عن المخرجين المشهورين بالجرأة على أجساد الممثلات، فاننا نجدهم يضفون عليهم ما يشبه الحصانة والعصمة، في كل ما يبدعونه من مناكر، في هذا الموضوع.

    والا فأقرأ ما يكتبه النقاد اليوم، عن المخرجين المشهورين بالخلاعة، مثل السويدي برجمان والايطالي بازوليني والمصري يوسف شاهين وغيرهم، واقرا مثالا لذلك ما استقبل به بالنقاد، احد المخرجين المغاربيين، الذي فكر، ليبدع إنتاجا يرفع الكساد عن السينما المحلية، فلم يجد الا ان يدخل الكاميرا، الى حمام النساء في بلاده، ويضع ذلك الشريط الذي تزاحم عليه الجمهور، وتسابقت عليه المهرجانات في اوروبا، تمنحه الجوائز بسخاء لانه " أتحف" الناس هناك في الغرب، بنماذج من الخلاعة، مستوردة من الشرق، استخرجها لهم، من الحمامات الشعبية.

    لقد نال هذا " المبدع" بعمله هذا، اعظم التزكية، واعظم الثناء داخل بلاده وخارجها بالخصوص، مكافأة له على انه لم يستحي، فصنع ما شاء له هواه، ونقل لجماهير العالم، أسرار حمامات النساء.

    لقد بلغ من تعسف المخرج وجرأته ان استفز بإنتاجه، نساء وطنه، فعقد معه الاتحاد النسوي لبلاده ندوة لاتهامه صراحة بابتزازه البذيء " لجسد المرأة" من خلال تصويره غالبية مشاهد الفيلم، في حمامات النساء، وعلى الرغم من ان المخرج، لم يستطع ان يقدم جوابا يبرر ما صنعه، فان اللواتي حاكمنه، لم يستطعن أن يدنه بشيء فخرج فائزا ببراءة ضمنية، تجيز له ما فعل، رغم ثبوت إدانته!

    ويبدو ان الإقبال الكبير، الذي حظي به الشريط، من الجمهور في بلاده، وخارجها، على الرغم من انه محلي، وكذا الجوائز التي نالها في المهرجانات العالمية، أفحم الاتحاد النسوي في بلاده، بكل ماله من سلطة ونفوذ، فلم يستطع ان يدينه، ولو بالتوبيخ والاستنكار، لانه مما لا يستساغ ان يستنكر النساء عملا فنيا حظي بالإقبال في أوربا، لان هذا سيجر عليهن، تهمة الرجعية والتخلف، وهي تهمة يجب اجتنابها ولو بقبول الابتزاز البذيء من المخرج لجسد المرأة وهي الصيغة التي عبرن بها، عما فعله في شريطه، بمواطنات بلاده!

    * * *

    ويجوز أيضا ان نذكر، ضمن العوامل والأسباب التي تجرئ هؤلاء السفهاء على حرمة النساء ما يصنعه لهن تجار الملابس من أزياء الموضة.

    فاذا كان من المسلم ان الإنسان لا يمكن ان يحترمه الغير، الا اذا احترم نفسه، فان قبول النساء لما يصنعه تجار الأزياء وتلقيهن لذلك بالرضى والترحيب، لابد ان يكون من نتائجه الا يجد المصورون ومخرجو السينما، أي مانع أدبي او قانوني، يعصم النساء من عبثهم، وان يوغلوا في ذلك، الى ابعد حد.

    هنا نصطدم بحقيقة لا مهرب منها ولا مفر، وهي ان رضى المرأة، اكبر دافع وحافز ومشجع لهؤلاء، على ان يفعلوا بها، كل ما يزينه لهم هواهم، وان يبالغوا في ذلك حتى يصلوا فيه الى حد أخال الكاميرا الى الحمام رغبة في انتاج شريط، يرفع الكساد الذي تعاني منه السينما المحلية، ان مطاوعة المرأة في هذا كله، هو سبب الاسباب، ومصدر المصادر.

    فمن يستطيع ان يجادل في ان بإمكان النساء اليوم، وقد اصبح لهن تكتلات وتجمعات ومنظمات، تقرر وتوصي وتحتج، وتأمر وتطاع، في كثير من الاحيان، ان يتدخلن، لمنع هذا العبث، وردع القائمين به، او حصره في حدود معينة، على الاقل، فحتى اذا سلمنا، وجارينا انحراف الحضارة الغربية، فيما تراه، من ان التعبير عن الجمال في المرأة لا يكون الا بعرضها مسلوخة كالذبيحة، فان الذوق والنظام، يقتضيان ان يبقى ذلك محجوبا، في المتاحف والمعارض، ويأبيان ان يرى الناس، في جلساتهم العائلية، أسرار علب الليل، ولقطات السينما الخليعة، بمناسبة نقل مهرجان للألعاب الرياضية،او مناسبة الدعاية لمشروب او صابون !

    وعلى الرغم من أننا ملزمون بتراث هائل من الأخلاق العائلية، كالحياء والعفة والغيرة، وغيرها من الفضائل الفطرية الدينية التقليدية، فان نشاطنا النسوي، راض كل الرضى، عن هذه المناكر والتعسفات، التي تقع صباح مساء على حرمة المرأة، في جسمها ومعنوياتها، من غير ان نسمع احتجاجا او استنكارا، يحد من هذا او يمنع انتشاره على الأقل.

    وكما هو واضح، فان مجرد كون ذوق الحضارة الغربية، يرضى للنساء بهذا الاستغلال ويصنفه ضمن الفنون الجميلة، كان كافيا، لان يتلقى نساؤنا، كل ما نراه اليوم، بالقول والرضى، ان لم نقل بالاعتزاز، على اساس انه دليل على التحضر، والالتحاق بركب الحضارة الغربية في أوروبا.

    ولقد هالني ان قرأت تقريظا للشريط المغاربي الذي أشرنا اليه، بقلم نسوي، يثنى خيرا على المخرج، لانه في نظر الكاتبة، وبعبارتها: استطاع بشاعرية كبيرة،ان يصور اشياء يعرفها بخصوصيتها وضحيتها. لقد جاء الفيلم معبرا عن اتجاه فني معين، وهو السينما الواقعية التي كثيرا ما بشر لها المخرج... ورغم الانتقادات التي وجهت للفلم، من جهة مبالغته، في عرض أجساد النساء في الحمام، كأحد المواضع المحرمة، في السينما العربية، فقد لقي إقبالا جماهيريا في جميع الدول التي عرض بها، اذ انه حقق نجاح تجاري، في تاريخ السينما التونسية، ووصل عدد الذين شاهدوا الشريط في باريس الى 150 ألف مشاهد …الخ (1).

    هذا ما تقوله كاتبة عن شريط سينمائي يدخل الحمام، ليكشف النساء للجمهور، ويتاجر بذلك، لتحقيق اكبر دخل للسينما في بلاده، وفي كلامه نرى ذلك السبب الذي قلنا انه منع النساء في بلاد المخرج، من ادانته، مصرحا به، حين تحتج لتقريظها للشريط، بانه حقق اكبر نجاح جماهيري، محليا وفي فرنسا بالذات، فحيث لقي نجاحا في باريس، فقد تطهر من كل عيب، ومن كل محرم شرعا او عقلا !!!

    فهناك في الغرب، يقرر ما هو حلال وما هو حرام، بصرف النظر عن أي مرجع، او أي معيار اخر، وأولئك هم الذين يصوغون ويطبخون لنا أفكارنا ويحوكونها، على النحو الذي يحكون لنا الأزياء التي نلبس، ويطولون فيها ويقصرون، وعلينا ان نلبس ماحاكوا، وان نتجرع ما طبخوا ثم علينا ان نقول ما أحلاه، وهو يقطع امعاءنا؟ فهل سجل التاريخ، تخلفا عقليا كهذا؟ ! ألا ترى ان الاستلاب والتغريب، أصاب البعض منا، بأمراض يصعب تشخيصها ثم متى كان الإقبال الجماهيري، دليلا على الجودة والصلاح، اذا صح هذا اذن، صح ان نحكم بصلاح وجودة الفنون الخليعة، في علب الليل، والمسرح التجاري، وسينما البورنو، ونمجد اصحابها، لان هذه الفنون، تحظى بذلك الرواج المفرط الذي يدل على أصحابها الملايين، بل يجب بناء على المعيار، ان نحكم بصلاح المخدرات، ونمجد أصحابها وتجارها، فلا يكون هناك سبب، لان نحاصرهم بتلك العقوبات الشديدة، التي تصل أحيانا الى الاعدام !

    --------------------

    (4) صحيفة 8 مارس ع. 57. مارس 92 - ص : 14.

    -------------------

    ولدينا في المغرب مثال يستدعيه المقام، لا يمكن ان نعطي هذا الموضوع حقه، دون التطرق اليه، انه عريضة " المليون توقيع" التي جاءت لتفرغ المسدس كله، في قلب الاب والزوج، وسلطتهما في الاسرة، وتركت السفهاء، يمارسون على المراة، كل ما تسوله لهم أهواؤهم المريضة، وأغراضهم التجارية، وكأن النخبة التي صنعت العريضة، وقرعت بها أبواب السلطات الرسمية، تجهل ان ما تعانيه النساء خارج الاسرة ابتداء من الشارع، الى الادارة والمعمل، لا يقارن ابدا، بما يمكن ان تعاينه، من السلطات العائلية، مهما تكن الاخطاء التي يمكن ان تأتى منها.

    لعل الكثيرين يجهلون ان سلطة المشغلين في عقود العمل العامة والخاصة، أقوى من سلطة الاب او الزوج في عقد الزواج، بوجه تزري به المقارنة، كما لا يمكن ان يقال السيف أمضى من العصا!

    والا فأين علاقة التبعية التي تطبع عقد العمل وتميزه من علاقة المودة والرحمة التي تطبع العلاقات داخل الأسرة، وأين سلطة الاب المفعمة شفقة، وسلطة الزوج المفعمة مودة ورحمة، من سلطة رب العمل، المفعمة جبروتا وقسوة، وأين موقف الزوجة امام زوجها، تطالبه ببعض حقوقها، في عزة ودلال، من موقفها، امام رئيسها في العمل، تطالبه ببعض حقوقها القانونية، في ذلة وصغار، ما يجره عليها ذلك، من أطماع خبيثة، لا يمكن ان يسلم منها بشر، في مثل هذه الأحوال !؟

    وأين حال المرأة وهي سيدة آمرة في بيتها من حالها في مكان العمل، وهي خادمة مأمورة تطيع ولا تطاع، مهما تكن مركزها، وبطبيعة الحال، ومن غير حاجة لان نفصح عن نتيجة تنبئ عنها مقدماتها، فانه لا عاصم للمرأة من شطط رئيسها في العمل، وفي هي ملزمة بالإذعان ، بقوة القانون، حين يريد منها مالا يجوز ان يطلبه وما لا يجوز ان تعطيه، ولذلك فان جميع الفروض السيئة هنا واردة راجحة!

    وبجانب علاقة التبعية وكل ما فيها، فان هناك عرافا خفية، تذعن لها المرأة في عقود العمل، وتعتبر شروطا عرفية، مدخولا عليها، من ذلك ان العرف جار على ان المرأة عاملة او موظفة، ملزمة بمؤهلات اخرى، شكلية بدنية، في كثير من عقود العمل، حيث نجدها هنا ملزمة بان تتجمل لمشغلها وزبنائها اكثر مما تفعل لشريك حياتها.

    وفي بعض المهن التجارية يعتبر هذا مؤهلا جوهريا من الضروري ان تحرص عليه المرأة، إذا أرادت ان تضمن قبولها في العمل، وان تستمر فيه. وهذا يطلعنا على ان المراة، مطالبة هنا " بالكفاءة الجسدية" اكثر من الكفاءة العقلية.

    وهناك مهن تشترط على المرأة، درجة عالية من الحسن الجسدي، فلا تحظى فيها بالقبول الا بعد ان توزن وتقاس طولا وعرضا ومحيطا، وهي شروط تنزل بها الى ما دون مستوى الآنيان، ولو انها محبوبة عند الكثيرات.

    وهناك نجد المشغلين يلزمون المرأة، بشروط جمالية،لا يشترطها الأزواج في شريكات حياتهم، على الرغم من ان هذا النوع من الشروط، لا موضوع له في عقود العمل التي يجب ان تقوم على الكفاءة المهنية وحدها

    وفي عقود العمل الواردة على الفنون الجميلة، نجد معايير القبول، شبيهة بتلك التي يستعملها الجزارون، لاختيار ذبائحهم، وإلا فهل رأيت نجمة في سماء الفن، خالية من هذه المؤهلات الجسدية المغرية؟!

    من تفسير الواضح اذن ان نقول، ان البلاء والعناء هو ما تعانيه المرأة خارج الأسرة في عقود العمل، بجميع انواعها، لاسيما تلك التي لا تخفى، انها تستأجر منها مزاياها الجسدية، لا مزاياها العقلية، وخبرتها العلمية، فتضع لقبولها شروطا، تعود بها الى عهود النخاسة والاسترقاق.

    ومن الواضح آيضا، ان هذا هو ما كان يجب ان يغضب ويلفت النظر، قبل اي شيء اخر، لحمل السلطة التشريعية على ان تتدخل لوضع ضوابط في عقود العمل خاصة بالنساء، تحميهن من الإذعان، لتلك الشروط المهينة، وترفع عنهن ذلك الغبن الخطير، الذي يصيبهن في معنوياتهن بالخصوص.

    واذا كان الغربيون الذين صنعوا قانون العمل، في شكله الحاضر، ونقلناه عنهم، قد أغنوه بما يكفي من تلك الضوابط الخاصة بحماية العامل، من الإذعان والاستغلال الاقتصادي، فانه لم يكن يجوز ان ننتظر منهم ان يضعوا ضوابط خاصة بالمراة، لحمايتها مما ذكر لنقتبسها منهم، لان القوم هناك، كما ذكرنا عالجوا مشكلة العرض وهمومه وغمومه، بقتله ودفنه، حتى أجاز قانونهم واعرافهم، نوعا من عقود العمل المتعلقة بالفنون، هي الدعارة بعينها.

    ام ان هناك من سيرد علينا، في كل هذا، بالتكذيب التام، حسب طريقة البلاغات الرسمية، على اساس ان المرأة واعية حافظة لنفسها، وان الرجال أيضا واعون، وان الكل يتصرف تصرف الملائكة الذين لا يعصون الله؟ !

    اذا كان الغربيون، بكل حضارتهم وثقافتهم، وذوقهم الرفيع، وتأدبهم اللطيف مع نسائهم، يعانون مما سموه" بالتحرش الجنسي" حتى في الأسلاك العليا اللوظيفة، وبين علية الموظفين، فماذا نقول نحن، عن إدارتنا العامة والخاصة وحالها كما نعرف؟ !

    أظن اننا يجب ان نخرج من هذا، باقتناع يقيني بان هناك عقود عمل، لا يجوز ان يكون لها وجود في مجتمعنا، وفي مقدمتها عقود الإشهار التي تستأجر مفاتن المرأة لجذب الانتباه الى البضائع، وكذا بالأولى عقود الفنون الجميلة التي تفعل نفس الشيء على نحو مكبر، كما وكيفا، ونظرا لان العرض هنا يسبق الطلب، في كثير من الأحيان، فان الانضباط المطلوب، يجب ان ياتي من المرأة، قبل غيرها، بان تمتنع من عرض كل خدمة من هذا النوع، مهما كان الطلب، ومهما كان الثمن!

    ولكن هل يقبل منا البعض، ان نقترح مثل هذا؟ ما أظن الا ان هناك، من سيستخف كل هذا الكلام باسم التمدن والتحضر، لان معيار الحضارة كما صنعه الأوروبيين بعد ان قتلوا العرض، يقتضي ان يكون لكل دولة متحضرة، " ثروة قومية" من المفاتن النسوية، تأخذ منها ما يجب، لتجهيز النوادي الليلية الضرورية لازدهار السياحة، وكذا ما يجب لازدهار الفنون الجميلة، من الراقصات والممثلات، وما يجب لاقامة مسابقات الجمال، في المواسم المختلفة الخ..

    ولا باس بكل ما في هذا، من استرقاق للمراة، واستغلال بشع لعرضها لان الحضارة الأوربية استطاعت " تبييض" كل هذه المناكر، بفلسفات مادية تحلل كل حرام في هذا الباب، وتقنع بان المال أهم من العرض واغلى. وعلينا نحن، وقد اتخذناها قدوة ان نقلد ونطيع، مهما كان الثمن الذي يجره علينا هذا، والخسائر التي نتحملها في ديننا ودنيانا !!!

    هنا يتأكد لنا ان كل نراه ونسمعه، من أفعال واقوال في هذا الموضوع لا يسعى الى صيانة حرمة المرأة وكرامتها، بقدر ما يسعى الى اركابها في قطار الحضارة الاوربية، سواء سار بها الى الأمام، او رجع بها القهقرى الى عهود النخاسة والاسترقاق او اقبح.

    وهنا يجب ان يسمح لنا من يعتبر نفسه معنيا بهذا الكلام، لنصارحه بانه اذا كان المقصود، من تحرير الفتاة، من سلطة الأب، هو تمكينها من الدخول في هذه المعاملات العصرية، وإبرام مثل هذه العقود، فان هذا سفه، يوجب التحجير لا التحرير!

    * * *

    وليس هذا فقط، فحتى اذا تجاهلنا هذا الباب المستور، فان أمامنا جانبا آخر اخطر يتجلى فيه ما لاحظناه، بوجه مفضوح، لا عذر فيه لمتجاهل او ساكت.

    المقصود هو هذا الانحلال البشع، الذي أضرم في الاخلاق نارا، لم تحاول منظماتنا النسوية اطفاءها، ولو بنفخة لطيفة كتلك التي تطفئ بها الشموع، على الرغم من ان المرأة هي ضحيتها الاولى!

    وكان المصيبة هنا ليست مصيبة، والا فهل رأيت ما تعانيه اخلاق الأسرة، من ازمات قاتلة، يكون ذات يوم، موضوعا للبحث والمناقشة، في مؤتمر او ندوة نسوية ؟ّ!

    ويلفت النظر من ذلك، هذه الحرية الواسعة التي يحظى بها تجر الدعارة، في كل مكان، بل هذه الحماية التي تعتبرها بعض أوكار الفجور السرية والعلنية، لا سيما المتسترة وراء مرافق السياحة !

    هل نحتاج لان ننبه، الى ان المرأة أصبحت تستعمل طعما، لاصطياد العملة الصعبة من أجلاف السياح، وان الذين يديرون المقاولات المروجة لذلك، يحظون بحماية تشبه الحصانة؟

    وهل تحتاج لان ننبه الى هذه الأرقام القياسية وفضائحها التي تتفجر من حين لحين، كالقنابل التي تصم الآذان؟!

    فكيف يسوغ السكوت عن كل هذا، والانتباه الى بعض الأخطاء التي يمكن ان تصيب البنت، من سلطة الوالد، او الوالي بوجه عام والحال ان أيدي الفجار، تبطش بالنساء في كل مكان، من غير حد ولا ضابط، وبحرية مطلقة تلفت النظر؟ !

    هنا استطيع ان ادعي والواقع دليلي، ان اللواتي يتعرضن للإكراه على الفسق بجميع أنواعه، اكثر من اللواتي، قد يتعرض للاكراه من الوالد على الزواج، مع ملاحظة انه لا يفعل هذا، الا اضطرارا وغيرة، حين يرى ما لا يمكن دفعه، الا بإجراء من هذا النوع !

    ومثال الاب الذي يكره بنته، على ن تتزوج رجلا، غير مكافئ لها في العمر، طمعا في ماله، لا وجود له بالكثرة التي تشخصها السينما والمسرح، هناك حقا، في بعض البوادي، أعراف تتساهل في معيار السن فتزوج الصغيرة للكبير، من غير حرج، ولكن هذا غير منعدم في البيئات المتحضرة الراقية نفسها، حين يكون الزوج، ذا مركز في المجتمع، من حيث المال او الجاه او الشهرة او غير ذلك، على ما ترويه الأخبار من حين لحين.

    وقد ساقت الى المصادفة، وأنا اكتب هذا، خبرا في مجلة، يتحدث عن مراهقة من الطبقة الراقية، تعلقت بفنان في عمر والدها، وذي زوجة وأولاد وهددت بالانتحار اذا استمر الأب في معارضة زواجها منه. وهنا نلاحظ كيف ان البنت، هي التي تسعى لإكراه والدها، على ان تقترن بشخص يكبرها، وذي زوجة وأولاد.

    وليس من أفعال الرشداء ان نصرح ونعول بالاحتجاج، حين تقع هذه المفارقة في بعض عقود الزواج ونتعامى عنها ونسكت، وهي تتكرر يوميا في مقاولات الدعارة، حيث يسوق تجارها، سوق الأغنام، فلذات الأكباد من صبايا أواخر القرن الحال الى شيوخ من مواليد القرن الماضي، لا مزية لهم الا جيوبهم المتضخمة كبطونهم !

    ام ان هناك من يريد منا ان نحمق، كما حمق الغربيون، فنعالج مشكلة العرض وهمومه وغموضه بقتله ودفنه، على النحو الذي فعلوه واستراحوا وحينئذ فلا مانع، من أضعاف السلطة الأبوية وإزاحتها، بل يجب القضاء عليها نهائيا، لثبوت انها اكبر عائق لنشوء فنون الحضارة الأوروبية وازدهارها، لان كل اب مهما كان، لا يرضى حين يرجع الى فطرته السليمة، ان يرى بنتا له بين ايدى أساتذة الرقص، او مخرجي السينما، يشتقون من جسدها من فنوف المجون ما يملأ خزائنهم ويملأ المجتمع فسادا وانحلالا.!

    وقد ساقت الى المصادفة، مرة اخرى، خبرا في مجلة، يروي ان أحد كبار نجوم الغناء في أوربا، دخل في صراع مع ابنته، حين بادر الى تانيبها، على ظهورها في أوضاع غير لائقة، ببعض المجلات، كما حاول منعها، من ان تصبح عارضة للأزياء الخ

    ولم يفت الخبر ان يشير الى ان البنت تحدت الوالد بأنها تجاوزت سن الرشد ولم يبق له الحق في التدخل في حياتها، بعد ان خرجت من ولايته. وهو جواب قانوني لا يسع الوالد حسب مقتضيات التشريعات الوضعية الا ان يذعى له ويسكت!

    ولا ريب ان ابا من أهل الفن، أدرى الناس، بما لابد ان يجري على بنته، حين تدخل دنيا الفن ولا ريب ان هذا الوالد سيجر على نفسه تأنيبا قاسيا من نقاد الفن وتجاره الذين لا يعادون شيئا كما يغادرون السلطة الأبوية، وتدخلاتها التي بها، يمكن ان يجد الإنسان شريكة للحياة، جديرة بان تكون اما لأولاده، وإلا دخلت فورا تحت طاعة سفيه، يحولها الى "مشروع سياحي"، يلهو به الناس، في احدى علب الليل او غيرها، بترخيص من السلطة، وعقد عمل، يخولانه ذلك " بقوة القانون"، وهذا على احسن الفروض!

    * * *

    لم نخرج عن الموضوع، وان بدا ذلك، لأننا اذا رجعنا الى قراءة الحكم الذي نحن بصدده، بعد كل ما تفرع اليه الكلام، من اجتماعيات وفنيات، ازددنا يقينا، بتهافت القانون الوضعي، وتناقضه وتخلفه، في معالجة قضية العرض، وحرمة الجسم البشري، وتفاهة الضوابط التي وضعها لذلك اذ مما يدخل في الموضوع ان نجري مقارنة بين منطوق الحكم ووقائعه، وبين " المحاكمة الأدبية او الحبية" التي تعرض لها صاحب الشريط المشار إليه، من الاتحاد النسائي لبلاده، والبراءة الضمنية التي خرج بها، على الرغم من بشاعة " التهمة" وعلى الرغم من ان المخرج، لم يستطع ان يقدم مبررا مقنعا لما فعل.

    وهذه المقارنة، ليست نشازا، على الرغم من الفروق الواضحة بين الحالين، لان هناك مناسبة جامعة، هي ان القانون الوضعي، وتعاليم الحضارة الاوربية، هي التي تحكم هنا وهناك.

    اذ ان من المفارقات المضحكة المبكية، ان نرى في الحكم، شخصا يبادر الى رفع دعوى، لطلب التعويض، عن سرقة وجهه واستغلاله، من شركة تتاجر بالصور ويحصل من المحكمة على " إدانة مدنية" بالحكم له بالتعويض، بينما نرى أحد تجار السينما، يقوم بسرقة عورات النساء ليتاجر بها، ويحقق اكبر ربح، في تاريخ السينما المحلية، ويسكت الجميع عن هذا الاعتداء الخطر، الذي يضرب المجتمع في الصميم، ويسئ الى حرمة النساء إساءات موجعة قاتلة، لاحد لأثارها، ويعجز الاتحاد النسائي المختص، عن إدانته، ولو بالتوبيخ القولي، تم يصبح هذا الفاعل بما فعل، عبقري بلاده وفنانها المبدع، وان يكون بين مادحيه أقلام نسوية.

    ويستدعي المقام، ان يتساءل الانسان، عن الطريقة التي توصل بها المخرج، الى إدخال الكاميرا الى الحمام، ليصنع ما صنع، فهل استأذن النساء ليدخل عليهن ويصورن بحالتهن، فقبلن ذلك، وطاوعته على ما يريد، على اساس ان يقوم بعمل فني، ومشروع تجاري، يجلب المال والشهرة الفنية للبلاد.

    هذا احتمال بعيد لان النساء التقليديات الشعبيات يستحيل ان يقبلن هذه الدنية،لأنهن بأميتهن، مازلن لحسن الحظ، بعيدات عن مفاهيم الحضارة الاوربية، التي تجعل مثل هذا المنكر، فضيلة محمودة.

    لم يبقى إذن الا ان نرجح، ان يكون المخرج، قد فعل ما يجب، واتى البيت من بابه، فاستأذن السلطة واصحاب الحمام، وهيأ طاقما نسويا من الممثلات المنتخبات، وتلا عليهن أدوارهن لتمثيل حال النساء في الحمام، وتشخيص ذلك الواقع، الذي لا يجوز ان يرى ويعاين…

    هنا ستقول الحضارة وقانونها الوضعي، انه لا اعتداء على حرمة أحد يبرر الاعتراف والاحتجاج، لان هناك إذنا واتفاقا قبليا، وهنا نقول ان المصيبة اعظم واخطر، لان هذا يعني ان هناك نساء متعلمات متحضرات، قبلن ان يتعاقدن مع المخرج، لاستغلال أجسادهن، لانتاج تلك المناظر الوقحة التي لم يتردد الاتحاد النسوي في بلاده في وصفها " بالابتزاز البذيء لجسم المرأة" وان كان قد قبل هذا الابتزاز وأجازه، بعد ان جلب المال وجوائز التفوق.

    * * *

    بل ان الموضوع ليأبى الا ان يعود بنا، ونحن نختمه، الى ما بدأنا به، وهو تهافت القانون الوضعي، وإخفاقه في حماية العرض، وتفوق الشريعة الاسلامية واحسانها فيما وضعته من ضوابط، وتشريعات سامية تحقق هذه الغاية بإتقان.

    فقد فاتنا ان نشير الى ان من جملة الوسائل التي حرص عليها الإسلام، في هذا الباب، انه استعمل خطة في التقنين، ثبات الضوابط الفطرية التي وضعها والزم بها، بحيث لا يستطيع الناس ان يخضعوها لأهوائهم، على مقتضى التطور الذي يلحق السلوك والأفكار بمرور الزمان وتفاعل الحضرات وتلاحقها.

    كان من هذا ان الشريعة الإسلامية، حرصت على ان تضع المحرمات الحامية للعرض، وأخلاق الأسرة، كبراها وصغراها معا، في اعلى مصدر تشريعي، وهو القران الكريم، الذي نجد فيه، بجانب النصوص الناهية، عن الفواحش الكبرى، نصوصا اخرى للنهي عن المحرمات الصغرى، المؤدية الى تلك الفواحش، ومنها الايات الآمرة بغض البصر!

    واذا عبرنا عن المقصود بلغة القانون اليوم، قلنا ان الشريعة الاسلامية، حرصت على ان تقنن هذه المحرمات، بنصوص دستورية، لا يمكن ان ينالها أي تغيير او تعديل، ولا يمكن ان يتسلط عليها، أي اجتهاد يرمي الى التحلل منها بأي تأويل.

    اذ اننا اذا اعتبرنا القران الكريم دستورا، وجب ان نعتبر نصوصه دستورية، لا يمكن نسخها الا بنصوص في قوتها، وحينئذ فلا يمكن ان نتصور هذا النسخ الا اذا تصورنا إمكان ظهور نبي جديد يستنزل قرانا جديدا من السماء وهذا فرض مستحيل شرعا.

    والحكمة من ذلك، كما هو واضح هي ضمان الاستقرار والاستمرار، لهذه الضوابط النظرية لحماية الزواج والأسرة والاخلاق الخادمة لها، مهما طال الزمان وتطور الناس، وتفاعلت أفكارهم وحضاراتهم.

    وكأن الإسلام هنا، عناية منه بهذه الاخلاق النظرية، وخوفا عليها، يخون العقل البشري ولا يأتمنه عليها، فرفعها الى حيث لا يمكن ان يدركها اجتهاده، اذا ظهر له ان يغير فيها ويعدل.

    ويبدو الان ان هذا التخوين كان صوابا، لان الواقع زاخر بالدلائل، على ان العقل البشري، قد ينحاز للهوى ضدا على الحق، فتراه يؤيد الباطل وتراه يقدم لذلك، تعديلات خادعة، كأقوال النصابين!

    الم يظهر مفكرون تجلت عبقريتهم، في هدم هذه الأخلاق الأنانية الفطرية الضرورية، واعتبارها وكذا مصدرها الديني، مجرد خرافات، سقط فيها الإنسان بجهله، ويجب ان يتخلص منها، بعلمهم الذي ابتكروه وزينوه بكل خادع من زخرف القول!

    فحين يراجع الإنسان هذا التراث المتراكم، الذي انتجه المفكرون الماديون، الليبراليون منهم واليساريون، يجد نظريات وفتاوي علمية بمنهج دقيق، وبراهين خادعة، لا يكاد ينجو منها، الا راسخ في العلم، ذو عقل مسلح بالايمان، يعرف كيف يكتشف السم في الدسم !

    ويبدو صواب هذا التخوين كذلك، وبوجه اقوى، حين نرى اليوم السهولة التي يتم بها نسخ المحرمات الأزلية وإلغائها داخل الهيئات التشريعية التي تضم النخبة والعلية أهل الحل والعقد من الناس.

    اذ يكفي اليوم، تقديم مشروع قانون الى البرلمان، بإباحة محظور معين، لتراه يحظى بالأغلبية ويصبح تشريعا ملزما ولو تعلق بقلب حقائق الحياة، وتغيير مالا يجوز تغييره، من أحوال الإنسان!

    ألم نقرأ في مراجع القانون الدستوري مرارا ان أحد برلمانات أوربا العريقة، يستطيع ان يفعل كل شيء سوى ان يحول الرجل امرأة او المرأة رجلا؟ ولكن مهلا، فان الزمان كشف ان قائل هذا الكلام، كان مقصرا، لان الانحطاط تطور بالناس هناك، حتى صار هذا الاستثناء نفسه، داخلا فيما تستطيعه البرلمانات الأوروبية، وفيما تشرعه.

    وقد يتوقع الآنيان ان يجد لدى السلطة القضائية، ما يلجم السلطة التشريعية، حين تضل وتنحرف، فتحلل مالا يجوز تحليله، ولكن الواقع هو العكس، فحين يقرا الإنسان بعض الاحكام التي يصدرها القضاء في الغرب من حين لحين، عند الاحتكام اليه، فيما يتعلق ببعض الأعمال الفنية الخارقة للحياء يزداد يقينا، بان البشرية مهما بلغ بها العلم والتقدم والتحضر، غير مؤهلة لان تؤتمن على عرضها، وان الإسلام كان على صواب، حين خوفها من هذا الجانب.

    ففي هذه الأحكام، نجد وقائع، تتحقق فيها كل الاركان المكونة لتلك الجرائم التقليدية، المقصود بها حماية اخلاق المجتمع، مثل الإخلال بالحياة، والتحريض على الدعارة، وإفساد الشباب وغيرها. وعلى الرغم من هذا تصدر الأحكام فيها بالاباحة والاجازة، بتعليلات تحس فيها بالمباهاة بالتضحية باخلاق المجتمع كله، فداء لحرية سفيه يريد ان يعبر عن نزواته المرضية، وان يتكسب بذلك ويغتني.

    ويزداد العجب حين نجد السلطة الرابعة، تبادر الى تزكية هذه الإباحيات وحمل الرأي العام على الاقتناع بها، فنرى اقلام الكتاب البلغاء، تتنافس في الدفاع عن كل منحرف، يريد ان تشيع فواحشه بين الناس.

    * * *

    فماذا بعد كل هذا، وما هي النتيجة والعبرة التي يجب ان يخرج بها العاقل؟

    في كل ليلة اليوم، تنعقد في الدول المتحضرة، مآت بل آلاف الحفلات، والحلقات الفنية.

    تقوم في جوهرها، على استغلال الأعراض، في صورة مقاولات تؤجر فيها المرأة جسدها،لانتاج فنون من المجون، في شكل عروض للرقص او التمثيل، في دور اللهو والمسرح والسينما يتحلق حولها الناس يستهلكونها بعد اداء ثمن مقاعدهم، وبرضى المجتمع بغوغائه وعليته بهذا، ويراه من مظاهر التحضر والتقدم، وتحسب حين تأخذ في احصاء عدد دور اللهو، التي تشتعل أضواؤها كل ليلة، وعدد الأجساد المعروضة فيها، ان الرجال هناك، اتفقوا على تسخير كل ما لديهم، من أمهات وبنات وأخوات، لهذا النشاط الليلي العاري، الذي لا تنقطع مواكبه.

    ويقف الاسلام وحده، بنصوصه القرآنية المعصومة من التبديل والتغيير، ليسفه هذا كله، ويسمع الناس صوت الفطرة( في الآيات الآمرة بغض البصر) ويقول بان هذا كله ليس الا انتهاكا لحرمة الجسم البشري وان وقوعه على النساء ليس الا انتهاكا لاعراضهن، مهما كانت المظاهر التي يتلون بها، وان الغرض من القيم العظمى وأحوال الإنسان الخاصة التي لا تباع كما لا يباع الوطن، وكما لا تباع الحرية وان منظمي هذا ومؤطريه والأذنين به وآتمون مشاركون في الجرم، وان العقود الواردة على ذلك باطلة لا تنتج الا الحرام والفساد.

    وبالنسبة للمسلمين، فانهم محجوجون بقرانهم ونصوصه فورا، ولا يحتاجون الى دليل غيره، ولا يستطيعون التحلل من مقتضيات واثر مخالفتها.

    واما بالنسبة لغير المسلمين فان هناك معيارا لا يكذب ولا يحابى عند الاحتكام اليه، وهو الواقع وما فيه

    يحتج منظرو فنون الحضارة الغريبة بان لها منافع اقتصادية ومعنوية روحية، ويلحون على ان هذه الفنون تهذب الذوق وتسمو بالروح وتصحح العلاقة بين الرجل والمرأة ليعيشا في مودة وسلام من غير كبت والاعداء.

    فماذا يقول الواقع، فهل تعيش المرأة حقا في سلام، وهل تحظى بالاحترام من الرجل، ويعاملها بطريقة سوية خالية من العقد والتعقيد؟

    الجواب حاضرو تقدمه جرائم العرض الواقعة اليوم على المرأة في اوربا وامريكا بانتظام وتصاعد مخيفين !

    ان ظهور هذه الجرائم التي أخذت اليوم بحجمها وكيفها الوحشي، طابعا وبائيا في تلك المجتمعات التي تبيح كل أنواع الفسق، وتنفي كل انواع المحرمات الفطرية التقليدية، وعدم ظهورها بهذا القدر في مجتمعاتنا الشرقية التي ما تزال تأخذ ببعض المحرمات الدينية في أخلاق الاسرة، ثم ظهورها في مجتمعاتنا لاحقا بقدر ما نقتبس من سلوك الحضارة الأوربية باطراد لدليل من الواقع على ان الواقع يؤمن بالقران ويصدقه، ولو كره الكافرون.

    ان من البلادة الا يدرك الانسان، ان تقديم جسد المرأة على هذا النحو، ليكون وسيلة للتسلية والترفيه، ليس الا نهبا واعتداءا عليها وعلى عرضها، يحرض على الأكثر والأقبح

    فمن العبث الا يدرك الإنسان، ان هذا الاعتداء البصري له ارتباط ديني، بالاعتداءات الفعلية التي تقع على المرأة اليوم بوحشية حتى أصبحت ظاهرة مرضية. ذات طابع وبائي، كما تدل على ذلك، الإحصاءات والدراسات الكثيرة، المنجزة في الموضوع.

    وليس ضروريا ان يكون المرء متخصصا في علم مالكي يشخص الحالة ويعرف الداء وسببه، فبإسراف فنون العصر، في كشف النساء، بذلك التوقح المعروف، سقطت هيبة الأنوثة وحرمتها، ولابد ان تسقط بسقوطها، حرمة المرأة، فلا يرى فيها الرجال الا وعاء للملذات.

    واذا زدنا في هذا، ما تزيده أزياء العصر التي يتسع خرقها كل يوم، حتى صار حال النساء، غاديات في الشوارع، كحالهن في علب الليل او يكاد، تأكد ان من المستحيل ان تكون العاقبة، غير هذه الكارثة التي جعلت المرأة في الغرب المتحضر الراقي، معرضة للنهب الوحشي من الرجال، سوقتهم وعليتهم، وكأن الإنسان المتحضر لا يسعد بالمرأة، الا وهي مسلوبة، مأخوذة بالعنف والاكراه.!

    فطبيعة تفاعل الاسباب والمسببات، تقتضي ان الاوربي الذي يقضي سهرة في عرض للبالي، على الطريقة الروسية، مثلا او عرض سينمائي، بإخراج سويدي او إيطالي او فرنسي، ( فقد تعددت الطبخات، التي يقدم بها أصحاب السينما لحوم النساء لجمهورهم)، لا يمكن ان نتصور ان يذهب بعد فراغه الى الكنيسة، ليتطهر ويستغفر، بل لابد ان يتجه بذهنه وبحركاته فورا وتلقائيا، ( بقانون الفعل ورد الفعل وباشر الأفعال الانعكاسية المعروف في علم النفس)، الى البحث عن ضحية يحقق تلك التخيلات، المحتشدة في ذهنه، من اثر تلك المشاهد، بوقاحة معادلة لوقاحة مرئياته، وبشراسة ( كلاب بافلوف) المشروحة في كتب علم النفس.

    فأين الحاق والمحقوق والفاصل والمفصول في هذه المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، فيما يرجع لحرمة الجسم البشري، وفيما يخص جانبه النسوي المعرض للانتهاك اكثر؟

    وماذا تفضل المرأة، وماذا يفضل الناس لأمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، عند المقارنة بين قوانين وضعية تبيح المرأة للناس، من غير ضابط ولاحد، بين قانون سماوي يجعل مجرد الاقتراب منها بنظرة فضولية، اعتداء على كرامتها، قريب وشبيه بالاعتداء الفعلي على عرضها، لانه محاولة وشروع فيه، والواقع شاهد وحكم؟

    *مجلة المحاكم المغربية، عدد 67، ص67.