أدخل كلمة للبحث

نظام الحالة المدنية ومقتضيات الفصل 468 من القانون الجنائي

نظام الحالة المدنية ومقتضيات الفصل 468 من القانون  الجنائي

    ذ.الحسن بويقين

    مستشار بالمجلس الأعلى

    توطئة:

    خصت المجتمعات البشرية قديمها وحديثها الأسرة ـ باعتبارها النواة الأولى لتكوينها ـ بعناية متميزة حيث نظمت كل ما يحفظ لها كيانها واستمراريتها وأهميتها في تطور المجتمع، فنظمت بذلك الزواج والطلاق والولادة والوفاة وتسمى القوانين التي تتناول ذلك كله في التشريعات الحديثة نظام الحالة المدنية.

    وللحالة المدنية أهمية كبيرة سواء بالنسبة للفرد حيث أنها هي التي تحدد مقومات هويته وتثبت وجوده عن طريق محررات رسمية يحررها ضابط الحالة المدنية وبالنسبة للمجتمع كذلك حيث يعتمد عليها في تخطيطاته المستقبلية في الميدان الاقتصادي، كما أن الإدارات ومؤسسات التشغيل الحرة تعتمد على وثائق من سجلات الحالة المدنية لمعرفة سن الموظف أو الأجير عند التوظيف أو التقاعد كما تعتمد عليها مؤسسات التعليم بالنسبة لسن التمدرس، وبواسطة نفس الوثائق يحدد سن الرشد القانوني وسن الرشد الجنائي وأهلية الفتى والفتاة للزواج، وسن التشريع في الانتخابات.

    ولأجل هذه الاستعمالات المتنوعة والضرورية لوثائق الحالة المدنية أحاط المشرع نظام الحالة المدنية بتنظيم خاص.

    ونظرا لأهمية نظام الحالة المدنية في حياة الفرد والمجتمع أحاطه المشرع بعدة تدابير زجرية لم تتجاوز عقوبات مالية بسيطة في الأول كالتي وردت في الفصل 16... والفصل 40 من ظهير 4/9/1915 المنظم لأول مرة للحالة المدنية بالمغرب والفصل 10 من ظهير 8/1/50 الذي قضى بدوره بعقوبة مالية في حق الأشخاص المبينين في الفقرة 1 من الفصل الثالث من نفس الظهير، وهذه العقوبات المالية موجهة فقط ضد ضابط الحالة المدنية الذي تصدر عنه مخالفات معينة ومحددة في الفصلين المذكورين، ونفس الشيء بالنسبة لظهير 25/1/1932 المتعلق بالزيادات والوفيات الغير المصرح بها حيث نص الفصل الثاني منه على ذعيرة مالية في حق كل الواجب عليهم التصريح بالازدياد أو الوفاة إذا لم يفعلوا ذلك داخل الأجل القانوني.

    ولم يشدد المشرع في عقوبة المخالفين لنظام الحالة المدنية إلا بواسطة الفصل 11 من ظهير 8/3/50 المعمم لنظام الحالة المدنية بالمغرب حيث نص عل ذعيرة مالية وعقوبة حبسية تتراوح بين 500-6000 سنتيم وبين ستة أيام وشهر واحد أو... إحداهما فقط في حالة عدم القيام بالتصريح ضمن الآجال المحددة في الفقرة الثانية من الفصل الأول من نفس الظهير وبالفقرة الثانية من الفصل 45 من ظهير 4/9/1915 بل نص نفس الفصل على عقوبة أكثر شدة تتمثل في سجن تتراوح مدته بين ستة أشهر وثلاث سنوات في حق كل من تملص و حاول التملص من التزامات الحالة المدنية مع كونه خاضعا لها وذلك بتصريح زائف أو إخفاء أو زيادة أوراق أو غير ذلك من الوسائل.

    وباعتبار التصريح بالازدياد نقطة الانطلاق الأولى للخضوع لنظام الحالة المدنية سواء لأول مرة وذلك بتصريح الشخص بازدياده وازدياد كل أبنائه مرة واحدة متى كان متمتعا بتعويضات عائلية من جهات معينة كما سنرى لاحقا أو سواء بالنسبة للتصريح بازدياد كل مولود جديد الخاضع لنظام الحالة المدنية سابقا فإن المشرع لم يكتف بالعقوبة البسيطة الواردة في الفقرة الأولى من الفصل 11 من ظهير 8/3/50 المشار إليه أعلاه بل أحدث عقوبة أشد نوعا ما في الفصل 468 من ق.ج تتراوح ما بين شهر واحد وشهرين اثنين حبسا وغرامة من 120 درهما إلى مائتي درهم.

    عند تطبيق مقتضيات الفصل 468 من ق.ج قد يحصل بعض الالتباس إذا لم يقع فهم بعض العبارات الواردة فيه فهما صحيحا وخاصة معنى عبارة "الحالات التي يكون فيها التصريح واجبا " وعبارة " الأجل القانوني للتصريح" وعبارة " الأشخاص الواجب عليهم التصريح".

    ولأجل ذلك ارتأينا تسليط بعض الأضواء على الفصل المذكور أعلاه حسب فهمنا المتواضع والقابل لكل نقاش، وتسهيلا للأمر فضلت أن أبدأ بدراسة رسم الازدياد باعتباره الغاية والمقصود بالدرجة الأولى من أحداث المقتضيات أعلاه.

    خطة البحث:

    وهكذا سنتناول دراسة هذا المبحث من خلال محورين اثنين:

    ـ المحور الأول: سأتحدث من خلاله عل عقد رسم الازدياد في مباحث أربعة:

    الأول: يتعلق بحالات إلزامية التصريح بالازدياد.

    الثاني: أجل التصريح بالازدياد.

    الثالث: الأشخاص الواجب عليهم التصريح بالازدياد.

    الرابع: الضابط المختص لتلقي التصريح.

    المحور الثاني: سيتناول تحليل مقتضيات الفصل 468 من ق.ج وذلك في أربعة مباحث أيضا:

    الأول: حالات وجوب التصريح بالازدياد حسب مفهوم الفصل 468.

    ثانيا: الركن المادي (الركن المادي للجريمة).

    ثالثا: صفة الشخص الواجب عليه التصريح بالازدياد.

    رابعا: القصد الجنائي (الركن المعنوي للجريمة).

    ورغم تشابه بعض العناوين في المحورين معا فإن مضمونها يختلف كما سنرى لاحقا.

    رسم الازدياد:

    يعتبر رسم الازدياد من أهم لمحررات الرسمية التي يتولى تحريرها ضابط الحالة المدنية، وهو وثيقة تثبت هوية صاحبها وعلى أساسها يستطيع الشخص القيام بجميع المعاملات وبواسطتها تعرف أهليته (1) ورشده القانوني والجنائي وعدمهما وكذا... أهليته للانتخاب والترشيح لها كما يرجع إليها في علاقة الشخص مع الإدارة كمواطن أو كموظف، وتبقى المعلومات الواردة في الرسم المذكور لصيقة بصاحبها على حين وفاته.

    ونظرا لما لهذا الرسم من أهمية فقد اعتنى به المشرع وأحدث في شأنه إجراءات وضمانات إدارية وقضائية.

    ويتعين بادئ ذي بدئ التطرق إلى حالات إلزامية التصريح بالازدياد وهي بيت القصيد في الموضوع لأنها تمثل الجانب الغامض نسبيا في مقتضيات الفصل 468 من ق.ج ولتوضيح ذلك يتعين الرجوع إلى النصوص المنظمة للحالة المدنية بالمغرب.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    (1) ورد في قرار المجلس الأعلى تحت عدد 5 بتاريخ 15/11/68 أن السن القانوني للشخص هو الذي يؤخذ لزوما من سجلات الحالة المدنية عند وجودها ولا يمكن للمحكمة أن تأخذ بالسن المثبت فيما سواها.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    المبحث الأول: حالات إلزامية التصريح بالازدياد:

    أنشئ نظام الحالة المدنية بالمغرب بواسطة ظهير 4/9/1915 لفائدة المستعمر بصفة خاصة والأجانب بصفة عامة ولم يسمح للمغاربة من الاستفادة منه إلا في سنة 1931 حيث صدر ظهير 2/9/1931 المغير للفصل الأول من الظهير أعلاه وذلك بإضافة فقرة تنص على أن المغاربة أن ينتفعوا بنظام الحالة المدنية فيما يرجع للازدياد والوفيات، وظل الأمر على هذه الحالة إلى تاريخ صدور ظهير 8/03/1950 الذي سمح بتمديد مقتضيات ظهير 04/09/1915 إلى المغاربة ونص بوجوب الخضوع للنظام المذكور الفئات المستفيدة من التعويضات العائلية، وفي آخر المطاف صدر ظهير 4/12/1963 وبموجبه وقع تعميم نظام الحالة المدنية على جميع المغاربة إجباريا، غير أن هذا التعميم الإلزامي لازال يترجم إلى الواقع بسبب عدم صدور القرارات والمراسيم التنظيمية للظهير المذكور، ولذا فإن الخضوع لنظام الحالة المدنية لغير الفئات المومأ إليها أعلاه لازال اختياريا، لكن متى يجب التصريح بالازدياد ؟

    يجب التصريح بالازدياد في الحالات التالية:

    1)إذا كان أحد أبوي المولود يتمتع بإعانات عائلية أو التعويضات التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ويشمل هذا الوجوب الشخص المنتفع فيما يتعلق بالتصريح بازدياده هو وبأولاده كما ينسحب الوجوب على من قام مقام المنتفع في حالة وفاة هذا الأخير (الفصل 2-1 من قرار 3/4/1950).

    2)كل من كان خاضعا لنظام الحالة المدنية يكون ملزما عليه في المستقبل أن يصرح بازدياد أولاده ولو كان لا يتمتع بإعانات قانونية.

    3)عقاب الأشخاص الملزمين بالخضوع لنظام الحالة المدنية (الفصل 2 من ظهير 8/3/1950).

    لاشك أن حالات إلزامية التصريح بالازدياد المشار إليها أعلاه لازالت في حاجة إلى توضيح وتفصيل أكثر، وسيتأتى لنا ذلك من خلال دراسة أجل التصريح بالولادة.

    المبحث الثاني: أجل التصريح بالولادة.

    إن آجال التصريح بالازدياد يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أنواع:

    1) الأجل غير المحدد المدة:

    يستفيد من هذا الأجل كل من لم يخضع لنظام الحالة المدنية وجوبا حيث يمكن له متى شاء أن يتقدم لدى ضابط الحالة المدنية لمكان ازدياده وازدياد أولاده ويعلن عن رغبته في التسجيل بسجلات الحالة المدنية معززا طلبه بالوثائق الضرورية دون حاجة إلى استصدار حكم من القضاء بالأمر بالتسجيل.

    2) الأجل المحدد في ثلاثة أشهر:

    بصدور ظهير 8/3/1950 ومرسوم تطبيقه المؤرخ بـ 3/4/1950 أصبح الخضوع لنظام الحالة المدنية إلزاميا لفئة معينة من المغاربة وهم الأشخاص المشار إليهم في الفصل الأول من المرسوم المذكور أعلاه، وهكذا يجب على كل من لم يخضع لنظام الحالة المدنية سابقا وأصبح يستفيد أو قد يستفيد من إعانات عائلية أو قانونية أو تعويضات من صندوق الضمان الاجتماعي سواء كانت تلك التعويضات من الدولة أو من طرف منظمات عمومية أو خصوصية يجب عليه أن يطلب كناش التعريف والحالة المدنية وأن يصرح في نفس الوقت بازدياد أولاده داخل أجل ثلاثة أشهر تبتدئ من تاريخ الاستفادة من تلك التعويضات والإعانات.

    والسؤال الذي يطرح نفسه بحدة هو: ما هي الجهة المختصة لتلقي التصريح بالازدياد خارج أجل الثلاثة أشهر؟ هل هو ضابط الحالة المدنية أو هذا الأخير بواسطة حكم من المحكمة ؟

    إن المشرع كما سنرى لاحقا بعد أن حدد في الفصل 21 من ظهير 4/9/1915 أجل التصريح بالازدياد بالنسبة للخاضع للحالة المدنية أردف ذلك بقوله بأنه في حالة مرور الأمد القانوني المذكور فلابد من الالتجاء إلى المحكمة لاستصدار أمر بالتسجيل.

    أما بالنسبة للواجب عليهم الخضوع لنظام الحالة المدنية طبق الفصل الأول من القرار المؤرخ في 3/4/50 فقد حدد الفصل الثاني من نفس القرار أجل التصريح بازدياد الأبناء في ثلاثة أشهر دون الإشارة إلى الجهة المختصة في حالة مرور الأجل المذكور دون التصريح بالازدياد. ولكن هل يمكن أن نقيس هذه الحالة المشار إليها أعلاه، ونقول باختصاص القضاء في الحالتين معا؟

    إن الجواب بالنفي هو الأقرب للصواب إن لم يكن الصواب بعينه ونعلل ذلك:

    1) بسكوت المشرع عن ذكر اختصاص القضاء حيث يبقى الجزاء المترتب عن ذلك هو الجزاء الزجري فقط وهو المشار إليه في الفصل 11 من ظهير 8/3/1950 ويتحفظ كما سنبين لاحقا الجزاء الوارد في الفصل 468 من ق.ج.

    2)التصريح بازدياد الأبناء عن طريق المحكمة خارج أجل الثلاثة أشهر يستوجب أولا كون والد الأبناء المذكورين متوفرا على اسم عائلي سبق أن خضع لمسطرة التثبت والنشر ولا يتأتى ذلك عن طريق الأمر بالتسجيل لأول مرة بواسطة المحكمة.

    ويلاحظ أن بعض المحاكم غالبا ما تقبل طلبات تسجيل الأبناء بسجلات الحالة المدنية رغم أن والدهم أو جدهم للأب لم يسبق لهما أن خضعا لنظام الحالة المدنية وهذا يعد خروجا عن اختصاص القضاء لما يترتب عن ذلك من تسجيل اسم عائلي بسجلات الحالة المدنية دون خضوعه لمسطرة التثبت (2) وسيكون مصير كل حكم من هذا النوع الإشكال في التنفيذ ما لم يكن ضابط الحالة المدنية الذي أحيل عليه الحكم المذكور يجهل القوانين المنظمة للحالة المدنية ويقع بدوره في نفس الخطأ.

    الأجل المحدد في شهر:

    إن هذا الأجل خاص بكل خاضع لنظام الحالة المدنية أي بكل من وقع تسجيله بسجلات الحالة المدنية وازداد له مولود جديد، فيتعين عليه طبقا للفصل 21 من ظهير 4/9/1915 أن يصرح به لدى ضابط الحالة المدنية داخل الأجل المذكور الذي يبتدئ في اليوم الموالي لتاريخ الازدياد وهو أجل كاف ومناسب، لاسيما وأن المواصلات حاليا موجودة في جميع أنحاء المغرب بالإضافة إلى أنه يمكن للمعني بالأمر أن يصرح بازدياد مولوده داخل الأجل القانوني حتى أمام ضابط الحالة المدنية للجماعة المجاورة بجماعة مكان الازدياد، وإذا مر الأجل المذكور فلا يمكن تسجيل الولادة بسجلات الحالة المدنية إلا بواسطة حكم تصدره محكمة مكان الولادة بصريح الفصل 21 المذكور أعلاه.

    أن آجال التصريح بالازدياد منحصرة فيما ذكره أعلاه، غير أن بعض الحالات يشار التساؤل بشأنها حول ما إذا كانت خاضعة لهذا الأجل أو ذاك وسنوضحها فيما يلي:

    أجل التصريح بازدياد الابن الطبيعي (الغير الشرعي)

    أن الابن الطبيعي لا يراعى في تسجيله بسجلات الحالة المدنية الأجل القانوني المشار إليه في الفصل 21 من ظهير 4/9/1915 (شهر واحد) ولو كانت والدته مسجلة بسجلات الحالة المدنية، لأنه إذا كان من اللازم أن يتمتع الابن الشرعي باسم والده في النسب، وبالتالي في الاسم العائلي فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للابن الغير الشرعي ولو كان يتبع أمه في الميراث والنسب، حيث أنه ليس من الضروري أن يتبع أمه في الاسم العائلي لأن هذا الأخير غالبا ما يكون اسما عائليا لأسرة الأم وقد ترفض تلك الأسرة أو بعض أفرادها منح اسمها العائلي للابن الطبيعي ومن حقهم التعرض على ذلك أثناء مسطرة تثبت الاسم العائل، وسوف لن يتأتى إجراء المسطرة المذكورة وكذا التعرض على الاسم العائلي إذا وقع تسجيل الابن الطبيعي عن طريق المحكمة بدعوى مرور أجل شهر على تاريخ الازدياد. فهذه الحالة إذن يطبق عليها الأجل الغير المحدد لعدم وجود الأب بحيث يمكن لمن يعنيه الأمر أن يصرح بازدياد الابن الطبيعي أمام ضابط الحالة المدنية في أي وقت شاء مادام الخضوع لنظام الحالة المدنية اختياريا بالنسبة للابن المذكور.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    (2)انظر فيما يتعلق بمسطرة تثبت الاسم العائلي ـ مجلة الملحق القضائي عدد: 19 ص 55 وما بعدها.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    أجل التصريح بازدياد مولود مجهول الأبوين:

    إن المولود المجهول الأبوين غالبا ما يجهل حتى مكان ولادته اللهم إلا إذا عثر عليه

    بعد الوضع وفي وقت لا يكفي لنقله من جماعة إلى أخرى أو ترك بإحدى أماكن التوليد كما يقع أحيانا بالمستشفيات، وذلك من طرف أمه التي اختفت بعد الوضع لأسباب غالبا ما تكون أخلاقية، اختفت دون أن تترك عنوانا أو حتى هوية مضبوطة ولهذا نص المشرع في الفصل 24 من الظهير المؤرخ بـ 4/9/1915 على أن ضابط الحالة المدنية لمكان العثور على المولود المجهول الأبوين هو الذي يتولى تسجيل ازدياده بعد كتابة تقرير مفصل يذكر فيه جنس المولود وغيره بحسب الظاهر والأسماء التي تعطى له ولابد من الإشارة إلى أن المشرع لم يحدد أجلا معينا للتسجيل بسجلات الحالة المدنية بالنسبة للمولود المجهول الأبوين فمهما كان عمر ه يقع تسجيله بواسطة ضابط الحالة المدنية دون الحاجة إلى استصدار أمر بالتسجيل من القضاء.

    أجل التصريح بازدياد المتكفل بهم:

    إن التبني في الإسلام حرام قطعا بدليل القرآن والسنة قال عز من قائل:" وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم" وقال الرسول "صلعم":" أيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين". ولم يحد المشرع المغربي عن هذا النهج حيث نص في الفصل 83 من مدونة الأحوال الشخصية على "أن التبني العادي ملغى لا ينتج عنه أثر من آثار البنوة". غير أنه في الحياة العملية كثيرا ما يحتال البعض على الواقع والقانون معا فيتبنى طفلا مجهول الأبوين أو أحدهما أو معلومهما وذلك بالتصريح لدى ضابط الحالة المدنية على أن الطفل المتبنى ابنه حقيقة ويخفي هذا الأمر حتى على الطفل نفسه(3) ولكن كثيرا ما يفضح الأمر بمناسبة نزاع بين الزوجين وفي أسوأ الأحوال بمناسبة الاختلاف حول التركة في حالة وفاة أحد الزوجين المتبنيين للطفل حيث يقوم الورثة الشرعيون بالطعن في شرعية إرث الابن الذي ينسب نفسه إلى الموروث. غير أن الإسلام إذا حرم التبني فقد أجاز كفالة الأطفال المتخلى عنهم سواء كانوا مجهولي الأبوين أم لا.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    (3)يعاقب على هذا الفعل الفصل 470 من ق.ج.

    ــــــــــــــــــــــــــــــ

    وهكذا يمكن لكل عائلة أن تقوم على وجه البر والإحسان برعاية شؤون المتخلى عنهم والسهر على تربيتهم، وكذا تنزيلهم بمنزلة الابن لينالوا حظ من الميراث في شكل وصية، كما أشار إلى ذلك الفصل 83 من ق.ح.ش.

    وقبل التطرق إلى أجل التصريح بازدياد المتكفل بهم يجدر بنا الحديث عن ظهير صدر أخيرا في الجريدة الرسمية رقم 4220 بتاريخ 15/09/93 يتناول كيفية كفالة الطفل المهمل بأن حدد الحالات التي يعتبر فيها الطفل مهملا كما أسند للمحكمة اختصاص إصدار قرار يكون الطفل مهملا بناء على طلب للنيابة العامة وأحدث كذلك لجنة إدارية على صعيد كل عمالة أو إقليم تختص بإصدار قرار بإسناد الكفالة للأشخاص والمؤسسات... المبينة في الظهير وبين في أحد أبوابه الإجراءات المتبعة من طرف اللجنة الإدارية المذكورة لتسجيل الحدث المهمل بالحالة المدنية إذا كان غير مسجل من قبل، كما أشار إلى ضرورة تسجيل عقد الكفالة بطرة عقد الازدياد للطفل المهمل، ويفهم من مقتضيات الظهير المذكور أن الأطفال المسموح بكفالتهم لابد أن يكونوا مهملين ويقع التصريح بذلك بواسطة حكم المحكمة بعد أن تتأكد هذه الأخيرة من كون الطفل مصنفا في إحدى الحالات الأربع المشار إليها في الفصل الأول من الظهير.

    تسجيل الحدث المهمل بسجلات الحالة المدنية:

    حسب مقتضيات الفصل 21 من الظهير أعلاه تتخذ اللجنة الإدارية المختصة بإصدار قرار الإذن بالكفالة التدابير والإجراءات الضرورية بتسجيل الطفل بسجلات الحالة المدنية وفق القوانين المنظمة للحالة المدنية، هذا إذا لم يكن مسجلا بها.

    وهذه الإجراءات تختلف حسبما إذا كان الطفل المهمل مجهول الأبوين أم لا، فإن كان معلوم الأبوين وكان والده أو جده للأب خاضعا لنظام الحالة المدنية، فإن التسجيل إذا كان خارج الأجل القانوني يقع عن طريق المحكمة.

    أما إذا لم يكن خاضعا لنظام الحالة المدنية أو كان مجهول الأب فقط أو مجهول الأبوين معا، فإن التصريح بالازدياد يقع بواسطة التصريح أمام ضابط الحالة المدنية لما يتطلب إعطاء الطفل لاسم عائلي خاص به ومخالف للاسم العائلي لكافله، كما يتطلب ذلك الفصل 22 من نفس الظهير من إجراء عملية التثبيت والنشر، فالقضاء في هذه الحالة غير مختص قطعا.

    تسجيل عقد الكفالة بطرة عقد الازدياد:

    ينص الفصل 21 من نفس الظهير على أنه يتعين تسجيل عقد الكفالة بطرة رسم ولادة الطفل المهمل لدى مكتب الحالة المدنية المسجل به، وذلك داخل أجل ثلاثة أشهر من تاريخ تحرير العقد المذكور.

    المبحث الثالث: الأشخاص الواجب عليهم التصريح بالولادة.

    لم يترك المشرع مسؤولية التصريح بازدياد المولود الخاضع لنظام الحالة المدنية دون إسنادها لمن يجب بل حدد أشخاصا ألزمهم تحت طائلة عقاب زجري بالقيام بالتصريح بازدياد كل مولود جديد داخل الأجل القانوني وهم:

    1) فحسب مقتضيات الفصل 22 من ظهير 4/9/1915 ألزم المشرع:

    أ ـ الأب أو الأم التصريح بازدياد مولودهما الجديد متى كان والده مسجلا بسجلات الحالة المدنية، وذلك داخل الأجل القانوني ولا ينفي عنهما المسؤولية حضور بقية الأشخاص المشار إليهم بنفس الفصل لأن المشرع أشار بصريح العبارة إلى أن أولئك لا تثبت مسؤوليتهم إلا عند عدم وجود الأب أو الأم.

    ب ـ الأطباء أو القوابل أو غيرهم ممن حضر الازدياد بشرط عدم وجود الأب أو الأم كما مر بنا سابقا.

    وفي حالة تقاعس المذكورين أعلاه حتى ينتهي أجل التصريح بالازدياد فسيكونون عرضة لعقاب زجري حدده الفصل 11 من ظهير 8/3/1950 في ذعيرة تتراوح بين 5 دراهم و60 درهما وحبس تكون مدته ما بين ستة أيام وشهر واحد أو إحدى هاتين العقوبتين.

    2) وحسب مقتضيات الفصل 468 من ق.ج فإن الأشخاص الواجب عليهم التصريح هم:

    أ ـ الأب: يعتبر الأب المسؤول الأول والرئيسي بالنسبة للتصريح بازدياد مولوده الجديد فحسب منطوق الفصل المذكور أعلاه تنتفي مسؤولية بقية الواجب عليهم التصريح في حالة وجود ألأب ولا تثبت مسؤوليتهم إلا في حالة عدم وجوده، وتجدر الإشارة إلى أن الفصل المذكور سكت عن ذكر الأم عكس ما فعل الفصل 21 من ظهير 4/9/1915 وقد يذهب البعض إلى القول بان عبارة "أي شخص حضر الولادة" الواردة في ذات الفصل أعلاه تندرج تحتها الأم، غير أن هذا القول مردود لسببين اثنين الأول كون المشرع أشار إلى الأب بصريح العبارة وسكت عن ذكر الأم، والثاني أن الأم لم تحضر الولادة وإنما كانت موضوع الولادة، أضف إلى ذلك كله أن ذلك يتنافى وقاعدة عدم التوسع في التفسير في الميدان الزجري.

    بـ الطبيب أو الجراح أو ملاحظة الصحة أو الحكيمة أو المولدة أو القابلة أو أي شخص حضر الولادة أو وقعت بمحله "فإذا كان المشتغلون بمهمة الطب والتوليد المشار إليهم أعلاه لا يحتاجون إلى توضيح أو تعريف، وإذا كانت عبارة "أو أي شخص حضر الولادة واضحة بدورها باستثناء ما يتعلق باستبعاد الأم كما أشرنا إليه سابقا فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة لجملة " أو وقعت بمحله" أو الولادة.

    ونشير إلى أن النص الفرنسي استبعد منزل الأم الذي وقعت فيه الولادة حيث وضح بأنه في حالة ما إذا وقعت الولادة خارج منزل الأم يكون الشخص الذي وقعت الولادة بمحله هو المسؤول، والمقصود بالشخص المذكور رب المنزل العادي ورؤساء المؤسسات الاستشفائية العمومية والخصوصية ومدراء السجون أن وقعت فيها الولادة.

    المبحث الرابع: الضابط المختص لتلقي التصريح بالازدياد نوعيا.

    أ ـ رئيس الجماعة أو من يفوض له:

    إن طبيعة الموضوع تحتم علينا ألا نتوسع في دراسة ضابط الحالة المدنية وخاصة الجانب التاريخي منها وبالضبط ما قبل صدور ظهير 30/9/1976... المتعلق بالتنظيم الجماعي، فالفصل 45 من الظهير المذكور أسند مهمة ضابط الحالة المدنية لرؤساء الجماعات المحلية حضرية كانت أو قروية، وفي حالة غياب الرئيس أو حصول مانع لهي قوم بمهمة ضابط الحالة المدنية وبصفة تلقائية أحد نواب الرئيس دون حاجة إلى التفويض، ونظرا لكثرة مهام رئيس الجماعة المحلية فقد سمح له المشرع بتفويض سلطة ضابط الحالة المدنية لأحد أعضاء المجلس أو لأحد الأعوان العاملين بالجماعة بشرط أن يكون هذا العون مرسما في أحد الأسلاك الإدارية القارة وان يبلغ من العمر 25 سنة.

    بـ القناصلة العاملين بالخارج:

    حرصا من المشرع على ضبط الحالة المدنية للرعايا المغاربة المتواجدين بالخارج، فقد أسند مهمة ضابط الحالة المدنية للأعوان الدبلوماسيين والقناصلة العاملين بالخارج، وذلك بواسطة المرسوم المؤرخ بـ 29/1/1970.

    ج ـ باشا جماعة التواركة:

    استثنى المشرع جماعة التواركة بمدينة الرباط، حيث أسند مهمة ضابط الحالة المدنية للباشا المكلف بالجماعة المذكورة.

    دـ عامل مدينة الرباط (الوالي حاليا):

    استثناء كذلك أسند المشرع مهمة ضابط الحالة المدنية لعامل مدينة الرباط حسان لاعتبارات معينة بدل رئيس الجماعة الحضرية للمدينة المذكورة (الفصل 67 من الظهير أعلاه المنظم للجماعات المحلية).

    هـ ـ القائد أو الباشا بصفة مؤقتة واستثنائية:

    إذا وقع حل المجلس الجماعي أو توقيفه على الكيفية المحددة في الفصل 10، 11 من ظهير 30/9/1976 وتولت اللجنة المختصة أمر تدبير وتسيير شؤون المجلس الجماعي المنحل برئاسة السلطة المحلية، فإن الذي يتولى مهمة ضابط الحالة المدنية هو القائد أو الباشا وذلك بصفة مؤقتة إلى أن يتم تكوين المجلس من جديد.

    الضابط المختص مكانيا: ضابط مكان الازدياد:

    يتعين أن يقدم التصريح بالازدياد لدى ضابط الحالة المدنية للجماعة التي وقعت فيها الولادة وهو المختص أساسا لتلقي التصريح المذكور وذلك فعلا داخل الأجل القانوني.

    2) ضابط الجماعة المجاورة:

    تسهيلا لمسطرة التصريح بالازدياد أجاز المشرع للمعني بالأمر أن يتقدم بالتصريح بازدياد مولود جديد لدى ضابط الحالة المدنية للجماعة المجاورة لتلك التي وقعت فيها الولادة، وذلك تخفيفا على المصرح وخوفا من فوات الأجل. ويتعين على الضابط المذكور بعد التسجيل أن يوجه نسخة من رسم الازدياد إلى ضابط الحالة المدنية المختص مكانيا.

    3) ضابط مكان العثور على المجهول الأبوين:

    كما مر بنا سابقا يتعين على من عثر على مولود مجهول الأبوين أن يتقدم به لدى ضابط الحالة المدنية لمكان العثور عليه، وبعد ذلك بمثابة تصريح بازدياد من ليس خاضعا لنظام الحالة المدنية.

    وأخيرا نختم موضوع رسم الازدياد بذكر الوثائق الواجب الإدلاء بها لدى التصريح بالازدياد بصفة عامة.

    الوثائق الواجب الإدلاء بها عند التصريح بالازدياد:

    لكي يتم التصريح بازدياد مولود لابد من الإدلاء بوثائق تثبت واقعة الولادة مثل شهادة الطبيب أو القابلة العامة بصفة قانونية، وإذا تعذر الإدلاء بشهادة طبية كما إذا وقعت الولادة خارج المدن يكتفي بشهادة الولادة المسلمة من السلطات المحلية، هذا بالنسبة للتصريح بالولادة داخل الأجل القانوني.

    أما بالنسبة للتصريح بالازدياد خارج الأجل القانوني فيفرق بين حالتين:

    1)حالة التصريح بالازدياد بالنسبة للخاضع للحالة المدنية: ففي هذه الحالة يقع التصريح بواطة حكم عن طريق المحكمة وأغلبية المحاكم تطلب الإدلاء بشهادة الولادة صادرة عن السلطات المحلية وشهادة الحياة والدفتر العائلي (4) وعقد الزواج... بالنسبة للابن الأول للزوجين معا وكذا بالنسبة للابن الأول للزوجة الثانية بالإضافة إلى شهادة عدم التسجيل بسجلات الحالة المدنية تفاديا للتصريح... بالازدياد مرتين.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (4) التوفر على الدفتر العائلي يفيد الخضوع لنظام الحالة المدنية، وفي حالة تعذر الإدلاء به يمكن الاستعاضة عنه بعقد ازدياد الأب أو الجد للأب للمولود الجديد.

    ــــــــــــــــــــــــــــــــ

    2) حالة التصريح بالازدياد بالنسبة لغير الخاضع للحالة المدنية: في هذه الحالة:

    أ)فبالنسبة لتصريح الأب بولادته فحسب المنشور رقم 5/ أ ع 2 المؤرخ بـ 19/7/1957 يتعين أن يكون مبنيا على شهادة لفيفية أو على الوثيقة المدلى بها لدى تكوين ملف التوظيف، وذلك تفاديا لتغيير المعني بالأمر تاريخ ازدياده، وكذا اسمه العائلي في حالة تقديم وثائق تخالف الوثائق المدلى بها في ملف التوظيف.

    ب) بالنسبة للأولاد فإن التصريح بازديادهم لأول مرة إذا كان والدهم غير خاضع لنظام الحالة المدنية فيتعين الإدلاء حسبما أشار إلى ذلك الفصل الرابع من قرار 3/4/1950 بشهادة لفيفية عدلية وإما بشهادة الولادة تسلم من الباشا أو القائد بالإضافة طبعا إلى الإدلاء بشهادة الحياة تحرر من طرف السلطات المحلية.

    الفصل الثاني: تأملات في الفصل 468 من ق.ج:

    "جنحة عدم التصريح بالازدياد في الأجل القانوني":

    ينص الفصل 468 من ق.ج على ما يلي:

    "الأب وعند عدم وجوده الطبيب أو الجراح أو ملاحظ الصحة أو الحكيمة أو المولدة أو القابلة أو أي شخص حضر الولادة أو وقعت بمحله يعاقب بالحبس من شهر إلى شهرن وبغرامة من مائة وعشرين إلى مائتي درهم إذا لم يقم بالتصريح بالازدياد في الأجل القانوني وذلك في الحالات التي يكون فيها التصريح واجبا" ورد هذا الفصل في القانون الجنائي المغربي في الفرع الثالث المتعلق بالجنايات والجنح التي تحول دون التعرف على هوية الطفل من الباب الثامن من المتناول... للجنايات والجنح ويمكن أن يصنف ضمن الفصول الجنائية الجامدة نسبيا من الناحية العملية. ومن التي يخطأ في تطبيقها عادة. فمن جهة لا يلجأ إليه إلا بمناسبة نزاع بين الزوجين وخاصة حينما يشتد الخصام بينهما ويبحث كل واحد منهما عن مسطرة يمكن له بها توريط غريمه أو في حالة رفض الزوج العمل على تسجيل أولاده بسجلات الحالة المدنية، ومن جهة أخرى فإن تطبيق مقتضيات الفصل المذكور من طرف بعض المحاكم كثيرا ما لا تكون سليمة وذلك بسبب القراءة السريعة لمضمون الفصل دون الرجوع إلى القوانين المنظمة للحالة المدنية والتي تفسر غموض عبارة "الحالات التي يكون فيها التصريح واجبا" الواردة في الفصل المذكور.

    وبقراءة متأنية وفاحصة للفصل المذكور يتبين أن عناصر جريمة عدم التصريح... بالازدياد داخل الأجل القانوني يمكن تصنيفها كما يلي:

    1)حالات وجوب التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني.

    2)الفعل المادي.

    3)صفة الشخص الواجب عليه التصريح بالازدياد.

    4)القصد الجنائي.

    المبحث الأول : حالات وجوب التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني

    يعتبر هذا العنصر أهم عناصر الجريمة التي نحن بصدد دراستها وباقي العناصر لا يلتفت إليها إلا بعد توفره وفي شأنه يقع عادة الخطأ في التطبيق حيث يتم خطأ إدانة كل من لم يقم بتسجيل أبنائه بسجلات الحالة المدنية رغم كونه لا يخضع لنظام الحالة المدنية.

    ولقد مر بنا سابقا عند الحديث عن رسم الازدياد الإشارة إلى حالات وجوب التصريح بالازدياد، غير أنه بالنسبة لتطبيق مقتضيات الفصل 468 من ق.ج يجب التفريق بين حالتين:

    1)حالة خضوع والد المولود أو أصوله من جهة الأب لنظام الحالة المدنية، وذلك بسبب تسجيلهم بسجلات الحالة المدنية، فهذه الحالة لا تطرح أي نقاش أو التباس فهي المعينة بالفصل أعلاه.

    2)حالة كون أحد أبوي المولود يتمتع بإعانات عائلية أو التعويضات التي يمنحها الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهذه الحالة قد يتبادر إلى الذهن لأول مرة وهلة بأن الفصل 468 من ق.ج لإبطالها خاصة وأنه بمرور أجل ثلاثة أشهر على تاريخ بداية الاستفادة من الإعانات والتعويضات المذكورة أعلاه فلا يمكن الالتجاء إلى القضاء للمطالبة بالتسجيل بسجلات الحالة المدنية، كما هو الأمر بالنسبة للحالة الأولى أعلاه، في حالة مرور أجل شهر دون التصريح بالازدياد بل يقدم التصريح إلى ضابط الحالة المدنية كما أشرنا إلى ذلك سابقا بتفصيل.

    إن المشرع يقصد بمقتضيات الفصل المذكور أعلاه حث المعنيين بالأمر على التصريح بالازدياد في الحالات التي يكون فيها التصريح واجبا دون الإشارة إلى حالة بعينها حيث وردت عبارة "الحالات" بصيغة الجمع ودون تقييد، كما ذكر الأجل القانوني دون تحديد ما إذا كان الأمر يتعلق بأجل الحالة الأولى أو أجل الحالة الثانية، وهذا كله يجعلنا نميل إلى القول بأن مقتضيات الفصل 468 من ق.ج تعني الحالتين معا.

    المبحث الثاني: الفعل المادي (الركن المادي للجريمة)

    عرف القانون الجنائي المغربي في المادة 110 منه الجريمة "بأنها عمل أو امتناع مخالف للقانون الجنائي ومعاقب عليه بمقتضاه.

    بفهم من هذا النص أن النشاط الإجرامي كما يكون إيجابيا يكون أيضا سلبيا ويسمى هذا الأخير الجريمة بالترك ومن الجرائم التي تقع عن طريق الامتناع الجرائم المنصوص عليها في الفصول 378-430-431-468-469-476-477 من ق.ج.

    فالركن المادي لجريمة الفصل 468 من ق.ج يحصل بفعل سلبي متمثل في الامتناع عن التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني، ويحصل هذا الركن ويتحقق بمرور الدقيقة الأخيرة من الأجل القانوني الواجب التصريح داخله فهي جريمة بسيطة لا يستوجب قيامها تكرار الفعل كما هو الحال في الجريمة الاعتيادية، كما أنها جريمة فورية يتحقق وجودها في وقت محدد غير قابل للتجدد بإرادة الجاني عكس الجريمة المستمرة التي يتطلب توفر عناصرها التجدد بإرادة الجاني كإهمال الأسرة واستعمال وثيقة مزورة.

    وأخيرا أشير إلى أن جنحة الفصل 468 تعتبر من الجرائم الحديثة والتي يطلق عليها الفقه الجرائم القانونية وهي عكس الجرائم الاجتماعية التقليدية السائدة في المجتمعات منذ القدم كالسرقة والقتل، فالجريمة القانونية خلقت بسبب التطور الحضاري للمجتمعات الإنسانية وتهدف إلى حماية أوضاع يراها المشرع وسيلة لتحقيق المجتمع وسعادته، وتدخل جنحة عدم التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني في هذا الصنف فهي حديثة العهد في التشريع الجنائي المغربي مصدرها القانون وليس الأخلاق ولا حتى الشريعة الإسلامية ولا تهم كل أفراد المجتمع بل تخص فئة معينة منه وهي التي تخضع لنظام الحالة المدنية، هذا النظام الذي ليس إجباريا حتى الآن بالنسبة للجميع كما رأينا سابقا.

    نتيجة إجرامية:

    تعتبر النتيجة الإجرامية أحد عناصر الركن المادي لا تتوفر الجريمة بدونه... فجريمة القتل لا تتحقق إلا بإزهاق روح بشرية والسرقة لا تقوم إلا بالاختلاس والاستيلاء على مال الغير، غير أن هناك جرائم تخرج عن هذا المبدأ وتتحقق بمجرد صدور سلوك معين ومجرم من طرف المشرع دون تحقق النتيجة وتسمى هذه الجرائم شكلية يحدثها المشرع لما فيها من تهديد بالاعتداء وخطر عل حقوق الكيان الاجتماعي مثل تجاوز السرعة والسير في الاتجاه الممنوع.

    تعتبر جريمة الفصل 468 من ق.ج من الجرائم الشكلية لا يتوقف قيامها على حدوث الضرر الباعث على التجريم فبمجرد مرور آخر لحظة من الأجل القانوني للتصريح بالازدياد تصبح الجريمة قائمة وأن التجأ المعني بالأمر في اليوم الموالي إلى المحكمة قصد المطالبة بتسجيل المولود الجديد.

    المحاولة:

    رغم أن المحاولة في الجنح لا يعاقب عليها إ بنص خاص فإن جريمة الفصل 468 من ق.ج لا يمكن تصور المحاولة في شأنها لأن فعلها المادي كله يقع بصفة تلقائية وفورية بمجرد انتهاء آخر دقيقة من الأجل القانوني الواجب التصريح داخله، ذلك أنه يتعذر التمييز بين مرحلة الشروع في التنفيذ ومرحلة إتمامه في الجرائم الشكلية السلبية لأن الترك (الامتناع) إما أن يتحقق فتكون الجريمة تامة وإما أن لا يتحقق فتختفي الجريمة ولا واسطة بين الحالتين (5).

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    (5) شرح القانون الجنائي القسم العام ص 96 الطبعة الثانية للدكتور الخمليشي.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

    المبحث الثالث : الأشخاص الواجب عليهم التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني

    سبق أن أشرنا إلى هؤلاء أثناء الحديث عن رسم الازدياد ولا داعي للتكرار، غير أن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة في هذا الصدد هو: هل تكون مسؤولية جميع الأشخاص الواردة أسماؤهم بالفصل 468 من ق.ج قائمة في آن واحد أو أن مسؤولية كل واحد منهم على حدة لا تقوم إلا في حالة غياب الذي سبقه في الترتيب أو على الأصح في الذكر.

    يجب أن تفرق بين حالتين حالة الأب وحالة غير الأب.

    1)حالة الأب:

    أن النص صريح في أن وجود الأب أثناء عملية الولادة بل وحتى بعدها أي داخل الأجل القانوني للتصريح بالازدياد بمكان تواجد مولوده الجديد يقصى ويبعد مسؤولية

    باقي الأشخاص المشار إليهم في الفصل موضوع النقاش وهدم تواجد الأب يدخل فيه وفاته وغيابه المتصل عن الدائرة الترابية للجماعة التي يجب التصريح فيها لدى ضابط الحالة المدنية.

    2)حالة غير الأب:

    إن هذه الحالة تعتبر من الأمور التي يقع الخطأ في شأنها عند التطبيق، ذلك أنه في حالة عدم وجود الأب يطرح تساؤل حول من المسؤول جنائيا في حالة عدم التصريح بالازدياد؟ هل كل المشار إليهم في الفصل؟ أو الأسبق منهم في الذكر فقط ؟

    فبالرجوع على الفصل 468 والوقوف عند كل كلمة أو حرف استعملها المشرع وحسبما توجه القواعد العامة لتفسير نصوص التشريع يتضح أن المشرع في النص العربي استعمل حرف "أو" بعد ذكر كل واحد من بقية الواجب عليهم التصريح بالازدياد غير الأب ولم يستعمل عبارة وعند عدم وجوده كما فعل بالنسبة لهذا الأخير.

    وحرف "أو" كما هو معلوم من حروف العطف ومن معانيه: الشك ـ الإبهام ـ الإباحة ـ التخيير ـ التقسيم وذلك كله حسب سياق الكلام. أما بالنسبة للنص الفرنسي فإن المشرع لم يستعمل إلا الفاصلة فقط حين ذكر الطبيب، الجراح، ملاحظ الصحة، الحكيمة، المولدة، القابلة، استعمل حرف « ou » الذي يعني عادة حرف "أو" قبل ذكر الشخص الذي حضر الولادة وقبل ذكر الشخص الذي وقعت الولادة بمحله.

    من كل ما ذكر يتبين أنه لا يمكن الجزم بأن المشرع قصد بذكر حرف "أو" الترتيب بل يفهم منها العكس أي أنه في حالة عدم قيام أي واحد منهم بالتصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني تصبح مسؤولية الجميع ثابتة وقد يرى البعض عكس هذا الرأي. خاصة إذا لاحظ أن المشرع ذكر المشتغلين بالطب حسب درجاتهم، ولكن بأية صفة يمكن متابعة هؤلاء وبعبارة أوضح هل يمكن تصور المساهمة والمشاركة في جريمة الفصل 468 من ق.ج؟ ذلك ما سنراه في العنوان التالي:

    المساهمة والمشاركة:

    هل يمكن تصور المساهمة أو المشاركة في جريمة الفصل 468 من ق.ج رغم كونها تعتبر من الجرائم السلبية كيف تتصور المساهمة والمشاركة في نشاط سلبي إجرامي؟.

    المساهمة:

    ينص الفصل 128 من ق.ج على أنه "يعتبر مساهما في الجريمة كل من ارتكب شخصيا عملا من أعمال التنفيذ".

    يفهم من مقتضيات الفصل المذكور أعلاه كما تناولنها بالتفصيل آنفا أن المساهمة لا تتصور إلا في غير الأشخاص المحددين بالضبط في الفصل مادام المشرع أعفى غير هؤلاء من مسؤولية التصريح بالازدياد كما أنه لا يمكن تصور وجود مساهم مع وجود الأب.

    وتبقى صفة المساهمة ثابتة فقط في حق بقية الأشخاص المحددة صفاتهم في الفصل في حالة عدم وجود الأب متى أحجموا جميعا عن التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني سواء كان ذلك حصل باتفاق سابق منهم أو حصل بطريق الصدفة دون اتفاق سابق بينهم وهي النتيجة التي توصلنا إليها سابقا عند الحديث عن صفة الأشخاص الواجب عليهم التصريح بالازدياد وأعتقد بانها صائبة.

    المشاركة:

    ينص الفصل 129 من ق.ج على أنه "يعتبر مشاركا في الجناية أو الجنحة من لم يساهم مباشرة في تنفيذها ولكنه أتى أحد الأفعال الآتية:

    1)أمر بارتكاب الفعل أو حرض على ارتكابه وذلك هبة أو وعد أو تعديد أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامي.

    اكتفينا بذكر هذه الفقرة من المادة أعلاه بسب أن باقي صور المشاركة لا يمكن تصورها في جريمة الفصل 468 من ق.ج.

    أما الصورة الواردة في الفقرة رقم 1 من المادة 129 فيمكن أن ترد في شكل أمر أو تصريف مقرونين بتقديم هبة أو وعد أو تهديد أو في شكل إساءة استغلال سلطة كصدور أمر من رئيس الممتهنين للطب والمشار إليهم في الفصل 468 أو إساءة استغلال ولاية كضغط الأب أو الأم أو المتقدم على الأب الغير البالغ سن الرشد القانوني لإمساكه عن التصريح بازدياد مولوده الجديد لسبب ما بالإضافة إلى حالة تحايل أو تدليس إجرامي.

    المبحث الرابع: القصد الجنائي (الركن المعنوي).

    لقد ذكرنا سابقا بأن جنحة الفصل 468 من ق.ج تعتبر جريمة شكلية بمعنى أن أركانها تتكون من مجرد نشاط سلبي يتمثل في الإمساك عن التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني ولكن هل معنى ذلك أن الركن المعنوي في هذه الجريمة لا يحتاج إلى الإثبات أي أنه مفترض؟

    قبل الجواب على هذا التساؤل نتطرق ولو بإيجاز إلى معنى القصد الجنائي وأنواعه وعناصره.

    القصد الجنائي:

    عرف البعض القصد الجنائي بأنه "القوة النفسية التي تكمن وراء الفعل أو الامتناع الذي أقدم عليه الفاعل وأراد به الاعتداء على مصلحة حماها المشرع بنص جنائي"(6).

    1 ـ وجود القصد الجنائي بالمعنى المشار إليه أعلاه يتطلب ضرورة توفر علم الجاني بكل عناصر الجريمة القانونية منها والواقعية.

    أنواع القصد الجنائي:

    القصد الجنائي يختلف من جريمة إلى أخرى فإذا كانت بعض الجرائم تستوجب توفر القصد الجنائي العام فقط فالبعض الآخر لا تتوفر أركانه كلها إلا بتوفر القصد الجنائي الخاص.

    1)القصد الجنائي العام:

    يتطلب هذا النوع توفر عنصرين أساسين وهما العلم بالقانون، والعلم بماهية الوقائع .

    العلم بالقانون: (لا يعذر أحد بجهل القوانين الجنائية)

    هذا العنصر ينبني على قاعدة لا يعذر أحد بجهله القانون (7) التي تفترض في الجميع المعرفة الكافية بالقانون بمجرد نشره في الجريدة الرسمية ويتساوى في الأثر الجهل بالقانون الذي هو نفي العلم لدى الجاني بكون الفعل الذي ارتكبه بجرمه القانون مع الغلط في القانون الذي هو فهم وتفسير للقانون على غير حقيقته.

    الاعتذار بالجهل بالقوانين غير الجنائية:

    يفرق بعض الفقه بين الجهل بالقوانين الجنائية وبين الجهل بالقوانين غير الجنائية حيث يقبل الاعتذار بالجهل بهذه الأخيرة ولا يقبله بالنسبة للأولى.

    فمعلوم أن بعض الجرائم لا تتوفر جميع أركانها إلا بوجود واقعة تستوجب "تطبيق قاعدة قانونية غير جنائية مثل اكتساب صفة التاجر في التفالس (الفصل 556 من ق.ج)

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (6) القانون الجنائي المغربي القسم العام ج 2 ص 218 للدكتور أبو المعاطي حافظ.

    (7) ينص الفصل الثاني من القانون المغربي على ما يلي:" لا يسوغ لأحد أن يعتذر بجهل التشريع الجنائي".

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ومثل اكتساب صفة الزوج أو الزوجة في الخيانة الزوجية(8) بوجود عقد زواج صحيح طبق ق م.ح.ش.

    ويسير القضاء الفرنسي والقضاء المصري على هذا النهج حيث قضى الأول ببراءة من عثر على مكنز في أرض الغير واستبد به جاهلا حكم القانون الفرنسي الذي يستوجب تقسيم الكنز مناصفة بين المالك والمكتشف(9).

    كما قضى الثاني (محكمة النقض المصرية) ببراءة متهمين أقدما على زواج ولم يكونا عالمين بتحريم الجمع بين المرأة وبنت أختها مشيرة إلى انتفاء القصد الجنائي لدى المتهمين(10).

    حقيقة مبدأ الاعتذار بالجهل بالقوانين غير الجنائية:

    إن قاعدة لا يعذر أحد بجهل القانون ليس مبدأ دستوريا في التشريع المغربي من جهة، ومن جهة أخرى لم ترد إلا في القانون الجنائي الفصل الثاني منه كما ذكرنا سابقا وخص هذا الفصل بالذكر عدم قبول الاعتذار بالجهل بالقوانين الجنائية، ومبدأ التفسير الضيق للقانون الجنائي وكذا تفسيره لفائدة المتهم يجعلنا نقول بقبول الاعتذار بالجهل بالقوانين الغير الجنائية متى كنا بصدد جريمة معينة يتطلب اكتمال أركانها تطبيق قاعدة قانونية غير جنائية، وقد ذهب بعض الفقه (11) والاجتهاد القضائي المقارن إلى القول بأنه يمكن قبول الاعتذار بالجهل بالقوانين الغير الجنائية متى تبث أن تلك القواعد القانونية تشكل جزءا من وقائع النازلة المجرمة، ذلك أن نفي العلم بها ينتفي معه ثبوت القصد الجنائي ويتساوى انتفاء العلم بتلك القواعد القانونية غير الجنائية مع انتفاء العلم في بعض الجرائم التي ينص المشرع بضرورة ثبوته مثل انتفاء العلم بكون الوثيقة مزورة في جريمة الفصل 359 من ق.ج وانتفاء العلم بكون الأشياء المخفاة محصلة من جناية أو جنحة ( الفصل 571 من ق.ج ) وانتفاء العلم بكون الأشياء المخفاة أشياء محجوزة ومبددة في جنحة الفصل 526 من ق.ج فانتفاء العلم في الجرائم المذكورة أعلاه ينعدم معه الركن المعنوي للجريمة الذي هو القصد الجنائي، وهذا ما أشار إليه الاجتهاد القضائي المصري.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (8) تبقى المطلقة طلاقا رجعا طيلة مدة العدة مكتسبة لصفة الزوجة العادية طبق قانون مدونة الأحوال الشخصية والجهل بهذه القاعدة يعتبر جهلا بقاعدة غير قانونية عير جنائية. وينتفي معها القصد الجنائي لجريمة الخيانة الزوجية وتثبت جنحة الفساد.

    (9) المدخل لدراسة القانون للدكتور حسن كيرة ص 322 الطبعة الخامسة.

    (10)انظر هامش ص 323 من نفس المرجع أعلاه.

    (11)انظر نفس المرجع السابق للدكتور حسن كيرة ص 322-323.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    المشار إليه بهامش هذه الصفحة من هذا العرض، ولذا فلا ينبغي أن يخامرنا الشك في أن الجهل بالقوانين غير الجنائية ينتفي معه القصد الجنائي وتنتفي معه الجريمة كلما كان أحد أركانها أو جزءا من وقائعها لا يتحقق إلا بالعلم بحكم قاعدة قانونية معينة غير جنائية مثل حالة جريمة الفصل 468 من ق.ج الذي نحن بصدد داسته.

    القصد الجنائي الخاص:

    هذا الصنف لا مجال لافتراضه ويتطلب جهدا خاصا من القضاء لإبرازه عند الإدانة مثل نية التملك في السرقة ونية إزهاق الروح في القتل العمد ويعتبر العنصر المميز لجميع الجرائم العمدية عن الجرائم الغير العمدية (12) ويختلف في الدقة من جريمة إلى أخرى.

    القصد الجنائي في جنحة الفصل 468 من ق.ج:

    تعتبر الجريمة التي نحن بصدد دراسة أركانها أقرب إلى الجرائم الغير العمدية لأنها ترتكب عن طريق الامتناع أي بنشاط سلبي وتحصل عادة بسبب الإهمال والرعونة ولذا فإن عنصر القصد الجنائي فيها نفترض توفره بمجرد إثبات إهمال التصريح... بالازدياد داخل الأجل القانون ي وإن كان الأمر لا يستبعد أحيانا توفر القصد الجنائي الخاص كما في حالة توفر نية نفي نسب الطفل المزداد أو الإحالة دون التعرف على هويته لحاجة في نفس الممسك عن التصريح بالازدياد الواجب عليه قانونا.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    (12)المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية ج 1 طبعة 1973 ص 591.

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

    الاعتذار بالجهل بنظام الحالة المدنية:

    تعتبر جريمة الفصل 468 من الجرائم التي لا تكتمل أركانها إلا بحصول واقعة ينظمها قانون الحالة المدنية وتلك الواقعة هي كون المولود الجديد خاضع لنظام الحالة المدنية وقد مر معنا سابقا الإشارة إلى حالات وجوب الخضوع لنظام الحالة المدنية ولابد من التفرقة بين القصد الجنائي المتمثل في العلم بكون المولود الجديد خاضع لنظام الحالة المدنية لدى الأب ولدى غير الأب من الأشخاص الواجب عليهم التصريح طبق الفصل أعلاه.

    حالة الأب:

    لاشك أن الجهل بنظام الحالة المدنية من طرف الأب يختلف من حالة إلى أخرى فحالة الأب الموظف أو الأجير المتمتع بنظام التعويضات العائلية كثيرا ما لا يطرح السؤال بالنسبة إليهما حيث نشر الوعي في الموضوع بين الأجراء والموظفين نادرا ما يجعل هؤلاء يتقاعسون عن التصريح بالازدياد داخل الأجل القانوني زيادة على رغبتهم في الحصول على التعويضات العائلية الممنوحة بالمناسبة في أقرب وقت ممكن.

    أما بالنسبة لحالة الأب العاطل أو غيره من الآباء الذين لا يتمتعون بالتعويضات العائلية إذا كانت مقرونة بالأمية فغالبا ما ينعدم الوعي والمعرفة بنظام الحالة المدنية وينعدم بالتالي القصد الجنائي لتخلف ركن من أركانه المتمثل في العلم بضرورة الخضوع لنظام الحالة المدنية حيث ينبغي في هذه الحالة البحث عن قصد خاص.

    حالة غير الأب:

    يمكن تصنيف هذه الحالة إلى صنفين صنف المشتغلين بمهنة الطب وصنف غير هؤلاء، فبالنسبة للصنف الأول فبحكم مهنتهم يفترض فيهم العلم بقواعد نظام الحالة المدنية أو على الأقل فيما يتعلق منها بالتصريح بازدياد كل مولود جديد أشرفوا على ولادته وذلك داخل الأجل القانوني، في حالة غياب الأب، ولكن لا يفترض فيهم العلم بكون المولود المذكور يخضع لنظام الحالة المدنية مادام هذا النظام غير إلزامي بعد بالنسبة لجميع المواطنين غير أنه لا يقبل التقصير والإهمال منهم لأنه متى كان بالإمكان بناء على الوثائق المدلى بها من طرف الأم للمصلحة الاستشفائية التي أشرفت على توليدها متى كان بالإمكان الاستنتاج منها بأن المولود الجديد خاضع لنظام الحالة المدنية فيفترض علم المذكورين أعلاه وتثبت مسؤولياتهم.

    أما فيما يتعلق بغير المشتغلين بالطب المشار إليهم في الفصل 468 من ق.ج... وهم الحاضرون للولادة أو الذين وقعت الولادة في محلهم فيتعين توفر القصد الخاص لديهم ولابد من إثبات علم المعني بالأمر بكون المولود الجديد يخضع لنظام الحالة المدنية فلا يفترض علمهم بالواقعة المذكورة ولا علمهم بقواعد نظام الحالة المدنية ما لم يستنتج ذلك من ظروف الواقعة ويمكن أن يسري نفس الحكم على القابلة التقليدية الغير المتوفرة على الرخصة الضرورية لمهنة التوليد.

    خاتمة:

    يقدر ما يتعين التشدد في المتابعة من طرف النيابة العامة ولو أحيانا بمناسبة عرض طلبات تسجيل الازدياد خارج الأجل القانوني لتقديم مستنتجاتها الكتابية خاصة إذا ظهر لها سوء نية الممسك عن التصريح أو تقصيره أو إهماله، بقدر ما ينبغي على المحكمة عدم التشدد في العقوبة إلا في حالة توفر القصد الجنائي الخاص ولهدف معين ذلك أن جنحة الفصل 468 من ق.ج تعد من الجرائم القانونية ولا تمثل سلوكا اجتماعيا شاذا خطيرا ولا تثير شعور المجتمع بل هي نوع من المخالفة لأوامر القانون وتقترف بالنشاط السلبي، وعقوبتها لا يتجاوز حدها الأقصى شهرين فهي إذن جنحة ضبطية لذا يجدر بالمحكمة أن تراعي هذا الجانب وتنزل بالعقوبة إلى الحد الأدنى مع إيقاف التنفيذ في حالة توفر شروطه بل وفي حالة تمتيع الجاني بظروف التخفيف يمكن الاكتفاء فقط بالعقوبة المالية كما يسمح بذلك الفصل 150 من ق.ج.

    تارودانت في: 25 شعبان 1414 موافق لـ 7 فبراير 1994.

    الإمضاء: الحسن بويقين.

    مجلة المرافعة

    لعبة تنمية الذكاء وتقوية مستوى التركيز
    Dama maroc
    Install